image.png

مقاربة شاملة لكيفية معالجة الأزمات الناجمة عن الحرب على سورية ومعها وفيها.. ح 3 من 3

أ بهجت سليمان في مكتبه:كتب الدكتور بهجت سليمان

18 يتساءل الخبراء و المجرّبون، كيف كان للشّعوب الحيّة كلّها، تلك التي مرّت في تجارب شبيهة و مقاربة، أن تتجاوز ذاتها نحو ذات أوسع و أنضج، تعلّم الخبرة أنّها من "الممكنات"، هذا و لو كانت تلك الممكنات من"الاحتماليّات"، و لكن على أن يكون العمل عليها صحيحاً و صادقاً و محفوفاً بالتّقويم المستمرّ و المراقبة والمحاسبة و الثّواب و الإثابة، و المعاقبة و العقاب!

19 لا يحتاج العلاج الحيّ للمشاكل و الأزمات المهلكة، أيّ ضرب من الألوهة و النّبوءات، بقدر ما يحتاج إلى عمل جادّ، يبدأ ب:

○ اختيار رجال أهل لتحمل المسؤولية الوطنية والمهنية والأخلاقية، في الميادين الحكومية والحزبية والإدارية، وبما يقطع الطريق على المحاولات المسعورة لتحويل نتائج الحرب الكونية على سورية، أمراً مشكوكاً بعدالته النّهائيّة الضّروريّة و الممكنة.

○ وتفعيل سيف المحاسبة، بما يوقف مزاريب الهدر المجاني الذي يزيد الطين بلة.. وبما يمنع إمكانية وقوع بازارات هدر جديدة، لم تعد الدولة ولا الشعب، قادرين على تحملها.
من النّتائج المأساويّة الحقيقيّة لهذه الحرب، ذلك الجانب المتمثّل بـ "الأزمة الاقتصاديّة" التي نشبت متزامنة مع تفاقم زمن الحرب، و التي تزامنت ، كما أوضحنا، أعلاه، مع الأزمة الجوهريّة، العسكريّة والسّياسيّة، و التي انسحب عليها "الشّرط الموضوعيّ"، السّلبيّ في نتائجه السّوريّة، للتّحالفات..

20 لا يظننّ أحدٌ أنّنا، هنا، نبالغ أو نغالي بما هو مخطّط للأرض. و هكذا فإنّ أقلّ الواجب يقضي بأن تُفضي تصوّراتنا ل علاج الأزمات الحالّة، و التي ستحلّ، أيضاً، إلى طرق تختلف عمّا قد رسم لنا..
إنّ من لا يرون بأنّ ما نقوله هو شيء عمليّ بقدر ما هو نظريّ، و أنّه نظريّ بقدر ما هو عمليّ، لن يستطيعوا المشاركة في وقف هذه الهجمة الغوليّة السّاحقة، علينا، اليوم، نحن السّوريين؛ و ذلك إمّا لأنّهم لايتقنون فهم الصّورة التي آلت إليها الحرب السّوريّة و آفاقها المحيطة و القريبة.. أو أنّهم لا يريدون أن يفهموا، لأنّ مصالحهم قد ارتبطت، بعيداً، خارج هذا البلد الذي يراد له أن يراوح في احتمال الانطفاء و الموت!
هنالك صفاتٌ للمواطنين، و هنالك صفاتٌ لأعداء الوطن المنخرطين في مشروع "الآخرين"!
و إذا كنّا لانستطيع أو لم نستطع، حتّى هذه اللحظة، التّفريق بين المواطن و الدّخيل.. فهذا يعني أنّنا لن نعرف الخطوة الأوليّ التي ميّزت الإنسان العاقل عن الزّواحف المنقرضة أو المتجمّدة في قدرها الطّبيعيّ.

● ثالثاً - في المعضلات التي تحيط بمسألة معالجة الأزمات:

21 لا يمكن لنا أن نتصوّر، كما أنّنا لا نريد لأحد أن يتصوّر، أنّنا نقترح وصفة طبيّة، أو وصفات، نعالج بها مرضاً واحداً أو جملة من الأمراض؛ فالمشكلة التي نعانيها اليوم، تجاوزت مفهوم المشكلة، فعلاً، إلى المعضلات .
و ليست معالجة الأزمات العديدة التي حلّت بالسّوريين، قضيّة ناجزة في برهانها الحدّيّ، الكمّيّ و النّوعيّ؛ و إلا لَمَا كان من الضروري تجشّم العناء و المعاناة، سواء في الحديث، أو في الواقع.. اليوم !
غير أنّ كلّ معالجة لأمر.. إنّما تبدأ من متطلّباتها المتمثّلة في المعضلات. و في ما نقترح، هنا، فهماً نظريّاً و عمليّاً للمعضلات، و أعني بأنّها جذر الحاجة إلى العلاج، و جذر خلق الأدوات و الظّروف المهيّئة للعلاج، و على عكس ما قد جرى فهمه، حتّى الآن، لمصطلح "المعضلة"؛ فإنّنا، أيضاً، لا نتجاهل مقدار ما قد تضمّنته "المعضلة"، في المصطلح و في المفهوم، من سلب يواجه القدرة على استثمار "المعطيات"، و ذلك مهما تكن هذه "المعطيات" متواضعة أو في طور الزّوال..

22- و التّسليم بواقع العجز عن القدرة على محاصرة النّتائج االنّاجمة عن الحرب بهيئة الأزمات، هو ما يجعل"المعضلة" تأخذ مفهومها التّقليديّ الموحي بالعجز أمامها أو التّعجيز.
خلق الإنسان واحداًِ في هيئته هذه، وفي طاقاته، و في إمكانيّاته، و لكنّه خلق على تعدّد في قيمه الأخلاقيّة و ممارساته و أداءاته في الأهداف، وكذلك اختلافه في المقدّرات االتي يملكها بين يديه، في سبيل تحقيق الأهداف..
و من هذا، فإنّ ما يعنينا، في هذاالجزء السّياقيّ من الحديث، إنّما هو الحضّ الذّاتيّ، أوّلاً، على رؤية الأهداف الصّحيحة، ثمّ، ثانياً، باختيارالمناسب لها، و الضّروريّ، و الحصريّ من المؤدّيات المادّيّة و الرّمزيّة، تلك التي ترتبط، فيها، مباشرة، بواسطة جملة من القناعات التي ليس أوّلها و لا آخرها، أنّنا كشعب سوريّ، لسنا ولن نكون من الشّعوب التي دخلت أقدارا الانقراض، و ذلك على رغم كلّ ما يوحى به إلينا، في السّياسات، من تلك الإيهامات المدجّنة بأصحابها الغادرين الذين يقودون، اليوم، طريق التّحوّلات.
و عندما نؤمن بهذا، فإنّنا نؤكّد على ذاتنا الطّبيعيّة، قبل و بعد كلّ شيء، و التي مفادها العمليّ أنّه ليس هناك من هو أقدر من سورية ولا من قائدها التاريخي (الأسد بشار)، و لو كان هناك من هو أقوى منّا ماديا وتسليحيا.

23 يدخل في هذه التّغريبة الشّعوريّة الضّروريّة التي تفصلنا عن مشاعر اليأس و الهوان، ما هو أكثر من القيمة الوجوديّة المتمثّلة بأحد أمرين:
○ فإمّا أن نكون على بيّنة من وجودنا الفعليّ الحقيقيّ، و هذا أوّلاً، و هوالخيار الضّروريّ و الأفضل .
○ و إمّا، ثانياً، أن نضحّي بباقي مخاوفنا التي تداخلت مع عجزنا الوجوديّ، التّاريخيّ و السّياسيّ، بالوقوع في ما نخافه أو نخاف منه، و هذا هو الحلّ الأكثر غيبيّة و شاعريّة، لولا أنّه يبرز كضرورة أخيرة عند عجزنا عن أيّ القيام بعمل أيّ شيء آخر، و هو ليس انتحاراً كما يفضّل البعض أن يراه، و إنّما هو ضرب من الوجود المبالغ فيه، عندما نعجز عن الوجود الواقعيّ.
و ما لها المغالاة؟! أليس كلّ إيمان مغالاة؟ و ذلك بدءاً من الإيمان بالحق و التشبث بالدفاع عنه، وصولا إلى الإيمان بالإله!.. والمغالاة بالحق والصدق والإنسانية والوطنية والصواب والخير، أمر محمود و مطلوب، بعكس ما يعتقد الكثيرون.

 
عدد الزيارات
13768384

Please publish modules in offcanvas position.