image.png

مُحي الدّين بنُ عربيّ.. في موازين الفلسفة و المَعرفة و التّصوّف و الاعتقاد.. 3 من 5

كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه:

 《 مُحي الدّين بنُ عربيّ 》

 
                  ( في موازين الفلسفة و المَعرفة و التّصوّف، و الاعتقاد ) 
 
                                 ( الحلقة الثالثة "3 من 5" )
 
23▪︎ يُثبت زعمنا بأنّ إبن عربيّ سلكَ طريق المتصوّفة العارفين، بنزوعه "الغنوصيّ" (و هو ما ينفي بالمطلق ادّعاء من قال عليه بقوله بوحدة الوجود) بإيمانه المطلق بمستويي "الظّاهر" و "الباطن". يقول: "إنَّ حذر الجواب يتبع أمر أنّ المنع الصّريح من جواب السّائل العارف بحسب وضعه، هو حذر ظلم الحكمة بوضعها في غير أهلها، إذ العلماء أمناء الله تعالى و المأمون لا يخون" (ماهيّة القلب. المصدر). و يستطرد شعراً في هذا الوفاء و في ثقل حمل هذه "الأمانة"، فيقول، شعراً: 
 
               و مُستَخبِرٍ عن سرّ ليلى ردَدْتُهُ
                                                       بعمياء عن ليلى بغير يقينِ
 
                يقولون خَبِّرْنا فأنتَ أمينُها
                                                       و ما أنا إن أخبرتُهم بأمينِ
                                                                                   (المصدر).
 
24▪︎ ينقل الشيخ مصطفى حسن عبد الرازق (1885- 1947م) [ مفكر و أديب مصري، و عالم بأصول الدين و الفقه الإسلامي شغل منصب شيخ الجامع الأزهر الشريف، و يعتبر مُجدّد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، و صاحب أول تاريخ لها بالعربية، و مؤسس "المدرسة الفلسفية العربية" ] عن ( الكتاني ) قوله: 
     "التّصوّف خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الصّفاء" (دكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني. مدخل إلى التّصوّف الإسلاميّ). و قد عرّف (إبن خلدون) "التّصوّف" بقوله:
     "علم التّصوّف من العلوم الشّرعيّة الحادثة في الملّة، و أصله عند سلف الأمة و كبارها من الصّحابة و التّابعين، و من بعدهم طريق الحقّ و الهداية، و أصلها العكوف على العبادة، و الانقطاع إلى الله تعالى، و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزّهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه، و الانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، و كان ذلك عامّاً في الصّحابة و السّلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني و ما بعده، و جنح النّاس إلى مخالطة الدّنيا، اختصّ المُقبلون على العبادة بإسم الصّوفيّة و المتصوّفة" (المصدر. عن "مقدّمة إبن خلدون"). 
 
25▪︎ قصّرتْ فهوم كثير من المسلمين عن فهم (إبن عربيّ). و قد ترك (إبن تيميّة) بذوره العقيمة في فهوم و أذهان كثيرين ممّن ادّعوا الغيرة على دين الإسلام، في مواجهة "المعرفة" الإيمانيّة التّصوّفيّة، كما هي عند (إبن عربيّ). 
     يقول (عبد الرحمن الوكيل) في كتابه "هذه هي الصّوفيّة": 
-  في "فصل (إله إبن عربيّ)": "إله إبن عربيّ. أمّا هذا الطّاغوت الأكبر [و يقصد إبن عربيّ ]، فقد افترى للصّوفيّة ربّاً عجيباً يجمع بين النّقيضين المتوتّرين في ذاته، و بين الضّدّين الحقيقيّين في صفاته، فهو الوجود الحقّ، و هو العدم الصِّرف، هو الخلّاق، و هو المخلوق، هو عين كلّ كائن، و صفاته عين صفات كلّ موجود و كلّ معدوم، هو الحقّ الكريم و الباطل اللئيم، هو الفكرة العبقريّة، و الخرافة الحمقاء، هو الخاطرة المُلهَمة، و الوهم الذّاهل ، و الخيل و الحيران، و المستحيل الذي لا يتصوّر فيه العقل أبداً أن يخطر حتّى مرّة واحدة في بال الإمكان، و الممكن الذي يرى فيه الفكر أجلى معاني الإمكان، و الذي لا يتوهّم فيه العقل وهم استحالة. هو المؤمن، و هو الكافر، هو الموحّد الخالص التّوحيد، و هو المُشرك الأصمّ الوثنيّة (...) و لهذا يؤمن الطّاغوت [ إبن عربيّ، وفق زعم "المُؤلِّف" ] بأنّ اليهود عُبّاد العجل ناجون، بل يؤمن بأنّهم كانوا على علم بحقيقة الألوهيّة (...) و يؤمن إبن عربيّ بقدسيّة عبدة الأصنام، و يُمجّد صدق إيمانهم و إخلاص توحيدهم، يؤمن بالصّابئة عبّاداً يُوحّدون الله، و يُخلصون له الدّين، يؤمن بسموّ إيمان الذين عبدوا ثلاثة آلهة.. إلخ" (المصدر). 
 
26▪︎ و أمّا بالعودة إلى (إبن تيميّة)، نفسه، فقد كان (إبن تيميّة) – كما أشرنا في البدايات - من أكبر المعادين لـ(إبن عربيّ)، حيث اتّهمه بالكفر و الزّندقة. و في كتابه: "إبن تيميّة و التّصوّف" يورد الدكتور (مصطفى حلمي) عن (إبن تيميّة) "أنّ فكرة عدائه للتّصوّف راجت لدى معظم الباحثين، فرأوا فيه خصماً عنيداً للصّوفيّة دون التّثبّت من سبب هذه الخصومة و دوافعها" (المصدر).
      غير أنّنا نميل مع آخرين إلى تعليل هذه الأمر بانتماء (إبن تيميّة) للمدرسة السّلفيّة.. و مناداته بأنها صاحبة المنهج الإسلامي الصّحيح. و يُؤكّد (مصطفى حلمي) نفسه هذا الأمر، على رغم ما يبدو عليه من تعاطف مع (إبن تيميّة)، بربطه له "السّلفيّة" "بما كان عليه المسلمون الأوّلون في العصور الأولى للإسلام، و السّير على هدى الأدلة الصحيحة التي قدمها رجال الفكر الإسلاميّ" (المصدر). و لا تخفى هذه "الأورثوذوكسيّة" الإسلاميّة التي يدافع عنها (مصطفى حلمي) لكي يصل بذلك إلى دفاعه عن (إبن تيميّة) من غير مناسبة معقولة في سياق حديث "كتابه" المنوّه به، على "التّصوّف"، الّلهمّ إلّا تكريس مهاجمة (إبن تيميّة) للتّصوّف و المتصوّفين، و التّشيّع لهذه المحدوديّة "السّلفيّة" في مهاجمة أصحاب الفكر في الإسلام.
 
27▪︎ في كتاب (عبد الرحمن الوكيل): "هذه هي الصّوفيّة"، الذي أوردنا أعلاه "مقتطفات" جائرة منه بحقّ (إبن عربيّ) – و سنذكره لاحقاً في باب "العقيدة" – استوقفتنا، و ربّما استوقفت غيرنا، هذه الكراهيّة الظّالمة للشيخ الأكبر (إبن عربيّ)، و التي لا يُمكن تسويغها أو فهمها إلّا بناء على موقف أيديولوجيّ منحاز إلى رأي (إبن تيميّة) بالشّيخ الأكبر.
     نعت (الوكيل) إبنَ عربيّ ب "الطّاغوت الأكبر".. (المصدر)، و لم يُبقِ من أداةٍ للتّكفير إلّا ساقها استعمالاً فاشلاً و متحاملاً على إبن عربيّ، حتّى كان أن أخرجه من الدّين كما فعل من قبله (إبن تيميّة)، مع أنّ ذلك لا يُمكن أن يؤيّده عقل أو نقل أو نصّ يُجاري موقفه من إبن عربيّ، إلّا ما كان من (إبن تيميّة) – و سنعاود الحديث في هذا الأمر عند بحثنا في العقيدة الحُلُوليّة و الاتّحاديّة عند من يتّهمون إبن عربيّ بذلك – أو من اتّبع مبدأ كراهيّة هذا و ذاك لإبن عربيّ.
     كان من مآخذ (إبن تيميّة) و آخرين، و منهم (الوكيل)، هذا، على إبن عربيّ أنّه "مُشبّهٌ" و "مُجسّم".. إلخ. و لكنّ الوقوف على اليسير من مواقف إبن عربيّ الإيمانيّة يجعل من مسألة إسلامه و إيمانه، معاً، حالة من الحالات التي تصلح لأن يقتدي بها الجميع، من حيث وضوح معرفته بربّه و مسالك الدّين و الإيمان إليه، بحيث لا تنفصل "المعرفة" عن إبن عربيّ عن "الإيمان".
 
28▪︎ في "الفتوحات المكّيّة"، الكتابُ الأشهر لإبن عربيّ، يقول في "الجزء الأول" منه، في "الباب الثالث"، "في تنزيه الحقّ تعالى عمّا في طيّ الكلمات التي أطلقها عليه سبحانه في كتابه و على لسان رسوله (ص) من التّشبيه و التّجسيم تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّاً كبيراً":
     "اعلم أيّدك الله أنّ جميع المعلومات علوّها و سفلها حاملها العقل الذي يأخذ عن الله تعالى بغير واسطة، فلن يخف عنه شيء من علم الكون الأعلى و الأسفل، و من وهبه وجوده تكون معرفة النّفْس الأشياء و من تجلّيه إليها و نوره و فيضه الأقدس، فالعقل مستفيد من الحقّ تعالى مُفيدٌ للنَّفْس، و النَّفْسُ مستفيدة من العقل، و عنها يكون الفعل، و هذا سار في جميع ما تعلّق به علم العقل بالأشياء التي هي دونه، و إنّما قيّدنا بالتي هي دونه من أجل ما ذكرناه من الإفادة و تحفظ في نظرك من قوله تعالى: "حتّى نعلَمَ" [ سورة محمّد: الآية 31 ] و هو العالِم فاعرِفِ السّبب و اعلمْ أنّ العالِم المُهيمَ لا يستفيد من العقل الأوّل شيئاً و ليسَ له على المُهيمينَ سلطان بل هم و إيّاهُ في مرتبة واحدة، كالأفراد مِنّا الخارجين عن حكم القطب و إن كان القطب واحداً من الأفراد، لكنْ خصّص العقل بالإفادة كما خصّص القطب من بين الأفراد بالتّولية، و هو سار في جميع ما تعلّق به علم العقل إلّا علم تجريد التّوحيد خاصّة فإنّه يُخالف سائر المعلومات من جميع الوجوه، إذ لا مناسبة بين الله تعالى و بين خلقه البَتَةَ، و إن أُطلقتِ المناسبة يوماً ما عليه كما أطلقها الإمام أبو حامد الغزالي في كتبه و غيره فبضربٍ من التّكلّف و مرمى بعيد عن الحقائق، و إلّا فأيُّ نسبة بين المُحدَثِ و القديم؟ أم كيف يُشبه من لا يقبل المثلَ من يقبل المثل؟..
     "فالعلم بالله عزيز عن إدراك العقل و النَّفْس إلّا من حيث إنّه موجود تعالى و تقدّس.." (المصدر).
 
29▪︎ يدحض (إبن عربيّ) في ختام "اقتباسنا" منه، هذا، مزاعم "الغزالي" في استنسابه المنسوب إلى "النّسبة" بين "المُحدَثِ" (المحض)، و "القديم" (المحض)، من حيث "التّشبيه" بين "الممثُول" و "الّلا ممثول". هذا حكم "عرفانيّ" تأويليٌّ بواسطة "ماهيّة القلب" يتجاوز فيه (إبن عربيّ) "معرفة العقل" في امتدادٍ إلى جهاد "العلم"؛ هذا "العلم" الذي هو صفة أرفع للذّات الإلهيّة من صفة "العقل" التي سخّرها الله للعارفين. 
     بهذا يبزّ (إبنُ عربيّ) ذلك "الأشعريّ" نفسه (الغزالي) بواسطة آلةٍ هي من آلات "الأشعريّة" نفسها، و أعني بها "الاعتماد على منطق العقل" (لا "العقل" ذاته بما هو إسمٌ أو صفة للإله) الذي هو مأخذ من مآخذ "الأشعريّة" في التّديّن و الشّريعة و الالتزام، بتوسّل "النّقل"، في ادّعاء منطق "العقل"، و في أنّه (أي "العقل") يأخذ صاحبه، عند الاكتفاء به، إلى "الضّلال". و هذا قول "الأشاعرة". 
     هكذا يُعجز (إبنُ عربيّ) (الغزالي) بأدواته و آلاته "الأشعريّة"، على رغم ما يفصل (إبن عربيّ) عن "الأشاعرة"، كما عن "المعتزلة"، موضوعة تكفير كليهما للشّيخ الأكبر، من دون وجه حقّ أو تمييز.
و لقد كنّا، منذ قليل، قد حاججنا بوهن "الأشعريّ" (الغزالي) أمام فرادة (ابن عربيّ)؛ كما كُنّا في براءة (إبن عربيّ) من تهمة "التّشبيه"، و رمي (الغزالي) بها، كأشعريّ من قومٍ قال أصحابه بتهمة (إبن عربيّ) بـ"التّشبيه" و "التّجسيم".
     هكذا يردّ الشّيخ الأكبر (إبن عربيّ) على "الأشاعرة" تهمتهم بضبط زعيمهم في الشّهرة و الاعتبار، أبو حامد الغزالي، و أصغرهم و أضألهم (إبن تيميّة)، بالتّهمة ذاتها، ليقول لهم (إبن عربيّ)، جميعهم، "الأشاعرة"، مخاطبهم بما سار في العرب من القول المأثور: "رَمَتْني بدائها، و انسلّتْ".
 
30▪︎ لا يُخطئ عاقلٌ أو يشتبه ما لإبن عربيّ من حصافةٍ إيمان و دين و عقل.. و طموح في أن يتجاوز هذا و ذاك من حيث الآلة و الأدوات، بحيث يبتعد عن التّجسيم و التّشبيه – و المثال السّابق قليلٌ من كثير.. – في حديثه الفصيح، بُعدَ النّفي عن الإثبات، و هو يقصد باب التّنزيه الإلهيّ و هو أقصى مُنى طالبي التّنزيه. 
     و تبقى المشكلة في أحكام المحدودين هي الجهل. الجهل بالوقائع، و هذا فظيع؛ و الجهل بفهم هذه الوقائع، و هو أفظع أيضاً. و ما كان لحاكم جائر، ظالم، أن يكون كذلك إلّا لجهل أو ثأر أو حسدٍ أو ضيقٍ أو انتقام.
     هذا، كما هو معلوم، دأب الأقزام و المشوّهين و الحاقدين، أمام العمالقة من الرّجال. و هل بعد هذا البيان التّنزيهيّ الكبير الذي يعتقده إبن عربيّ، ما هو أكثر و أكبر أو أبعد شأناً و مكاناً و وصولاً إلى التّنزيه الحقّ مع مجافاة كلّ "تجسيم" و "تشبيه"؟
 
                                                                          ●  غدا: الحلقة الرابعة "4 من 5" عن (المتصوف الأكبر : مُحي الدّين بنُ عربيّ)

 

عدد الزيارات
13767361

Please publish modules in offcanvas position.