أمميّة، إنسانيّة، وطنيّة، قوميّة، و أديان.. وتوضيح لبعض الالتباسات- 2 من 3

    [ أين تختبئ الحقائق وراء الكلمات و الأفكار و المشاريع و السّياسات المحلّيّة و الإقليميّة ، و المحاولات..؟ ]أ بهجت سليمان في مكتبه

    ( الحلقة الثانية " 2 من 3 " )
     
    د. بهجت سليمان

    9▪︎ و هكذا فإنّ لغة “الحوار“ مع أيّ طرف من الأطراف في “السّياسة” لا تكون إلّا من موقع “الحقّ” و موقع “القوّة” معاً. و دون هذا أن يكون صاحب الحقّ هو نفسه الأقوى و لو أبدت ظروف الحال شيئاً مخالفاً لهذه الحقيقة بل و المُسلّمة. و حيث ليسَ شرطاً أن يحصل لقاء الحقّ و القوّة معاً ، فإنّه ليسَ البديل أيضاً أن يدبّ اليأس في جنبات صاحب الحقّ.
    معيار القوّة متبدّل ، فيما معيار الحقّ ثابت و لو أنّه يتّخذ له صيغاً أخلاقيّة و سلوكيّة و دبلوماسيّة مختلفة بين الحين و الحين . و أمّا من حيث الموجبات الظّرفيّة للحوار ، فذلك ممّا هو ليسَ من “الفروض” التي تتزيّى بالواقعيّة و هي عنها في انفصال. في كثير من توهّم الواقعيّة التي تقرّرها الوظيفيّة الظّرفيّة يكمن شيءٌ من التّخاذل أو الخنوع أو الخطأ في الحسابات . هذا شأن لا تعرفه حقوق الأمم على اجتماع و وفاق ، و إنّما يبقى من قبيل التّرّهات التي تعمل على التّنكّر بالضّرورات.
    و لا يعني بالمطلق أنّه إذ يُضطّر خطاب السّياسة إلى التّنازل عن عرش الحقّ الذي سبقه في الوجود ، أنّه خطاب حقّ أو تسويات من منطلقات مبدأ العدالة نفسه الذي لا ينفصل عن مبدأ الحقّ . الحقّ و العدالة خيارات شاملة و ليستْ خيارات اضطرار. الاضطرار تراجع عن المبدئيّة ، و المبادئ حاكمة. هذا ليسَ تعنّتاً و لا عنجهيّة في المواقف الكبرى ، و إنّما هو عين “السّياسة” نفسها التي عَرَفناها معاً ، هنا ، في أحاديثنا ، على أنّها سابقة على الدّول نفسها و على الأمم و الشّعوب و المجتمعات و “الجماعات”.
    هكذا فقط نكون في قلب “الحدث” السّياسيّ المشرقيّ اليومَ و غداً ، و في قلب حدث العالم أيضاً ؛ و أمّا إذا اخترنا مبادئ نظريّة العكس ، فإنّما نكون تماماً خارج “القضيّة” ، و أعني خارج كلّ قضيّة ، و “قضايانا” المشرقيّة العربيّة و الإسلاميّة و السّوريّة.. المحقّة طويلة التّعداد. إنّ التّنظير من خارج “الحدث” يُغري بسهولته، و لهذا فهو تنظير خاطئ و ضار .
    10▪︎ و على ما قدّمناه فقط على “السّياسة” تكون “السّياسة” - و ليسَ “السّياسات”.. - هي “المحرّك الأساس للنّهوض” ، و يعني في أن لا نفهمها ظرفيّة و وظيفيّة و انفعاليّة و ردود أفعال ، بل على أن نفهم أوّلاً موقعها التّكوينيّ ( و الجينالوجيّ ) و آفاقه في النّجاح الممهور بطابع القيمة التّاريخيّة و الأخلاق..ذلك أنّ الشّأن العامّ ليس “متصرفيّة” إداريّة أو آنيّة أو جيلويّة تتعلّق بجيل دون آخر ، و إنّما هو مثالٌ نموذجيّ أو “أُنموذج” تنعقد عليه التّدبيرات و ما يُدعى تجاوزاً بالسّياسات.
    و من هذا “الباب” فإنّ تقرير “دليل أنّ الدّول القوميّة التي عاشت سنين ضمن هذه الهويّة ما أن يُمارس فيها سياسات غير عادلة أو غير تقدّميّة أو غير مركزيّة ، حتى ينمو فيها الشقاق و تظهر فيها هويّات متنوعة تكون عصبيّتها أحياناً أقوى من الهويّة القوميّة و قد تؤدّي لحوب أهلة في الوطن الواحد”.. إلخ ، هو طرح جدير بالتّأمّل لولا أنّه يحدّه نقصان و جملة من التّجاهلات.
    11▪︎ مشكلة هذا الطّرح الأولى هو أنّه لا يعمل وفق مقياس زمنيّ حضاريّ ، بمعنى أنّه لا يُنشئ نسبة أو تناسباً زمنيين لعمر “الدّول القوميّة” التي عاشت سنيّ هويّتها ، ليقارنها عمراً بالعصبيّات و الهويّات النّاشئة على هامشها أو في قلبها بعدها ، و كم دامت هذه “الهويّات” الدّخيلة قياساً بالهويّة الأمّ.
    و نحن هنا لا ندافع عن مبدأ الاستئثار بالهويّة بقدر ما نقارن وضعاً ثقافيّاً شاملاً ، جرى اختراقه بالمؤامرة الّلا أخلاقيّة لثقافات محضونة أخرى أو بواسطة عامل من عوامل القوّة و العنف المجّدين من الحقّ .
    حاصله أنّ وضعاً كهذا ليسَ وضعاً معياريّاً يمكن القياس عليه ، و لا هو بالوضع النّظريّ الذي ينجب استقراءً تايخيّاً ملهماً و مقنعاً للمجتمعات و الأجيال. هذا اعتداء على الوضع و الوضعيّة و التّموضع و الأوضاع..، و كلّ هذه الكلمات هي أشياء أكثر شرعيّة من مجّد الانقلابات.
    12▪︎ هذا مع أنّنا لا نبرّر ، و لا يُمكن لنا أصلاً أن نبرّر ، جميع تلك المخالفات البشريّة و الأيديولوجيّة التي باشرتها كمقدّمات للانقلاب عليها و أعني تلك الدّول القوميّة التي لاقت حتفها في أوانها ، و هذا باستثناء أن يكون قصد الحديث الذي نتعقّبه هنا أنّ الأمّة العربيّة الحديثة قد فشلت ، مثلاً ، في الحفاظ على دولتها القوميّة نتيجة لأخطائها ، ذلك لأنّ القصة القوميّة ، قصّة الدّولة القوميّة الحقيقيّة ، لهذه الأمّة ، لم تكتب لها بعد في العصر الحديث.
    و مع أنّنا لا نشترط هنا أيضاً أنّ الفرصة تلك سوف تكتب بالضّرورة و المطلق لهذه الأمّة ، من خلال إشارات عالميّة معاصرة ، و أنّها لم تُكتب يوماً لها على ما هو معهود في العصر الحديث ، و هو في الحالتين ما لا يجعلنا نضحّي بالفكر الفلسفيّ القوميّ ، على اعتبار أن القاصي و الدّاني يُدك أنّه ما من مشروع سياسيّ على مستوى أمّة و دولة قوميّة قد قام و أُنجز من دون مقدّمات نظريّة فلسفيّة و سياسيّة واسعة و طائلة ، و ليس القول أنّ التّنظيرات كانت تعقب الوقائع و بناء دولة القوميّة الحديثة و المعاصرة.
    13▪︎ لا نعلم دولة قوميّة آسيويّة أو أفريقيّة أو أوربيّة و لا أميركيّة ، لا قديمة و لا حديثة و لا معاصرة ، بما فيها أسوأها نوعيّاً - دينيّاً - ( إسرائيل ) ، قد قامت على غير نظريّة أو فعل سياسيّ تنظيريّ ، و ذلك حتّى لو كانت تلك الدّولة القوميّة ذات الخصوصيّة العظيمة ، و أعني دولة ( محمد علي باشا ) و لو لم يُكتب لها النّجاح لسبب مخاطرها التي شكّلتها على غيرها من الدّول القوميّة النّاجزة و بادية الاحتكار و ما زالت تبديه “قوميّاً” إلى اليوم.
    و أمّا أن يكون مثال كلّ “تلك النّماذج على الدّول القوميّة الفاشلة.. أمامنا اليوم في الوطن العربيّ لهذا المثال”.. فهو ما لا يُمكن نقده لأنّه ضرب هاوٍ أو غاوٍ من التّزوير أو الافتعال و التّمويه و التّغرير و الانتحال و التّجسيم الواقع على اشتباه..
    و معلوم أنّ ما ينبغي أن يجري التعلّل به إنّما هو حقيقة أنّ الدّول العربيّة المذكورة إن هي إلّا صنائع غربيّة غبيّة ( و أعني غبيّة على التّحديد ، على رغم ما تعمل على أن تُبديه من عمالة و خبث و دهاء ! ) لدول قطريّة مزيّفة لا تصل إلى مستوى المشروع القطريّ الذي يجب النّضال من أجل تحقيقه اليوم في سبيل السّير على طريق مشروع الدّولة القوميّة التي ما زالت تؤجّله المآسي و الحِدثانات.
    14▪︎ كانت فكرة الهويّة القوميّة دائماً متقدّمة في تاريخ الحضور البشريّ للقوّة سواء أحملت تلك القوّة في جذورها مبدأ الحقّ أم لم تحمله أيضاً. و فكرة القوميّة (الهويّة) ليست علاجاً ظرفيّاً لطوارئ اجتماعيّة و بشريّة و سياسيّة لتكون كما توحي به تأريخيّات الحداثة في القرن الثّامن عش الميلاديّ و ما تلاه، و إنّما هي من المبادئ الأولى الأكثر ثباتاً و رسوخاً في تاريخ وجود البشر أنفسهم عصياناً على الزّوال. و ربط “الضّرورة” القوميّة (العربيّة و غيرها) بحداثات أخيرة سطّرتها أدبيّات السّياسة العابرة “لمواجهة الغرب الاستعماريّ”، إنّما هو ربط ضعيف و زائف في التّحليل المعمّق و الأخير. لم تنبع أهمّيّة الفكرة “القوميّة” الوجوديّة في إطار التّشبّث بالهويّة و الكينونة من مفاهيم استناجيّة و مجازيّة كالحرّيّة و غيها كا ذهب و يذهب البعض اليوم، بل كانت منبعاً أوّليّاً و واقعيّاً في الممارسة التي تُفضي إلى الشّعور بالذّات التي تنظر إلى نفسها بتفوّق ما يكمن وراءه الشّعور بالحاجة و المسؤوليّة و الفهم المحدّد على أحد الأوجه لجذر الحقّ. إنّ ربط الهويّة و القوميّة كمفاهيم بالضّرورات الوجوديّة هو ليس وليداً للأزمات الحضاريّة بقدر ما هو صيغة أولى و أوّليّة من صيغ الوجود العابر للتّواضع و الثّقافة و الرّغبة و الاتّفاق. و وضع فكرة الوجود بما هو هويّة، هكذا، في خانات الاتّفاق و الضّرورات الظّرفيّة يلغي من حيث البمبدأ مبدئيّة الوجود نفسه بالذّات؛ هذا و لا يُظنّ، على الأغلب، أنّ ثمّة عقلاً أو فكراً يختار بذاته مبدأ نفيه إن لم يقبع خلفه أحد دوافع التّحلّل و المؤامرة و التّعمية و الخذلان.
    15▪︎ يرتبط الفكر القوميّ بما هو مبدأ للوجود الحضاريّ إلى درجة عضويّة و مباشرة بفكرة المواطنة بالتّحديد. و كما قلنا فإنّ فكرة المواطنة الأولى ، و قبل أن تُلحق بالفكرة القوميّة نفسها ، كانت قد قامت على أساس الكوزموبوليتيّة - العالميّة كإحدى دعامات و مسوّغات إلحاق “الآخر” بوجود الأقوى ( بغضّ النّظر عن “حقّ” هذا “الوجود” ) ، و هي قد أخذت لها في الإطار نفسه في ما يلي من التّاريخ صيغة الوجود الحضاريّ الذي أسبغ القيمة الوجوديّة الشّاملة على فكرة العيش ، التي وصلت إلى مصافّ التّعلّل بالألوهيّة أحياناً أو إلى ما يُقارب هذا الادّعاء.
    هذا هو التّاريخ المعروف ما يزال شاخصاً أمامنا يتحدّى التّجاهل و التّناسي و الذي لا يُستثنى منه وجود واحد لحضارة أو لثقافة من الثّقافات. و الأمر على هذا الأساس لا يحتاج إلى أيّ نوع من “التّحليل” التّثاقفيّ الذي هو ليس سوى محاولات شتّى لتمرير نزعات ثقافيّة معاصرة ، و في حديثنا هنا تأخذ هذه “النّزعات” صفات و قشورا جديدة إقليميّة و دوليّة على شكل بؤرٍ للصّراع و المنازعات ، و التي لا تنتمي في المرجعيّة التّاريخيّة إلى سيرورات الأشياء.
    و تكاد اليوم هذه النّزعات تأخذ لها شكلاً واحداً من بين جميع الأشكال المحتملة أو المتصّنَّعة للمراجعات الثّقافيّة السّياسيّة في إطار التّبشير ، و هو شكل حقن الفكرة التّواطئيّة و الانتهازيّة و المشبوهة في جسد الطّبيعة المباشرة للوجود التّاريخيّ الذي يُناضل بطبيعته موضوعيّاً ، و لو قصّرت عن ذلك المروءات و الهمم و المشاريع ، أو ادّعتْ ، بعضها ، ما هو من خارج الأصل الثّابت لوجه المكان.
    16▪︎ و على ذلك و في السّياق نفسه فإنّ علينا أن نتجاوز هذه النّغمة المعروفة حول أنّ “ الفكر القوميّ” هو موروث “غربيّ” . هذه تعليمات و تعاليم تلاميذ المدارس في الصّفوف الأولى لقراءة التّاريخ على عجل بما فيه مقدّماته المصدّرة إلينا في ظروف و أحوال مبهمة ، و التي تريد بنا إلحاقنا بفتات الحداثة المزيّفة.
    هذا هو الخداع الحقيقيّ و الانخداع بالمحفوظات التي هيمنت على عقولنا طيلة القرن العشرين الميلاديّ الذي ولّى بكامل ثقافاته الهابطة.

    إنّ الفكرة التي تقول إنّ “الفكر القوميّ” هو ثمرة “الحقبة الصّناعيّة” الأوربيّة ، إنّما هي فكرة تضليليّة نشأت بالأصل لكي تقول لنا ، هنا في بلاد التّخلّف الصّناعيّ ، إنّكم غير مؤهّلين لصياغة حداثتكم القوميّة - بما فيها من وعي فطريّ للوجود و مقاومة الزّوال - و إنّ عليكم أن تكونوا مُلحقين بأفكار و مشاريع الغرب الأوربيّ و الإمبرياليّ المعاصر بكلّ أفكاره هذه التي تجد لها مناصرين عن وعي حينا و عن غير وعي أحيانا ، و قد حقّقت اليوم بالتّخلّي مقدّماتها الأولى كما في جوهر ما نعترض عليه بالدّليل العقليّ من ثقافات أقلّ ما يُقال فيها إنّها تضليليّة و مضلَّلةٍ و مُضلِّلة!

    ● غدا: الحلقة الثالثة والأخيرة " 3 من 3 "

    أمميّة، إنسانيّة، وطنيّة، قوميّة، و أديان.. وتوضيح لبعض الالتباسات- 1 من 3

    عدد الزيارات
    16253704

    Please publish modules in offcanvas position.