نظرةٌ سياسيّة في مفهوم إدارة الأزمة《 اختناق المؤسّسات.. و التّردّي الإداريّ》.. 2 من 4

    كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه:

    - 6 -

    و هذا ، عادة ، ما ينبغي أن يتمّ قبل التّوجّه إلى الاهتمام بسياسات محاربات الفساد ، بشكل سطحيّ أو أفقيّ ، و بالنّتيجة في المحاولات الفاشلة و النّاقصة و العاجزة و المحدودة .

    لا يمكن للدّولة التّفكير بسياسات عادلة اجتماعيّاً ، ما لم تكن قادرة على ممارسة المساءلة الحازمة و الشّفافة للحكومة ، على أعمال الحكومة ومؤسساتها وإداراتها .

    و في هذا الإطار أثبتت الأجهزة الرّقابيّة و التّفتيشيّة التّقليديّة ، قصورها عن أداء دورها المرسوم في غايات تأسيسها ، نظراً لاندماجها في أمراض الإدارة المسلكيّة ، بدلاً من أن تكون سدّاً في وجه هذه الأمراض .

    إنّ ما يدعو إلى توجّس الخوف و القلق ، بعد ذلك ، هو الواقع الذي نجم عن الحرب ، اقتصاديّاً و إداريّاً .

    يتعاظم الهمّ السّياسيّ أمام هذه الصّورة المترديّة من الكفاءات الكلّيّة و القيم الهابطة المكوّنة لها ، مع الحاجة الأسطوريّة إلى الأخلاق المسلكيّة العبقريّة في أعمال الحكومة و الاقتصاد و الإدارة و الإنتاج ؛

    و هو ما يدفع إلى السّؤال الدّائريّ : "كيف" ؟

     

    - 7 -

    وكنّا في سياقات مشابهة ، قد تحدّثنا ، سابقاً على شيءٍ من هذا و شيء من ذاك . و ليس ثمّة إضافة نوعيّة شافية في هذه المناسبة سوى أن ندوّر الفكرة ، من جديد ، على ضرورة النّظريّة النّقديّة في مختلف "القيم" ، و ما يمكن أن تقدّمه من حلول كنّا قد قلناها أو قلنا شيئاً عليها ، و لن نكرّرها ، هنا ، و يكفينا أن نشير إليها إشارات عابرة .

    من المهم ، هذه المرّة ، أن نركّز على كيفيّات قراءة واقع "التّنمية البشريّة" ، كجزء من "التّنمية" ، بعد أن أصابها ما أصابها من تراجع و تردٍّ في التّعصّب و التّطرّف الاجتماعيّ ، نتيجة تنامي شعور التباعد و الانقسام ، و ربّما ، عند البعض ، واقع شعور الثأر و الانتقام ، و دخول الاقتصاد الوطنيّ الكلّيّ في اقتصادات الحرب ..

    و هو ما ينعكس خسارة مباشرة في "رأس المال" الرّمزيّ ، أو رأس المال الفعليّ و لكنْ غير المقوّم نقديّاً ، متمثّلاً برأس المال البشريّ ، الاجتماعيّ ، الذي يُعدّ في عداد عوامل التّنمية ، و بخاصّة في "الاتّصال" القسريّ في مجالات "التّربية" و "التّعليم" و "الصّحة" ، و مؤشّرات تردّي الدّخل نتيجة لاهتزاز قيم التّشغيل و العمالة ، و بخاصّة في القطاع الخاصّ .. مع العلم أنّ "الوظيفة العامّة" ، هي ، أيضاً ، لم تنج من منعكسات هذا التّردّي الموضوعيّ في أخلاق العمالة و التّشغيل ؛

    و هذا فيما إذا استثنينا واقع الهجرة الخارجيّة و الدّاخليّة و التّشرّد المرافق ، و أثر ذلك على إطار الموارد البشريّة و التّنمية البشريّة .

    في الواقع ، يشهد المجتمع ارتفاعات غير منضبطة لمعدّلات الفقر و اتّساع الشّريحة الاجتماعيّة العامّة التي دخلت في اقتصاد الكفاف ، كما يعلم الجميع ..

    و لقد سرّع هذا و فاقمه واقع افتقار الحكومة إلى استراتيجيّة وطنيّة شاملة و فعّالة لهذه الأزمة العميقة في الحرب ، و دخول السّلوك الحكوميّ في الارتجال و ردّ الفعل الخائر أمام وقائع مستحدثة عميقة و تحتاج إلى "نظام" حازم من المواجهة و المعالجة ، يكون في الأصل ، له تقاليد في مقدمات تقليديّة يبنى عليها ..

    و هو الأمر الذي أثبتت الحرب أنّه مفقود ، عمليّاً ، في نظام الإدارة و في تنظيم الحقول الحكوميّة و الاجتماعيّة المرتبطة بالاقتصاد في الإدارة و الإنتاج و التّوزيع و الاستهلاك ، و ضبط ممارساتها ، هذه ، في ظلّ تداعيات الحرب المتوالية .

     

    - 8 -

    لقد واجهت الحكومة ، و لأسباب منها ما هو حقيقيّ و منها ما هو زائف ، مسألتي الإنفاق "الاستثماريّ" و "الجاري" ، بتقليص كبير أدّى إلى إعادة توزيع الدّخل ، موضوعيّاً ، توزيعاً مشوّهاً خلق معه فئات اجتماعيّة و اقتصاديّة ، جديدة ، أثرَتْ واغتنت نتيجة زيادة معدّل الفساد الحكوميّ و الاجتماعيّ ، فشكّلت خرقاً اجتماعيّاً عموديّاً في بنية و تراتبيّة المجتمع التّقليديّة و الطّبيعيّة ، و أصبحت عبئاً قاد إلى تشويه البنية الاجتماعيّ و الثّقافيّة إلى درجة خلق مجتمع غريب عن ذاته ، و ذلك بدلاً من أن يكون المجتمع قد استطاع ، بثقافة الحرب و ضروراتها ، أن يواجه الأزمة العميقة للعلاقات الكلّيّة بثبات و إبداع .

    لم تحظ مسألة "الإنفاق" الاجتماعيّ ، الحربيّ ، بأيّ اهتمام حقيقيّ ، و لم تأخذ أيّة حصّة من حقّها في الدّراسة المتأنّية و الخلّاقة ، و من واجبات الحكومة نحو ذلك .

    و لقد أدّى هذ الواقع إلى مساهمة "الحكومة" ، نفسها ، في واقع البنية الاجتماعيّة المشوّهة ، ذاتها ، التي خلقتها الحرب ، فكانت الحرب "فرصة" تاريخيّة ، إضافيّة ، للفساد الحكوميّ ، بدلاً من أن يكون الأمر على العكس تماماً .

    ليس من الصّعب إثبات هذه الحقيقة ، و ذلك بنظرة سريعة إلى واقع العلاقات في التّسيّب الإداريّ و الإنتاجيّ الزّراعيّ و الصّناعيّ و الخِدْمَاتيّ و التّربويّ و التّعليميّ و الإعلاميّ و الصّحيّ ، و تضخّم الإهمال الإداريّ ، و من ثمّ إعادة تنظيمه تنظيماً فاسداً استفاد من واقع التّأزّم العميق للحاجة الاجتماعيّة و معطيات "الحرّيّة" السّائبة و المستهترة بكل ضابط ، في الظّروف الجديدة .

    - 9 -

    ما تواصل من مقدّمات هذه الأزمة التي خلقتها الحرب ، مع مظاهر و وقائع الأزمة المباشرة ، هو ما يمكن أن يرتبط ، أصلاً ، بالتوجّهات الاجتماعيّة قبل الحرب ..

    ففي الوقت الذي تقوله الوقائع و الاحصائيّات الأوّليّة و البسيطة عن ارتفاع "معدّل النّمو" العام في (سورية) ، بين ( 2001 – 2010م ) ، إلى ما نسبته تقارب ( 5%) ، لم يتجاوز معدّل حصّة الفرد الاجتماعيّ من عائد النّمو الإجماليّ ، ما نسبته ( 2%) ، في مجتمع كان قد ارتفع فيه معدّل الفقر و الكفاف قياساً بالدّول النّامية الأخرى ..

    مع العلم أنّه يُحتسب ، تقليديّاً ، في الاقتصاد ، إجمالي "الإنفاق الاستثماريّ" ( بمعزل عن "الجاري" ) ، في عداد معدّل نموّ عائد الفرد القوميّ ، في نسبة توزّع و تضاف إلى مستويات الدّخل الفرديّ القوميّ ، "الجاري" ، أيضاً !؟

    لن ندخل في تفاصيل اقتصاديّة كثيرة ، و لكنّنا سنشير إلى مسألتين اقتصاديتين رئيسيتين ، أسهمتا ، مباشرة ، بهذا التّناقض الغريب و المدهش ، و أعني ما أورده " تقرير تحدّيات التّنمية في المنطقة العربيّة ، لعام ( 2011م )" ، و الصّادر عن "برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ" ..

    المسألة الأولى ، هي أنّ " إسهام قطاع الصّناعات الاستخراجيّة في النّموّ كان سلبيّاً " ، أي متراجعاً ..

    و المسألة الثّانية ، هي أنّ " إسهام القطاع الزّراعيّ في النّموّ قد اقترب من نسبة الصّفر" .. !

    هذا مع العلم أنّنا لا نستطيع أن نعكس أزمة آثار الحرب ، هنا ، بشكل مباشر ، لأنّ هذه " المقاييس" تعكس فترة زمنيّة " سابقة " من "التّراكم" الاقتصاديّ ؛ لا سيّما أنّ "التّقرير" يعكس نتائج الفترة ما بين ( 2001- 2010م ) .

     

    ● غدا ( الحلقة الثالثة " 3 من 4 " )

    عدد الزيارات
    14290301

    Please publish modules in offcanvas position.