(إبن رشد) "الحفيد" "أشهَرُ" فلاسفة العرب المسلمين.. انتماءٌ مُخلص إلى "الحقيقة".. و مشكلات فلسفيّة و منطقيّة و معرفيّة مُعَلَّقَة 6 من 7

أ بهجت سليمان في مكتبهكتب الدكتور بهجت سليمان:

 50▪︎ فالميتافيزيقا التي يقصدها (كانط)، هنا، هي ميتافيزيقا الخبرة المعرفية القَبْليّة لا ميتافيزيقا الوجود. إنها ميتافيزيقا للخبرة لأنها تتجاوز الطابع الجاهز و المكتمل الذي تظهر به مبادئ "المنطق" نحو البحث في إمكان تفكير الذات العارفة بهذه المبادئ قبليّاً، وفق خبرات تتجاوز في مبدئها "صوريّة" الاختيار السّليم لفنون أو لفنّ التّفكير. و ميتافيزيقا "الخبرة" هذه يجب أن تكون "منطقاً" هي الأخرى، "منطقا" للخبرة المعرفية السابقة على التقنين "المنطقي". و لأن هذا "المنطق" الميتافيزيقي لا يبحث في أصل الوجود بل في أصل "المعرفة"، فقد أسماه كانط "المنطق الترنسندنتاليّ"، تمييزاً له نهائيّاً عن منطق (أرسطو) الصّوريّ، بحيث ينفي (كانط) مجال "المنطق" التّجريبيّ، أو الوجوديّ، ليؤكّد على ذاتيّة "المنطق" القَبْليّ، المفارق، أو "الترنسندنتاليّ". هذا مع الإشارة السّريعة إلى أصناف أخرى من "المنطق"..
و كما يرد ذلك ، مثلاً، في "منطق الفلسفات الشّرقيّة"؛ مع أنّها لا تمكن "المقايسة"..
"بين الفكر الشرقي [ بينما ] يجب التنبيه على أمر يختص به "المنطق".
فلقد نظر التراث الغربي منذ أرسطو إلى المنطق باعتباره مسلَّطاً على نموذج التفكير بقطع النظر عن المعنى و المضمون، و اجتهد في كشف سمات الفكر المحضة. و لقد افتُرِض أن مدار "المنطق" هو على أبنية الأسباب من جهة ما هي موجودة كائناً ما يكون صاحبها؛ فهو مستقل بالقوة عن التفكير البشري.
و "المنطق" معدود من الفروع المنفصلة عن الميادين الأخرى كالإﭘيستِمولوجيا (أي نظرية المعرفة) و البلاغة (أي دراسة استعمال اللغة للتأثير). و مع ما في النظرية المنطقية الهندية، كما نظيرتها الغربية، من تفصيل و تطور، فإنها تستعمل المنطق، في المقام الأول، للوصول إلى المعرفة بالعالم بواسطة الجدال و الإقناع، حتّى أنّ أشدّ القضايا تجريداً ما تنفك مقرونة إلى منظومة.. [ المعرفة ].
و الحق، إن المكان الطبيعي للتفتيش عن النظرية المنطقية هو دائرة الاستدلال (أنومانا)، و هي إحدى وسائل الوصول إلى المعرفة. و مدار "المنطق"، ها هنا، هو، في المقام الأول، على أفكار الناس و إدراكاتهم و كيفية استعمالها في طلب المعرفة. أما النظرية المنطقية في الصين فأشد تسلطاً على المشاغل البراغماتية" [ انظر: الفلسفة الشرقية. تأليف : تشاكْرامارْتي رام - ﭘراساد. ترجمة: وفيق فائق كريشات ].
51▪︎ و أمّا من حيث التّناقضات الدّاخليّة في "المنطق" الأرسطيّ – الرّشديّ، فهي أكثر ممّا يمكن لنا أن نحصرها في عجالة هذا البحث، و سنكتفي بالإشارة إلى بعضها الأهمّ.
و يحسن بنا، هنا، التّمييز بين "المقولات المنطقيّة"، و هي كما قلنا عليها أعلاه، و بين "المقولات الفلسفيّة" التي تتخّطى في حدودها هذا "التّحديد" الصّوريّ النّوعيّ، لتستحيل إلى "أصليّات" عقليّة و "قضايا" كبرى، لا يصح من دونها أيّ "مفهوم" فلسفيّ، على اعتبارها ("المقولات") أصليّات "المفاهيم".
و لقد درج "الفلاسفة"، بالعموم، على أخطاء فلسفيّة – منطقيّة فأدخلوا "المقولات" الفلسفيّة، من حيث هي "كلّيّات"، في حظيرة "المفاهيم"، أو العكس، بينما أبقوا على جنس "المقولات" في مجرّد "المنطق"، و هو ما يتبيّن في عزل جنس "المقولة" عن "الفلسفة" بوصفها معرفة، حتّى أنْ جاء (كانط) ليُعيد الاعتبارات "المعرفيّة" إلى جنس "المقولات"، بجعلها "أفهوماتٍ" قبْليّة، تؤسّس للبعْديّاتِ من "المفاهيم" الضّروريّة في ممارسة الفلسفة على التّحديد.
و هنا، يمكن لنا تسويغ ما نسمّيه تراجع "المنطق" الفلسفيّ الأرسطيّ – الرّشديّ، عن الشّوط "المعرفيّ" الذي باشره (سقراط) و (أفلاطون) في دلالات "المقولات" الكلّيّة ذات البعد "المفهوميّ" المشتقّ بتفاضلٍ خاصّ من "المقولات" و "الكلّيّات"، تلك التي درج عليها الفكر الأفلاطونيّ؛ و هو ما نجم عنه من التباس في الاستخدام الأرسطيّ – الرشديّ للّغتين معاً، الفلسفيّة و المنطقيّة، ممّا جعل المجال واسعاً، لاحقاً، في الاستعمال "الفكريّ" للعقليّات، استعمالاً عابراً، و غيرَ مُتقَنٍ، ما أدّى إلى فوضى عارمة في المعارف المعاصرة و سوء استقبالٍ و إيصال و توصيل، ناهيكَ عن الخلط و الاشتباه و التخليط.

52▪︎ و أمّا في القول إنّ "الجواهرَ" هي على صنفين: أُوَلٌ و ثَوانٍ، و "إنّ كلّ ما سوى الجواهرِ الأُوَلِ، فإنّه مُضطر في وجوده إلى الجواهرِ الأُوَل"، و أنّه "يُعرِّفُ فيه أنّ النّوعَ من الجواهر الثّواني أَولى بأن يكون جوهراً من الجنس، و الجواهر الأُوَل – و هي أشخاص الجواهر – أَولى بذلك من النّوع، و أنّ العلّة في ذلك متشابهة؛ أعني في أن كان الشّخص أحقَّ بإسمِ الجوهرِ من النوع، و النوع من الجنس". و في أنّه يقول: "يُعرَفُ فيه أنّ الجواهر الثّواني التي في مرتبة واحدة ليس بعضها أَولى بأنْ يكون جوهراً من بعض و كذلك الأُوَل".
و في أنّه: "يُعرّف فيه أنّ جميع الجواهر الثّواني و الفصول هي من المتواطئة أسماؤها".
و في أنّه يقول فيه: "يُزيلُ فيه الشُّبهةَ التي تُوهِمُ التباس الجواهر الثواني بالأُوَلِ و أنّها من نوع واحد"..، إلخ [ النّصّ] ؛ فإنّ في هذا التّقرير الرّشديّ – الأرسطيّ، ما هو أكثرُ من غامض، و ربّما ما هو من صنف الالتباس المعرفيّ المبنيّ على "إنشاءات منطقيّة" محضة، أيضاً.
و لقد كان من الصّحيح أن تذهب "المعرفة" الفلسفيّة، في هذا الاتّجاه، نحو القول بـ "جوهر" واحد، و هو الأسلم عقليّاً و فلسفيّاً و معرفيّاً، و تالياً، "منطقيّاً" كذلك. و عندما يُضطرّ "المنطق" الفلسفيّ إلى "مراتبيّة" جوهريّة، فإنّ "الحقيقة" الكونيّة تقضي بمقولة "منطقيّة"، أوّليّة، و هي القول ب "الأثر" الواقع عن "الذّات – بـ - الذّات"، كجنس أوّل، و عن هذا "الأثر" إنّما ينبلج "جوهر" واحد ليس له حدود عدديّة أو تكراريّة، و هو ما ينسجم مع تنوّع مراتبيّة "الخلق" و ثرائها العقليّ و المعقول.
و القول بهذا الحلّ "المنطقيّ" الذي نقول به، هو أمر يُزيل الغِشاوة المعرفيّة عن "المنطق" نفسه، بوصف هذا "المنطق" ضرباً من المعقوليّة الفطريّة التي يحتاجها البيان الكونيّ للوصول إلى غايته السّابقة على "الأثر"؛ مضافاً إلى ذلك أنّ الانقسام الكونيّ "المنطقيّ" في "الجنس" الواحد، هو أمر أكثرُ من إشكاليّ، و ربّما يصل إلى درجة "المغالطة" و "الخطأ"، فإذا بنا واقعين، لا محالة، في "مشكلة" معرفيّة لا حلّ لها، فلسفيّاً أو منطقيّاً، في وقت واحد.
و هذا ناهيك عن أنّ "الأثر" نفسه هو "مقولة" أكثر "منطقيّة"، كأصل منطقيّ لمقولة "الجوهر"، بدلاً من تكرار الجنس الواحد في "مقولة" على ترتيبين "أُوَلٍ و ثَوانٍ"[ النّصّ ]، و أي على مقولتين إثنتين للجنس الواحد، نفسه، و هو ما يُعتبر نقطة رخوة في المنطق الأرسطيّ – الرّشديّ ؛ إذ لا يصحّ، "منطقيّاً"، تكرار "المقولة" الواحدة، نفسها، في الجنس الواحد، نفسه، تكراراً يُخرجها عن كونها "مقولة" منطقيّة أوّليّة خالصة.
53▪︎ و أمّا في القول: إنّ الجوهر الموصوف بأنّه أوّلٌ – و هو المقول جوهراً بالتّحقيق و التّقديم – فهو شخص الجوهر الذي تقدّم رسمه، أعني الذي لا يُقال على موضوع و لا هو في موضوع". "و أمّا التي يُقال فيها إنّها جواهر ثوانٍ، فهي الأنواع التي توجد فيها الأشخاص على جهة شبيهة بوجود الجزء في الكلّ و أجناس هذه الأنواع أيضاً " [ المصدر ]..
ثمّ يُردِفُ: "و كلّ ما سوى الجواهر الأُوَل التي هي الأشخاص، فإمّا أن تكون ممّا يُقال على موضوع و إمّا أن تكون ممّا يُقال في موضوع، و ذلك ظاهر بالتّصفّح و الاستقراء، أعني حاجتهما إلى موضوع "[ النّصّ ]..
فإنّ المغالطات "المنطقيّة" في هذا "النّصّ" واضحة ، ذلك أن ما بُني على خطأ إنّما هو بالضّرورة خطأ أيضاً.
و وجه المغالطة البيّن هنا هو أنّ "المنطق" الرّشديّ – الأرسطيّ، يقول بأنّ "الجواهر" توصفُ بواسطة ذاتها، و أعني بـ "الصّفات". و ثابت أنّ الحمل لا يكون من الجنس على الجنس، أو من النّوع على النّوع، و إنّما يكون من "الجنس" على "النّوع"، و بالأحرى من "النّوع" على "الجنس". إنّه كلا "الجوهر" و "الصّنف" هما جنسان (أو نوعان) متماثلان.
"الجوهر" هو "الصّفة" على التّحقيق، و "الصّفة" هي "الجوهر" على الحصر، عندما نأخذ ب "منطقيّة" التّفريق الضّروريّ بين "الصّفة" و "النّعت"، بوصف "الصّفة" جوهراً يخلد إلى الثّبات و السّكون، و عدم الحركة و عدم التّحرّك، فيما يدخل "النّعت" في الاستحالة و التّحوّلات و التّغيّرات، و الزّوال أيضاً.. بوصفه عَرَضاً ل "الصّفة" على الضّبط.
و هكذا نفهم و نعرف قيمة و ضرورة الالتزام "المنطقيّ" الذي يُماثل بين "الجوهر" و "الصّفة"، من جهة، و بينهما كواحد، و بين "الموضوع"، من جهة أخرى.
و قد كنّا قد أشرنا إلى تماثل و تطابق "الجوهر" و "الموضوع" في حديثنا في موضع سابق على هذا المكان؛ غير أنّ ما نريد قوله، هنا، إنّما هو تطابق كلّ من "الجوهر" و "الصّفة" و "الموضوع"، تطابقاً كاملاً، ناجم عن فضل "الأثر" المطلق في خلق "شخص الجوهر"[ النّصّ ]؛ في تجاوز نهائيّ للوهم الرّشديّ – الأرسطيّ في عبارته "الجوهر الموصوف"[ النّصّ ].
و هذا بيّنٌ بعد ما قلناه على أنّ "الجوهر" حادثٌ أوّليّ و "صفةٌ" لازمة و "موضوع" ضروريّ.. يلي "الأثرَ" الذي هو ظِلّ "الغاية" و انعكاسها في مرآة "الوجه" (أو في رسم "الشّخص"؛ و هذا باستعمالنا تعبير (أرسطو) و (إبن رشد).)؛ إذ من الوهم السّقيم، إذاً، القول بـ "الجوهر الموصوف".
و إذا أردنا الذّهاب إلى ما هو أبعد في المنطق "الهيرمينوطيقيّ"، فذلك إلى أنّ "الصّفة" في – ذاتها..، هي التي تحكم جوهرها كما يحكم الماءُ ذاته – بذاته، و ليس لها أن تكونَ سوى أحدَ حاكمةٍ جوهرَها، و جوهرُها هو أحد وجوهها، فحسب.
54▪︎ و أمّا على القول في "الكمّ"، في أنّ "منه ما هو منفصل و منه ما هو متّصل"[ النّصّ ] ؛ فهو قول غير بيّنٍ أو دالّ على الأحوال التي ينقسم فيها "الكمّ" أو "يتّصل"، لا سيّما و أن ( أرسطو ) نفسه يقول في كتابه "الكون و الفساد"، بإمكانيّة "قسمة" الأشياء، و "قسمتها" إلى ما لا نهاية أيضاً.
و "القسمة" في لغة الفلسفة تعني "التّنصيف"؛ و قد دلّ "العقل" في التّأمّل و في التّجربة، معاً، على بطلان هذه "الموضوعة"، في "المكان"، لعلّة عدم تجانس المادّة في المكان، و توزيعها غير المتساوي، و تساوي هذا التّوزيع هو الوضع الوحيد الذي يسمح بتنصيف "المكان" إلى أنصاف متطابقة أو متساوية أو متماثلة.
و الأمر نفسه ينطبق على "الزّمان"، من جهة أنّ "الزّمان" نفسه، هو مفهوم حدسيّ و افتراضيّ، و هو غير متماثل في "السّرعات" و "التّسارعات" المختلفة، كما دلّتْ على ذلك مكتشفات "المعارف العلميّة" الفيزيائيّة المعاصرة، و لا حاجة لنا هنا إلى الخوض في تفاصيل صارت معروفة و في متناول النّظريّة و التّجربة معاً.
و لكي لا يتحوّل الحديث بنا إلى بحث في المشكلات الفلسفيّة التّاريخيّة المقتصرة بالأهمّيّة على بحوث متخصّصة في الفلسفة و الفيزياء، نرى أن نكتفي في هذا الباب بهذا القدر من ملاحظاتنا المبدئيّة و العامّة، و ذلك على ما كان حتّى الآن.
● رابع عشر - في كتاب "تهافت التّهافت" ل (إبن رشد) ، في ردّه على ( الغزالي):

55▪︎ لقد اخترنا من كتب (إبن رشد) في "علم الكلام" كنموذج للعرض، كتابه المسمّى "تهافت التّهافت" الشّهير في ردّه على "الغزالي" كواحد من أهمّ أئمّة "علم الكلام" الإسلاميّ، و ذلك من بين سائر كتب (إبن رشد) الأخرى في "علم الكلام"، مثل كتاب "فصل المقال في التّقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتّصال"، أو كتاب "بداية المجتهد و نهاية المقتصد"، أو غيرهما من كتب "الشّريعة" و "علم الكلام"، الأخرى؛ بسبب ضيق المجال البحثيّ في هذه السّرديّة التي توجّه الضّوء، أصلاً، على "القيمة" الفلسفيّة و المنطقيّة لفكر (إبن رشد)، أولاً، ثمّ ثانياً بسبب أهمّيّة كتاب "تهافت التّهافت" سواء من حيث أهمّيّته المضمونيّة، لأهمّيّة الحوار غير الزّمانيّ مع "الغزالي"، لا سيّما أنّ المحققين يقدرون زمن كتابة (إبن رشد) لـ "تهافت التّهافت" بعد ما يقرب من قرن (أو أقلّ بقليل) من زمن كتابة (الغزالي) لكتابه "تهافت الفلاسفة"؛ و ثالثاً بسبب "الشّهرة" الكبيرة التي ذاعت لهذا "الكتاب".
هذا ، و سوف نتناول هذا "الكتاب" باختصار شديد، تناولاً عامّا من باب الإشارة، أكثر ممّا هو وقوف على "سباب الغزالي للفلاسفة" و "تكفيره" لهم ، و "سباب إبن رشد للغزالي"، اللذين يشكلان جوهر الكتاب، من جهة أنّ "السّباب" ليس فلسفة، و لا سياسة، و لا نقداً، و هو ما لا يصنع من أيّ منها ما يمتّ إلى "الفلسفة" أو "المنطق" أو "المعرفة" أو "الثقافة"، بأيّة صلة من الصّلات. و هذا خلا بعض التّفنيدات التي يسوقها (إبن رشد)، في ردّه على مزاعم (الغزالي)، جرياً على منهجه الذي عرضناه في عموم جميع السّرد السّابق، و الذي لن يُضيف، هنا، إلى القارئ أيّة إضافة في "التّكرار".
56▪︎ و (الغزالي) صريح في الإساءات المنهجيّة الهابطة التي يوجّهها إلى "الفلاسفة" (أرسطو، و من تبعه من الفلاسفة و بخاصّة منهم العرب المسلمين، بمن فيهم "المعتزلة" أيضاً)، من حيث أنّه يُعلّل بأنّ "مصدر كفرهم هو سماعهم أسماء هائلة كسقراط و بقراط، و أفلاطون، و أرسطوطاليس، و أمثالهم، و أطباب طوائف من متّبعيهم و ضلالهم في وصف عقولهم، و حسن أصولهم، و دقّة علومهم الهندسيّة، و المنطقيّة، و الإلهيّة، و استبدادهم لفرط الذّكاء و الفطنة، باستخراج تلك الأمور الخفية و حكايتهم عنهم أنّهم، مع رزانة عقولهم، و غزارة فضلهم، منكرون للشّرائع و النّحل، و جاحدون لتفاصيل الأديان و الملل، و معتقدون أنها نواميس مؤلّفة و حيل مزخرفة " [ من مقدّمة "تهافت التّهافت". (إبن رشد). تحقيق الدكتور سليمان دنيا ].
و لا يخفى على القارئ أنّ (الغزالي) قد انطلق في "نقده" ل "تهافت" الفلاسفة (أو تناقضهم و "تفاهاتهم" حسب ما قال الغزالي)، من منطلق "عقَدي" و "منهج كلاميّ"، كلّ منهما بعيدٌ كلّ البعد عن "النّقد الفلسفيّ" الذي عليه أن يقوم أساساً على نقد "المفاهيم" و "المقولات" الفلسفيّة، و لس على مسائل "كلاميّة" شكليّة أو على أسس تكفيريّة من منطلقات "عقَديّة" و "أيديولوجيّة" و "دينيّة"، و هو ما لا يتّصل بالفلسفة، أو بالمنطق، أيّما اتّصال.
و يُعرّف "علم الكلام" باسم "علم التّوحيد" أو "علم أصول الدّين"، أو هو "علم الأدلّة على صحّة العقيدة الدّينيّة"، بالاستنباط القواعديّ العقائديّ من "القرآن و السّنّة". و قد عرّف (الفارابي) نفسه "علم الكلام" بأنّه "ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء و الأفعال المحمودة التي صرّح بها واضع الملّة، و تزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل".
فيما عرّفه (إبن خلدون) في "المقدّمة" بحصره بأنّه "التّعريف في نصرة الاعتقادات على مذهب السّلف و أهل السّنّة"، و يُخرج باقي "الفرق" من "علم التّوحيد"، فيقول في تعريفه له: "هو علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة العقليّة و الرّدّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السّلف و أهل السّنّة، و سرّ هذه العقائد الإيمانيّة [ السّلفيّة ] هو التّوحيد"؛ و هو ما يُوافق، إذاً، ما ذهب إليه (الغزالي) نفسه في "المنقذ من الضّلال".
و قد عرفّ هذا "العلمَ"، "علمَ الكلام"، الكثيرُ من "العلماء"(؟) و "الفلاسفة"(؟) المسلمين، و هذه التعريفات، و إن تباينت في ألفاظها، إلا أنها كلها تكاد تتّفق على معنى واحد؛ إذْ هي مجمعة على أن "علم الكلام" من شأنه أن يساعد "المسلم".. "على نَصرة الآراء الدينية".
57▪︎ و نحن نريد أن نختصر في هذا الباب، لنشيرَ إلى أنّ (إبن رشد) قد أوضح في كتابه " أنّ الغرض في هذا القول، أن نبيّن مراتب الأقاويل المُثبّتة في كتاب "التّهافت لأبي حامد، في التّصديق و الإقناع، و قصور أكثرها عن رتبة اليقين و البرهان".
و لقد ترك كتاب الغزالي، أصلاً، "تهافت الفلاسفة"، الكثيرَ من الأذيّة الأيديولوجيّة و العقَديّة في أفكار القرّاء: "حيث قرّ في أذهان النّاس أنّ الغزالي قد دنّس شرف العلم بخلطه إيّاه بما ليس من العلم في قليل ولا كثير؛ ألا و هو الشّتائم التي وجّهها إلى الفلاسفة و إلى المخدوعين بالفلاسفة؛ و لعلّ الكثيرين منهم، لعدم إحاطتهم بالكتاب، و فهمهم الظّروف التي أحاطتْ بالكتاب، لا يعرفون البواعث التي حملتْ الغزالي على أن يصنع ما صنع.
" و قرّ في أذهانهم أيضاً أنّ الغزالي انفرد بهذا الصّنيع دون غيره من الفلاسفة"[ المصدر. الدكتور سليمان دنيا ].
و على رغم أنّ (إبن رشد) و (الغزالي) يتّفقان في "المنهج" الذي ذكره (إبن رشد)، في "كتابه"، و هو أنّ الأفكار غذاء الأرواح، كما أنّ الطّعام غذاء الأجسام؛ و كما أنّ ما هو غذاء لشخص، قد يكون سمّاً مهلكاً بالنّسبة لآخر؛ فكذلك الأفكار، فما هو ضروريّ لفرد، قد يكون هلاكاً للآخر؛ إلّا أنّ (إبن رشد).. "يحكم على (الغزالي) بأنه: شرير جاهل، و ذنبه عند إبن رشد أنه تكلّم في كتابه (تهافت الفلاسفة) في مسائل للعامّة، هي بالنّسبة لهم مهلكة، و من حقّها أن تُصانَ إلّا عن الخاصّة، كمسألة علم الله سبحانه و تعالى، و هل هو زائد على الذّات؟ أو هو عين الذّات"[ المصدر ].


● غدا: الحلقة السابعة والأخيرة" 7 من 7"

عدد الزيارات
15066184

Please publish modules in offcanvas position.