image.png

نحو فحص القيم الباقية و الّلحاقِ بالمجتمع المهشّم بالانقطاعات

أ بهجت سليمان في مكتبهكتب الدكتور بهجت سليمان


1▪︎ دعونا نعترفْ بأنّنا وصلنا اليومَ مع الحرب إلى مفترق طرقٍ تبدو فيه جميع المسالك الجديدة و غير المعنونة ، كاختبارات لنا في ما هو مقبل من سياسات و أفكار . لقد اختلفنا ، بسبب الصّراع ، على البديهيّات – كما سبق و كرّرنا في أحاديث مختلفة – و من الطّبيعيّ أن نختلف على المُعطيات الجديدة المجهولة في التّسميات. أتحدث عن المجتمع ، اليومَ ، هذا الكائن العجيب !.

2▪︎ ففي قيم العمل ، ينشأ ، على الملأ ، "نسق" ( نظام ) التّفكير في الابتعاد عن لغة الإنتاج و الجهد الصّادق المبذول في سبيل إحداث التّراكم الذي يصب ، بالمحصلة ، في النّاتج الاجتماعيّ للملكيّة ..
فيما تسلك فيه قيم الثّروة و الثّراء ، الجديدة الطّارئة ، في معرض تجاهل التّضحية و البذل ، مسلكاً عمليّاً خطيراً و مؤثّراً بوضوح ؛ في الوقت الذي يطرح فيه هذا "النّسق" الجديد نفسه كبديل ممكن عن النّسق التّاريخيّ النّظاميّ الذي كان سائداً في المجتمع ، عن حقيقة مطلوبة بذاتها ، إلى حين.
يعمل هذا "النّسق" الجديد ، بكلّ ما هو مدعّم بالشعبويّة المسعورة ، على خلق بيئته الاجتماعيّة "الموقّرة"، ليكون بديلاً واقعيّاً من العلاقات السّهلة و العابرة الكفيلة بتقديم صورة "مناسبة" للثّروات الجديدة ، على أنّها من خَلقِ الحقائق الواقعيّة التي شكّلت الفرض التاريخيّ الذي طرحته "العلاقات" المتبادلة ، العاملة على خلق الإيهامات المرتكزة على دوافع نشاط "الملكيّة" التي ستؤسّس ، حديثاً، لاقتصاد سياسيّ و ماليّ ، سوف يشكّل أساساً لمفهوم "الملكيّات" النّاشطة في المجتمع اعتباراً من هذه اللحظة المعلّقة في فراغ ، و مروراً بخلق الواقع السياسي المطابق لهذه "الملكيّات" المزعومة الآيلة في التّحليل الاقتصاديّ و السّياسيّ و الماليّ ، إلى "ثروات" طارئة ، و لكنّها شقّت و ستشقّ لها طريقاً حاسماً إلى مستقبل القيم الاقتصاديّة و الماليّة و السّياسيّة في التّبادلات ، ك "ملكيّات" مزيّفة بكلّ ما تحمله من بصمة الثّروات الطّارئة.

3▪︎ يرتّب هذا الانزياح المفهوميّ و العمليّ للثّروة و الملكيّة ، و الخلط بينهما ، ما هو أوضح في علاقات المراتبيّة التي تفرض و ستفرض نفسها على قيم السّلطة و الحكم ( القيم السياسية ) ، من حيث أنّ قيم "العمل" سوف تخلق لها قيماً سياسيّة ضروريّة مناسبة ، كما أنّها سوف ترتّب لها نتائج في سوق الاقتصاد السّياسيّ ( العلاقات السّياسيّة التّبادليّة النّاجمة في مناسبات الإنتاج و الملكيّة و الثروة ) من دون منازع لها ، حيث احتلّت أوّلاً أساس القيم في ساحة العمل و " الإنتاج " ، فبات ضروريّاً لها ، من دون شكّ ، أن تعبّر عن نفسها في التّجريد الأوّل في الاقتصاد و السّياسة بإمعان و مطابقة و وضوح.

4▪︎ سوف يكون ذلك واضحاً ، أيضاً - كما هي واضحة تباشيره - في تجاوز كلّ "نزعة إنسانيّة" رتّبتها ظروف "الرّكود" ( أو الثّبات ) التّاريخيّ التّقليديّ ، و ذلك على أهمّيّة تلك "النّزعة" في استقرار المجتمع و السّلطة ، من جهة التّخلّي الحادّ عن قيم "الإنسان" لصالح قيم "الأشياء" غير العاقلة التي ستغدو ، و قد بدأت ذلك ، مقياساً للفاعليّة الاجتماعيّة و السّياسيّة بحيث ستفرض نفسها كقوى جديدة في معايير النّجاح.

5▪︎ إنّ البديل الجديد للنّزعة الإنسانيّة إنّما هو التّداخل الحاصل ، عنوة ، مع القوى العابرة للقيم السّياسيّة الثّابتة ، أو التي كانت ثابتة ، نحو انتماءات جديدة ضاغطة على الضّمير السّياسيّ في بوتقة "العولمة" السّياسيّة و الدّينيّة و الوطنيّة و القوميّة ، في انصهارات مراتبيّة حادّة في "المعمل" العالميّ لإنتاج المعايير الجديدة و دلالات الانتماء..
حتّى القيم الدّينيّة ، فإنّها ، هي الأخرى ، سوف تستحيل إلى ملحقات وتوابع ل قوى "عولميّة" تتجاهل أسسها الماضية بكلّ انتهازيّة الفاعلين القائمين على سدّة التّديّن المتحول إلى ساحات عالميّة واسعةِ الانتماءِ ، في استقطابات تحمي أصحابها عند التّعريف الجديد لعناصر التّحوّلات ، و تمكّنهم من خطاب التّفاهم و الحماية العابرة ل " المحلّيّات ".

6▪︎ لقد حصل ما يُشبه هذا في ( أوربا ) عشيّة حروب الدّين و السّياسة منذ منتصف القرن السادس عشر الميلاديّ ( و الإصلاح البروتستانتي 1517م ) ، و حتى بدايات القرن الثامن عشر ، مع بدايات عصر "التّنوير"..
و إذا كان ذلك الزّمن يرتبط في ( أوربا ) مع التّهليل للنّزعات الإنسانيّة ( و القوميّة ) ، فإنّ ما نجم عنه من تحصيل قيم "إنسانيّة" تمّ تجاوزها بويلات الحروب العالمية إلى "ما بعد الحداثة" ، جعل منه مخزوناً لاستهلاك محمول القيم فيه بكلفة باهظة ، حقّقت الاحتمالات التي كانت تعتمل في جوهر تلك التّغ

يّرات من مستقبل غير متكرّر على المستوى العالميّ..
و في هذه البيئة يبدو التّغيّر شأناً قانونيّاً وضعيّاً ، اليوم ، بقدر ما كان في "الماضي" في التّغيير شأناً تحفّه إعدادات الأفكار و التّردّدات و الطّموحات المختلفة و التّحالفات و التّناقضات و السّياسات.

7▪︎ يرتّب ما سبق في "الاغتراب" الوضعيّ ، على المستوى المحلّي ، في بيئة مختلفة بشدّة من حيث فقدانها للمعطيات و المقدّمات ، انقطاعاتٍ أخلاقيّةً في الأداء الخاصّ و العامّ ؛ فإذا بالمواقع المختلفة للأفراد و القوى و الجماعات تؤدّي أداءاتها المريضة الموبوءة و المسكونة بالانحطاطات التّاريخيّة ، بتخلّفها المفضوح عن ركب التّفاعلات و الانسجامات ، "حارقة" ما لا يمكن أن يحترق من مراحل بهذه البساطة من "الطّموحات".
 
8▪︎ ينعكس شكل التّحوّلات "القيميّة" العامّة بشكل مؤكّد على مصائر الموجودات المختلفة في البنى الخاصّة و العامّة ، و ينضوي في ذلك على تناقضات تتبع مستوى "التّطوّر" المحلّيّ المتدنّي عن مثيله التّاريخيّ في ( الغرب ) ، بحيث يشكّل في مجتمعنا انقطاعاً "معنويّاً" يفصل المكوّنات الجديدة عن التّراكمات القديمة ، في شكل انقطاعات تاريخيّة داميّة تشرخ جسد المجتمع و تنعكس في الاقتصاد و السّياسة بشكل تراجيديّ.
إنّ "الغربة" الشّديدة التي تظهر ب " اغتراب " الأداء و بالتّقليد العاجز في محاولة التّشبّه مع قوى تاريخيّة غريبة عن الواقع و مليئة العلل الكافية و المسوّغات ، إنّما تتميّز و تتمايز في انقطاعات و قطوع مصطنعة غير مأهولة بقواها التّاريخيّة الضّروريّة ، و مفروضة بالشّهوة و الرّغبة و العجز الإنسانيّ النّاجم عن هذا و ذاك ، و هو ما يجعل مشروعيّة "النّزعات" المفاجئة غير كافية في المطابقة مع درجة الانعتاق الاجتماعيّ و التّجاوز الشّامل .

9▪︎ يأتي تطبيق و ممارسة الخلاعة الاجتماعيّة – الاقتصاديّة – السّياسيّة المحلّيّة المعاصرة ، في تجاوز "الإنسانيّات" ، كحلٍّ لمشكلاتٍ لم تُطرحْ على المجتمع و الدّولة ، بعد ؛ و هذا ما يُشكّل أجوبة على أسئلة مفقودة ؛ و هو ما يؤدّي عمليّاً إلى فقدان العلاقة بين السّبب و النّتيجة ، و بالتّالي إلى تمزّق الرّوابط الدّالة على المشكلات التّاريخيّة المطروحة أمام الاقتصاد و السّياسة و العمل و الأخلاق.
و في هذا الموضع "النّسقيّ" تظهر جميع الأفكار التّعليليّة ( و بخاصّة منها ما يتعلّق بالمقاربة بين الثّروات و الملكيّات ) كأفكار باترة و غير دقيقة في تمثيلها للانقطاعات السّببيّة التّاريخيّة التي تهشّم المجتمع ، و تجعل الدّولة شيئاً مطابقاً في انقطاعاتها عن الاقتصاد و السّياسة دون قدرتها على ممارسة الانسجام.

10▪︎ يظهر "النّسق" الثقافيّ الجديد ، و المتمحور حول تسويغ السّلطة الاجتماعيّة السّاديّة القائمة على الثّروة و المال ، و النّاخرة قلب السّياسة و الاقتصاد ، كاختراع مستجد يهدف إلى نسف القيم الوطنيّة في انتمائه إلى قوى "التّغريب" في الخدمة و التّواصل و الانتماء الجديد.
و على هذا يسجّل هذا "النّسق" أوّل انقطاع تاريخيّ حديث كلّيّاً ، و معاصر ، يتجاوز في "قطعه" جميع أشكال القطوع التّاريخيّة في الدّولة الوطنيّة السّوريّة المعاصرة ، و منذ نصف قرن على الأقلّ و حتّى اليوم.

11▪︎ و يطرأ في هذا المقام سؤالٌ مباشرٌ لا يحتمل التّأجيل : كيف يمكن الّلحاق بهذا المجتمع الذي أصيب لتوّه بكلّ هذه الانقطاعات و القطوع ؟
إنّ وضع اليد على الجرح لا يعني أبداً العثور له على علاج مناسب و سريع ؛ على رغم أنّ مجرّد تشخيص المرض إنّما يقترن بوحي أو بإيحاء إلى جهة المعالجة و التّطبيب.
و على رغم ذلك ، فلا يبدو أنّ ثمّة أيّة وصفة مباشرة تناسب أن تكون علاجاً شافياً لهذه الانقطاعات النّوعيّة الاجتماعيّة و السّياسيّة التي حلّت بالمجتمع .

12▪︎ و إذا كان لا بدّ من الإسعافات المباشرة قبل استفحال هذه الانقطاعات، فإنّها تكمن حصراً في فحص القيم الباقية من عهود التّطوّر العضويّ الطبيعيّ للمجتمع و الدّولة على حدّ سواء..
و يُفضي بنا هذا التّصوّر إلى المواجهة المباشرة مع قوى القطع و الانقطاع ، و إعادة الانسجام إلى طريق الانتقال الموزون سياسيّاً لتلك القيم التي غزاها التّطرّف في التّحوّل و الانتقال.

13▪︎ و أوّل ما يترتّب على ذلك من علاج يكمن في إعادة الأشياء إلى نصابها في التّمييز بين الطّارئ و الأصيل في تطوّر جوانب المجتمع و الاقتصاد و السّياسة و العمل و الأخلاق ، و عدم اللحاق بهذا "النّسق" الطّارئ المتجاوز للقيم الأصليّة ، عن طريق عدم خلع الاعتباريّات المختلفة عليه ، و ذلك بسحب أوراق قوّته المزيّفة من التّداول و التّعبير و الاعتبار في سوق القيم الأخرى التي ما تزال تبحث لها عن أوضاع اعتباريّة و لو بشكل كليل.

14▪︎ إنّ نبذ هذا "النّسق" الوضعيّ و غير التّاريخيّ ، هو أوّل ما يترتّب على احتماليّات قبول القيم المزيّفة الجديدة المخلوقة في مناسبات هذا "النّسق" ، في عدم الاعتراف بها في النّمط ، أو النّموذج ، الاجتماعيّ و السّياسيّ التّقليديّ المانح للاستقرار الطّبيعيّ المتراكم في المؤسسات المعاصرة في الدّولة و المجتمع ، و التي تطوّرت بأخلاقيّات ثابتة في ساحة المعارك التّاريخيّة الرّاهنة التي خاضها المجتمع عن أصالة و وطنيّة و صدق و ثبات.
هذا يعني التّمييز في الأنساق ما بين تلك النّاجمة عن زخم النّضال و الصّبر و التّعويل عليها ، و دون التّعويل على تلك الأنساق ( النّسق ) في ما ابتدعته لها من تقليد نافر و شاذّ و مرَضيّ.

15▪︎ ومع ذلك ، علينا ألّا نَدينَ المجتمع ، مُطلق مجتمع ، من أجل حفنة من المُدانين ، مع أنّ هؤلاء القلّة قد أفسدوا واقعاً عريضاً من المجتمع ..
و لهذا علينا فصل "النّسق" الجديد و عزل
 
ه عن "النّموذج" البطوليّ الذي أبدعه المجتمع السّوريّ في هذه الحرب. و لعلّه يتبيّن من هذا الخطاب الضّروريّ و الحيويّ أن المسؤوليّة الأكبر هي مسؤوليّة سياسيّة أوّلاً و أخيراً ، بعد أن انزلق المجتمع بأهمّ قواه الفاعلة ، اقتصاديّاً و سياسيّاً ، إلى منحدر ذلك "النّسق" المفتعل الجديد ، فصار المجتمع ، في غالبيّاته القيميّة و الوضعيّة يميل إلى الاعتراف بهذا "السّرطان" الاجتماعيّ الجديد ، و يعمل ما بوسعه ، و عبر أكثر قواه فاعليّة و تأثيراً ، و من دون أن يُدرك مصيره ، على أن يُصاب بعدوى هذا "النّسق" الأخير. إنّ ما يترتّب على "السّياسة" ، هنا ، أوّلاً ، أن تقف بمواجهة هذا الخطر الدّاهم للمجتمع و الدّولة ، بعد الاعتراف بوجوده السّرطانيّ في المجتمع و المؤسّسات ، و أن تنهض للدّفاع عن المجتمع و الدّفاع عن الدّولة.. و أن لا تكتفي الدولة ، بترك الحبل على الغارب لهذه القوى الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة الجديدة التي شكّلت هذا "النّسق" القطاعيّ و الانقطاعيّ عن تسلسل التّطوّر السّوريّ و احتياجاته الأوليّة .. و ذلك في سبيل تكليل فاعليّات الصّبر التّاريخيّ بالانتصار ، و عدم إهدار المستقبل في حاضر مشكوك في مكوّناته الطّارئة في معمعة هذه الحرب و في مستقبل نتائجها العامّة التي هي قيد الانتظار.
 
عدد الزيارات
11937882

Please publish modules in offcanvas position.