(إبن رشد) "الحفيد" "أشهَرُ" فلاسفة العرب المسلمين..7 من 7

    كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه:

    [ ( إبن رشد ) " الحفيد " ]

     
                              [ " أشهَرُ " فلاسفة العرب المسلمين ]
     
           ( انتماءٌ مُخلص إلى " الحقيقة ".. و مشكلات فلسفيّة و منطقيّة و معرفيّة ، مُعَلَّقَة )
     
                          《 الحلقة السابعة والأخيرة " 7 من 7 " 》 
     
            
    58▪︎ يقول البارون ( كارّا دي فو Carra de Vaux ) في كتابه عن (bالغزالي ) :
         "عادة المتكلمين في قتال الفلاسفة ترجع إلى بدء عهد المدرسة الفلسفية بالوجود. هذا الكفاح بدا في رأيهم ضروريٍّا ضد الفلاسفة، كما هو ضروري أيضًا ضد المعتزلة. إنه مهما يكن إخلاص الفلاسفة شخصيٍّا كمؤمنين؛ فإن مذاهبهم في نظر حماة الدين و العقيدة كانت تعتبر خَطِرَة؛ لأنهم حكموا- و إن لم يصرحوا- بأن مذهب الفلاسفة يعتدُّ بالعقل أكثر مما ينبغي، و يجعل الفلسفة القديمة تسير في معرفة الحقيقة بجانب الوحي أعلى منه قليلًا "[ انظر : إبن رشد الفيلسوف. محمد يوسف موسى]. "و هذا حق كله؛ فإن سوء تقبُّل رجال الدين للفلسفة معروف، لا فرق بين المتقدم منهم و المتأخر في الزمن"[ المصدر ].
         و لعلّ هذا الأمر هو ما يُفسّر أنّه، بعد الغزالي، قد عَدِمَتْ الثّقافة الإسلاميّة، في الشرق، فيلسوفًا من طراز (الفارابي) و (إبن سينا)، في حين صارت الفلسفة و الدّراسات الفلسفية تكاد تنحصر في اقتباسِ ما يتفق و "العقائد الدينيّة" من مذهب "المعلم الأول" (أرسطو)، أو "الشيخ الرئيس" (إبن سينا)، أو غيرهما؛ "كما فَتَرَت العناية بمسائل الطبيعة و ما بعد الطبيعة، و زادت بالعلوم العملية كالأخلاق و السياسة، كما يذكر المستشرق دي بور في كتابه "تاريخ الفلسفة في الإسلام"..

         و جاء ما يمكن أن يُسمَّى بعصر الشروح و الحواشي و التعليقات و المختصرات [ انظر : المصدر ]، و كذلك ما سمّي بمنهج "التّهميش على المُتُون"، لتدخل الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، منذها، عصرها المُظلم و تاريخها المُخجل و الرّكيك، و ذلك منذ بدايات القرن الحادي عشر الميلاديّ، إلى يومنا هذا، من دون أنْ نصدّق أنّها قامت للثّقافة العربيّة عصورٌ دعيّة و مزعومة من مسمّيّاتٍ كاذبة و فارغة، كمثل إسم "عصر النّهضة" أو "عصر اليقظة"، كما كنّا قد ألمحنا و فصّلنا، في غير مناسَبة، في ذلك بالنّسبة إلى هذه التّسميات "المجرمة" بحق "العقل العربيّ و الإسلاميّ"، و الذي بقي ساذجاً و عاجزاً، منذ ذلك الوقت، إلى هذا اليوم.

     

     

     
    59▪︎ و إذا كان "علم الكلام" ضرباً من "السّفسطة" الخالصة؛ لكن لا يُمكن لعلم بمفرده، و مهما ادّعى "العلمويّة"، أن يكون قادراً على الخوض في أمور "التّوحيد" لإثبات موضوع الإيمان، و أياً يكن هذا "الموضوع" أو هذا "الإيمان"؛ فإنّ كلا (الغزالي) و (إبن رشد) قد وقعا، هنا، في هذا "المطبّ"؛ و كان حريّاً بـ (إبن رشد) أن يتجاهل (الغزالي) و يتجاوزه في ذلك، ذلك لأنّه ليسَ لمُتديّنٍ أن يُناقَشَ أو يُحاوَرَ بمنهج "غير دينيّ" أو "غير لاهوتيّ"، كما أنّه ليسَ لآخرَ نقيضٍ أن يُجادِلَ أو يُجادَلُ بواسطة العكس. ولذلك فإنّ ما قام به (إبن رشد) في "تهافت التّهافت"، هو أضعف ما جاء به في كتب أخرى من "فكر"
         و للتّنويه بالضّروريّ، فإنّه ليس لنا أن ننقدَ عظيمين في وقتهما (أرسطو، و إبن رشد)، و لأسباب قد لا تتشابهُ، من باب "التّعزير" المُريب، و إنّما تناولناهما بهذه الاستفاضة المتوسّطة، من باب نقدِ "السّطوة الأرسطيّة" التي تُبدي أُفولاً غير مقبول في أدمغة الجهلةِ من أصحابِ المُنغَلَقات المنظوميّة الفقيرة بمواردها، و التي ما تزال يانعة في غيرِ أرضها و فضائها، كما ما تزال حاكمة لاختلاطات وصلَتْ بأصحابها المعاصرين إلى أقصى حدود "السّفسَطة" التي تنعكسُ كاعتداءٍ على التّنوير و المتنوّرين.
         و جُلّ ما كنّا نذهب إليه من وراء هذه المُصارحة غير المألوفة، إنّما هو إطلاق الحرّيّات للفكرةِ المتوسّعةِ حدودُها، و هو ما يتفق مع (إبن رشد) و طموحاته التي جعلتهُ معروفاً في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، و الأوروبّيّ، بصاحب "الفكر الحرّ".
     
                   ●  خامس عشر - عموميّات في فكر و فلسفة ( إبن رشد ) :
     
    60▪︎ مثل أيّ ظاهرةٍ فكريّة حُرّةٍ في المجتمعات المتخلّفةِ و التّاريخ المُحاصِر للعقول، يُعبّرُ المختلفون الأحرار في طرائق تفكيرهم عن سبقٍ بَشَريّ يبدو في حينهِ ثورَةً حقيقيّة على النّصوص المعمولِ بها كنصوصٍ مقدّسةٍ، و ذلك أيّاً تكن درجة دنيويّتها المُمأسَسة، و كذلك يُشكّلونَ انتقالاً في أفق الخطاب السّائد، و ذلك بقدر ما يُمثّلون انتهاكاً سويّاً لصِراطيّة الفكر الدّينيّ و السّياسيّ و الاجتماعيّ، التي تنتظِمُ مختلف المؤسّسات. 
         و إنْ كان ما قاله (إبن رشد) في جزئيّة السّياسة، القائلة بأنّ "السّياسة".. هي جزء من العلم المدنيّ ، و بأنّ "علم الأخلاق" هو الذي يؤسّس "علم السّياسة " تماماً [ انظر: " الضّروريّ في السّياسة ".( إبن رشد ) ] ؛ فإن "الرّجل" كان قد تطرّف كثيراً في فهمه للعالم و الطّبع البشريّ ، بتفاؤليّة، هي الأخرى، زائدة عن الحد ، عندما رأى، علاوة على ما تقدّم، أنّ ما يُسمّيه "علم الأخلاق"، هو الآخر، يتأسّس على مجرّد "علم النّفس"؛ "ذلك لأنّ موضوع علم الأخلاق هو "الملكات و الأفعال الإراديّة و العادات جملة"، و هي التي يُبحث فيها بحثاً علميّاً في "علم النّفس"؛ و أنّ "علم النّفس" جزء من "العلم الطّبيعيّ"، لأنّ النّفس هي "كمالٌ أوّلُ لجسم طبيعيّ آليّ ذي حياةٍ بالقوّة"[ المصدر ].
     
     
    61▪︎ و لقد وصل اهتمام (إبن رشد) – جرياً على (أرسطو) – بأصل الكائنات، و إيمانه بأنّ كلّ فعل يُفضي إلى خلق شيء إنّما هو عبارة عن "حركة"، و بأنّ الحركة تقتضي شيئاً لتُحرِّكُهُ و يتمّ فيه بواسطتها "فعل الخلق".. و هو الشّيء نفسُه أو "المادّة الأصليّة" التي صُنعت الكائنات منها؛ و بنائهِ على ذلك في أنّ الحركة تكون مستمرّة في العالم، إذْ لولا هذه الحركة المستمرّة، لما حدثت التحولات المتتالية الواجبة لخلق العالم، بل و لما حدث شيءٌ قط؛ إلى أن دفعه كلّ ذلك – كما كنّا أن قلنا أوّلَ هذا الحديث – إلى ضرب من ضروب الاعتقاد " الرّبوبيّ" ( الألوهيّ )، بحيث أنّ "المحرك الأول" الذي هو مصدر القوة و الفعل: "أيّ الخالق سبحانه و تعالى، يكون غير مختار بفعله " [ فلسفة إبن رشد. فرح أنطون ]. 
         و بناءً على ذلك لا يكون للكون "اتّصالٌ" بالخالق مباشرة، و إنّما هذا الاتصال يكون للعقل الأول وحده. وهذا " العقل الأول " هو عبارة عن المصدر الذي تصدر عنه القوة إلى الكواكب.. 
         " و بناءً على ذلك يكون للعقل الأوّل، الذي هو مصدر كل هذه الحركات، علم بكل ما يحدث في العالم " [ المصدر ]. 
    62▪︎ و ها هو ( فرح أنطون ) يذهب صراحة إلى الحديث عن غموض آراء (أرسطو) و (إبن رشد)، و ذلك في مثال على "العقل" من حيث هو عندهما "عقلان ، فاعلٌ و منفعلٌ" ، و هما في مصير شبه مجهول..
         " حيث أنّ أقوال المفسرين متضاربة في هذا الموضوع، و كل واحد منهم يفسره كما يشاء. فبعضهم يقول: إن أرسطو قد صرّح بأنّ العقل المنفعل أو المفعول فانٍ، و هو تصريح كافٍ للدّلالة على فكره. و بعضهم يقول: بل إنّ روح فلسفته تدلّ على خلاف هذا القول. 
         و كذلك قولهم في رأي ابن رشد في هذا الشأن لا يخلو من نظر. فمنهم من يرى أن ابن رشد يكرر مرارًا أن العقل المنفعل غير مفارق للإنسان و لا هو خالد. ولذلك؛ فإنه يعتقد بأنه فانٍ مع المادة. ويستشهدون على ذلك بقوله في بعض المواضع: "إنّ العناية الإلهيّة مَنَحتْ الحيّ الفاني المقدرة على التوالد لتخليد نوعه، و تعزيته بهذا الخلود النّوعيّ عن الفناء".. ( ابن رشد تأليف رينان الصّفحة 153 ). " [ المصدر ].
         فالعقل الذي في كل إنسان – و الذي منبعُه واحد من "العقل الأوّل" - إذن هو واحد. "و قد كان هذا المذهب من أضعف الجوانب في الفلسفة الرُّشدية، و لذلك سهّل على أعدائه نقضَه في أوروبا. و قد كان القديس توما يصيح بأنصار ابن رشد: هل تزعمون أن العقل الذي كان في أفلاطون و أرسطو، و العقل الذي في قُطاع الطرق و اللصوص هو واحد؟ " [ المصدر ]. 
         يقول (فرح أنطون)، المُنوّر الّلبنانيّ المتعصّب لإبن رشد، في وجهة نظرٍ متعاطفة مع (إبن رشد)، بالتّسويغ : " و لكن إذا نُظر إلى تعليم ابن رشد من وجه آخر استطاع الناظر أن يستخرج منه رأياً آخر. مثال ذلك أن ابن رشد يقول إن الحس و الذاكرة و الحب و البغض مفارقةٌ لعقل الإنسان بعد الموت، فالنفس التي فيه تتجرد منها، و لكن يبقى لها العقل أي أنها لا تفنى. و هذا القول استخرجه من فلسفة أرسطو الباحثون فيها بحثًا، يقصدون به تطبيقها على الدين كالقديس توما و ألبِر. و من ذلك يظهر أن النصّ في هذه المسائل حكمه حكم لا شيء، و إنما العمدة على التأويل و التفسير و التأويل حياة وروحًا يوافقان مذهبه. و هذا هو السبب في اختلاف الفلاسفة في تفسير فلسفة أرسطو و جميع الكتب الشرائعية العليا، التي يرجع إليها البشر في شئونهم الروحية كالقرآن والإنجيل والتلمود وغيرها " [ المصدر ].
    63▪︎ كنّا قد قلنا في بدايات هذا الحديث إنّ لإبن رشد، فعلاً ، ميزات ليست لغيره من فلاسفة الإسلام : الأولى أنّه أشهر فلاسفة الإسلام. و الثانية أنه من أعظم حكماء القرون الوسطى عامة، و هو مؤسس مذهب "الفكر الحرّ"، فكان له قدر عظيم في نظر أهل أوربّا، فجعلوه في مصاف فلاسفتهم المُعادين للعقائد الدينية. و الميزة الثالثة أنه أندلسيّ؛ و للأندلس بذاتها و آفاقها و تاريخها و آثارها مكانة خاصة في تاريخ العالم، و ذلك مع ما يمكن "استنتاجه" من قوة تأثير الوسط في عقلٍ شرقيّ النّزعة و العقيدة، غربيّ النّشوء و المَنبت. 
         و لنا ، أن نضيف إلى ذلك ميزة رابعة و هي انتماء (إبن رشد) إلى قضايا مجتمعه انتماءً حقيقيّاً و عادلاً، و لو على الطّريقة التّقليديّة التي كانت سائدة في ذلك الزّمان، و أعني عدم قطع حبل السّرة مع "السّلطان"، و ذلك مهما أبدى هذا السّلطان من جور في أحكامه و عسف في ممارسة استحقاقاته و جهل بالحقائق و تجاهل للوقائع.
    و في كلّ حال فإنّه ليسَ لظاهرة ناتئةٍ في التّاريخ أنْ تتكوّنَ، ما لَم توافقها ظروف تتوقّف على توقيفات وضعيّة و أقداريّة لا يُمكن للظّاهرة أن تُضاهيها ذاتيّاً في الانبلاج. 
    64▪︎ تركت "الرشدية" تأثيراً قوياً على رجال دين مَسيحيين و يهود مثل (توما الأكويني)(1225- 1274م) و (موسى بن ميمون)(1135- 1204م)؛ و على الرغم من سلبيتهم تُجاهها، لكنها بقيت من المرجعيّات الأساسيّة لجامعات ( أوربّا ) زمنًا ليس باليسير.
         و قد هيمنت "المدرسة الرشدية" على الفكر الأوربّي حتّى أواخر القرن السادس عشر الميلاديّ، تقريباً، أو أقلّ بقليل، بعد أن كَفَلَتْ "عصور النّهضة" الأوربّيّة باستعادة إرث (أرسطو) و الإغريق بخاصّة، عبر التّرجمات من الألسن العِبريّة و الإغريقيّة و الّلاتينيّة، القديمة. لكنّ الطّريف في الأمر أنّه لم تتركِ "الرّشديّة"، أبداً، أيَّ تأثير يُذكر على "الثّقافة العربيّة - الإسلاميّة " الرّسميّة، أو غير الرّسميّة و لو حتّى بشيء من تقليد خجول أو خطّ تفكيريّ أو فكريّ "عقليّ" واضح أو معروف. 
         غير أنّه و مهما قيل على (إبن رشد)، فلقد مثّل هذا النّموذج في تاريخ العرب – المسلمين القدوة الاجتماعيّة الثّوريّة لاهوتيّاً و سياسيّاً أمام منتحلي صفة "العلماء" المسلمين، في عصره، و في ما قبل عصره، و في كلّ العصور التّالية، إلى ما مثّله من نموذج حرّ منوِّرٍ و تنويريّ استطاع أن يكون عابراً الأديانَ و المذاهب و الطّوائف و الأعراق و الأجناس، و لو أنّ الأوربّيين عرفوا قدره وتقديره أكثر ممّا عرف ذلك وارثو أبناء جلدته و بيئته و الّلاحقون.
    65▪︎ لقد عرف (إبن رشد) كيف يكونُ منفصلاً فكريّاً و عقليّاً و سياسيّاً عن مجتمعه بتقاليده الإسلامويّة المحدودة التي ورثها عن مُحنّطين أمواتٍ لم يسلموا هم الآخرون من نقده و نظرته النّافذة إلى الأمور و إلى الحياة و العالم و الكون؛ و ذلك على الرّغم من انخراطه المسؤول في أعمق هموم و مشكلات مجتمعه الممتدّ بين السّلطان و عامّة النّاس، بما في ذلك نقده الجريء و الّلاذع لطبقة الكهنوت السّياسيّ الإسلامويّ التي كانت في أوجها المذهبيّ في أيّامه العجاف الصّعبة.. تلك، في أيّام القرنين الأخيرين من عمر "الدّولة الأندلسيّة"، آنذاك.. حيث كان انهارتْ "الدّولة العبّاسيّة" في الأندلس منذ زمن بعيد، و وقفنا على أبواب جديدة للتّاريخ في بداية الفترة الثالثة و الأخيرة لعصر "ملوك الطّوائف" الشّهير.
    عدد الزيارات
    14289910

    Please publish modules in offcanvas position.