image.png

العلويون بين النيابة والمجلس والحراك الشعبي

الشيخ شادي عبد مرعي- بيروت- فينكس

لا نبالغ إذا قلنا: أنَّ العلويين اليوم يعيشون حالةً من الضياع لم تسبق له في تاريخهم، فهم معزولون بالفعل الذاتي والخارجي عن كل مسار الأحداث من حولهم، لكأنهم يعيشون على كوكبٍ آخرٍ، أو لكأن من يدعي رعايتهم قد اختار لهم الإنطواء بعيدًا عن هذه الإنتفاضة التي تعيشها البلاد بغض النظر عن تقييمنا لكل ما يجري، وربما كانَ مُصيباَ بنقطةٍ وحيدةٍ ربما – حسب عقليَّته- وهي أنَّ إبعادَ العلويين عن هذه الفوضى تحفظهم في الإطار الخارجي بشكلٍ أو بآخر، ولكنه مع هذا الحرص _ المُبالغ فيه_ لم يعمل على تحصينِ العلويين داخلياً بأدنى مقوماتِ البقاء، ويكفي القول هنا: أنَّ الإنْفصامَ قد ضربَ أطنابهُ في كلِّ مفاصلِ الهُويةِ والإنتماءِ والوُجودِ..
ولو ابتدأنا بتوزيع المسؤليات بين إقطاع قديم جامد أورث العلويين تركة ثقيلة قد يحتاجون إلى عقودٍ كي يخرجوا من تبعاتها، مروراً بالمجلس والقائمين عليه، وصولاً إلى الخديعة الكبرى التي قصمت ظهر الحلم العلوي بتغييرٍ ولو بعد بعد حين مارسها نائبا الطائفة بدهاءٍ وربما بعكسه، ومن يدري؟؟
واليوم صار هؤلاء جميعاً من أكثر المنادين بالانتخاباتِ تضليلاً إعلامياً مكشوفاً من باب كلمة حق يُراد بها الباطل حُكماً.
أمام هذه الإنكسارات كان من المفترض أن تخرجَ من رحم هذه المعاناة ثورة شعبية كنا قد طالبنا فيها قبل انطلاقة انتفاضة 17 تشرين بشهرين تقريباً، حتى قامتْ، فاستبشرنا بها خيراً وشاركنا بكل اندفاعٍ بشعاراتها وهتافاتها، فباغتنا نائبٌ –زوراً- بدعوىً قضائية فيها الكثير من التجني والظلم، فأقعدنا وأخرسنا، فلا سبيل للمقاومة بعد أن سكت الجميع عن نصرتنا وربما شَمتُوا كلهم..
وللإنصافِ فقد انطلقَ حَراكٌ شعبيٌّ، شارك بحماسةٍ، لكنه عاد وتراجع ليثور في الوقتِ الضائعِ، والمكان المُضِرِّ، وضد الناس الخطأِ، ليبقى حَراكاً استنسابياً هزيلاً (غِبّ الطلب)، لذا، فإنَّ عليه أنْ يُعيد مراجعة تحركاته بشجاعة، هذا حتى يُحْسنَ الظَّنُّ به: فلا يستأسدُ على الضعيفِ، ولا يتقهقر عند الزعيم، بل يجعلِ العدلَ شعارَه..
دون أنْ نخفي أنَّ هناكَ شعارات وهتافاتٍ أُطلقتْ، وممارسات تخريبية وعبثية اجتاحتِ الانتفاضة التشرينية، كانَ من مصلحة العلويين أن يتراجعوا، ولكنْ، كانَ بإمكانهم المحافظة على حَراكهم الخاص الذي يُعبِّرُ عن وجعهم العميقِ ضمن شعاراتهم الخاصة التي تحاكي أوجاع كل اللبنانيين بسخطهم على الدولة اللبنانية التي تتعاقبُ على ظلمهم، وليس آخر الظلم حرمان حكومة حلفاءهم الجديدة من تمثيلهم الوزاري المشروع..
وفي ظل هذه الفوضى العارمة التي تجتاحنا عُقدت اجتماعاتٌ متتالية تحضيراً لانتخابات المجلس، تمخَّضتْ عن مهزلةٍ لو يدري اللاهثون – وراءها – سخافة تزاحمهم، لطمروا رؤوسهم في رمال مرَّغَتْها الوصولية والنرجسية والعائلية البغيضة.
فاللجنة الانتخابية التي يجب أن تكون تقنية بَحتة، صارت مترهِّلةً متضخمةً، بدلَ من أن تكون رشيقةً خفيفةً تُنْجِزُ مهمتها المؤقتة بالسرعة المطلوبة بحيادية ونزاهة، حيثُ أن الأسماء التي تسرَّبت حملتْ في رمزيتها بذور الفشلِ، مستغلةً انشغال الشارع اللبناني بأكمله بمجريات الانتفاضة الشعبية..
فمن (خمسة) أسماء كما نص النظام الداخلي للمجلس وصولاً إلى (اثني عشر) اسم، ومن ثم تسريب أنها ستصبح(أربعة عشر) اسماً، توزيعاً لفخرياتٍ تافهةٍ، وتقديم جوائزَ تَرْضيةٍ لا قيمة لها..
وإذا كانتِ الهدايا على قدر مُهديها، فأيَّة هديةٍ رخيصةٍ هي تلك التي يتقاتل المتهادون عليها؟؟
هذا كله ، وسط تبجح بعضهم أنَّه باقٍ في مكانِه رغم أنفِ الجميع بعد (ثمان عشرة) سنةٍ على تعيينه، وما سكوتنا عنه إلاَّ قرفاً عن ملاقاته، لكنه ظنَّ أنه على حقِّ بعد أن صمت عنه المثقفون الذين تخلوا عن واجبهم الأخلاقي بالتحرك ضده…
واليوم، أمام هذا المشهد المأْزوم، فإنَّ العلويين أمام خَيارَيْنِ لا ثالثَ لهما، للخروج من عُنقِ الزجاجةِ المُظلم:
الأول: أنْ تَلِدَ من رَحْمِ هذه المعاناةِ ثورةً شعبيةً..، إلاَّ أنَّ الواقع وظروفه غيرُ مُهيَّأَيْنِ بتاتاً، رُغم الحاجةُ الثورية للتغيير ..
الثاني: قِيامُ مُصالحةٍ بين كُلِّ مُكوناتِ المجتمعِ: تُهدِّأ النُّفوسَ، وتُطِّيِّبُ الخواطِرَ، تمهيداً لِلقاءٍ موسَّعٍ لا يستثني أحداً، فيرسم استراتيجية التعايشِ والبقاء.
والحَلّان قد يكونا ضرباً من مُحالٍ..، ولكن: قَدْ تُهِيَّأُ الأسبابُ في غفلةٍ عنْ أمرنا.
ولتكن أول خطوةٍ هي كالتالي:
ما دامَ الجميعُ قد وصلَ إلى قناعةٍ أنَّه مع الانتخاباتِ الشاملة بالسرعة القصوى، ولكنه يكيل التهم على الآخرين بالتعطيل والعرقلة، لذلك فإنَّ هناك حلاً منطقياً عادلاً يكون بتشكيل لجنةٍ حيادية، من متطوعيين تقنيين يعلنون أنهم ليسوا مرشحين لأيِّ منصبٍ في المجلسِ، ما دامَ دورهم ينتهي فور إعلان تشكيل اللوائح الانتخابية حكماً، ثم تجري الانتخاباتُ بنزاهةٍ وشفافيةٍ، فمن ينجحُ فمن الواجبُ علينا طاعتهُ في غير معصيةٍ للهِ..
وأخيراً نتسأل:
أين دور المثقفين العلويين في لبنان تجاه مجتمعهم؟
الكل يتبجح بأننا قد نكون من الأعلى نسبة بحملة الشهادات المختلفة، وهذا مصدر قهر أكثر من كونه مصدر فخر، ويا للأسف.
وفي الختام :
فهل سيشمل التغييرُ العلويين في لبنان، انسجاماً مع باقي المكونات؟
أم أنه سيبقى بعيداً عنهم، تَصدُّهُ عراقيلٌ نفسيةٌ، وتمنعه ظروفٌ بنيوية؟
وفي لحظةٍ مُماثلةٍ يوماً، قال بدوي الجبل، للفاسدين:
صارحوها، فقدْ تبدَّلَتِ الدُّنيا… وجَدَّتْ بعد الأمور أمورُ
واليوم نَنْصحهمْ بحكمة المرحوم حامد حسن:
منْ يعصمنَّكَ في غدٍ؟
مِنْ ثائرٍ مُتَمَردٍ؟
أوْ شاعرٍ متمردِ؟
والسلام على طيب الكلام

عدد الزيارات
13205689

Please publish modules in offcanvas position.