معن صالح: تطور وظيفة المُخبِر

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏يبتسم‏، ‏‏لقطة قريبة‏‏‏‏فكرة المخبرين معشعشة في رؤوس المجتمع السوري، لدرجة كنا نقول معها أن الأجهزة الأمنية تعرف حتى ما يدور في رأس السوري و هو نائم، و كانت الثقة معدومة بين الناس فيما يتعلق بأحاديث السياسة و خاصة ما يتعلق بالسلطة، و من النكت و الاحجيات الشائعة أن المخبر أثناء الاحتفالات الوطنية يسجل أدق التفاصيل ذات الدلالات التي تعبر عن موقفه، فيذكر أن فلان شارك و فلان لم يشارك، و فلان دبك و نخّ. و فلان دبك رفع عتب و لم ينخ.
    هذه السرديات الشعبية رغم سخريتها، لكنها تشكل دلالة في العمق عن مهنة المخبر في الوعي الجمعي،
    كانت المهنة في صلب الحياة الاجتماعية للمخبر انطلاقاً من فهمه للدور الذي يلعبه في حماية الوطن، فتتحول حياته بالكامل الى وظيفة الإخبار، ضمن الدوام الرسمي و خارجه، في كل مكان و في كل جلسة يشارك فيها حتى في منزله مع أعز الاصدقاء و اقرب المقربين.
    أغلب الظن أن وظيفة و مهنة المخبر مرّت خلال هذه الحرب بمراحل عديدة، تنشط أحياناً و تنكفئ في أحيان أخرى. المخبر اليوم بات يميز بين الوظيفة و المنزل، و خطوطه الحمراء تراجعت كثيراً، و اصبح يبحبش كثيراً ليجد قصة هامة تستحق ثناء معلميه، فلم تعد شتيمة الحكومة مشكلة، بل ربما العكس،
    عندما يكتشف المخبر أن فلاناً لا يشتم الحكومة هذا يعني شيئاً غريباً و له دلالاته، و يصبح صمت فلان على الحكومة مريباً.
    كان المخبر سابقاً صادق مع نفسه حتى داخل منزله و يعامل اسرته من منطلق الحريص على الوطن، و لا يسمح لأحد بتوجيه أي انتقاد. اليوم أصبح المخبر غير قادر على هذا الدور. و فور وصوله للمنزل يبدأ بتوجيه اللعنات و التهم لاعداء الوطن من الطبقة السياسية الى موظفي الحكومة الذين كان يدافع عنهم و يقوم بحمايتهم. زوجته المقتنعة انه يعرف كل شيء عندما تسأله ماذا يجري بالبلد؟ يجيبها: تركيها لربك يامرة، ماحدا عرفان شي، بينما كان سابقاً ينتعها محاضرة بالوطنية و الامبرالية و غير ذلك.
    المخبر اليوم لم يعد يعرف شيئاً، ما هو لمصلحة الوطن او ضد مصلحته، لم يعد يميز بين العدو و بين الصديق، و لم يعد يعلم إذا كان شخص ما يفضل ايران على روسيا او العكس هو لمصلحة السلطة أم ضدها، لا بد ان تعابير و مفردات المخبر قد تغيرت أيضاً، لم تعد الدلالات نفسها مفهومة لديه، حتى النخّة في كل يوم تأخذ معنى مغايراً.
    لله دركم.

    عدد الزيارات
    14290149

    Please publish modules in offcanvas position.