أمميّة، إنسانيّة، وطنيّة، قوميّة، و أديان.. وتوضيح لبعض الالتباسات- 1 من 3

[ أين تختبئ الحقائق وراء الكلمات و الأفكار و المشاريع و السّياسات المحلّيّة و الإقليميّة ، و المحاولات..؟ ]أ بهجت سليمان في دمشق
كتب د. بهجت سليمان:

1▪︎ إذا كان أخطر ما في السّياسة هو غياب الواقع عن الفكر ، أو تغييبه التّضليليّ المفتعل و المقصود ؛ و إذا كانت الأفكار السّياسيّة و البرامج و النّظريّات و المناهج الفلسفيّة السّياسيّة أكثر من أن تُحصى ، فهذا لا يعني أنّ كلّ من خاض غمار السّياسة أو اشتغل في السّياسة قد صار مبدءاً أو قدوة ، بالتّفكير أو الممارسة ، للآخرين.
هنالك أيضاً في السّياسة خطٌّ فاصلٌ و غير دقيق.. ما بين اليقين و التّقدير ، من جهة ؛ و الاقتراح و الرّغبة و ما تنطوي عليه من دوافع و أسرا و مجاهيل غير آمنة ، من جهة أخرى.
2▪︎ من الملاحظ في طروحات كثيرين من المشتغلين بالسّياسة و الفكر السّياسيّ و العمل السّياسيّ ، هوّة كبيرة جدّاً بين الجدّيّة و الغواية و هذا إن لم نقل أكثر من ذلك ، و أي بين الجدّ و الهزل بما ينطوي عليه الهزل ، في هذه المناسبة، من رأي أو موقف سياسيّ لا يصلح أن يشكّل مَكراً سياسيّاً تحتاجه السّياسات في منعطفاتها الخطيرة و الحادّة تلك التي يتوقّف عليها مسار أو مسارات طويلة و استراتيجيّة و مؤثّرة في حياة الدّول و المجتمعات و الشّعوب.
و يتجاهلون بذلك العقول المجرّبة في النّظريّة و التّطبيق ،و في النّهوض بالواجبات و المسؤوليّات ، و هو ما يجعل طروحاتهم تتعارض مع العقول الأخرى المنهمكة فنّ الاحتراف في السّياسات التي تلقي عليها الواجبات مسؤوليّات وطنيّة و قوميّة و إنسانيّة واسعة الأفق تتعارض مع كلّ فكرة أو أفكار احتفاليّة أو مهرجانيّة تتْبعُ الظّروف العابرة و المفاجآت ، هذا و لو بدا على تلك الظّروف ملامح الواقعيّة المزيّفة التي تتيحها فوارقُ مستويات الرّؤية و الحكم و التّقرير و القرار.
3▪︎ و تطرح أمامنا أحداث تداعيات الحرب السّوريّة مشكلات متكررة بأوضاع و أشكال ربّما غير متشابهة ، و لكنّها مطروقة الأطر في الأقلّ ، و هو أمر لا يمنعنا من إعادة النّظر فيها باستمرار ، و هذا بكلّ تأكيد باستثناء أن تكون تلك التّحوّلات و التّحويرات المشهديّة السّياسيّة ممّا لا يحتمل التّبديل و لا التّغيير.
و لا يعني هذا الكلام تعنّتاً أو تعصّباً أو تشنّجاً أو أدلجة ذاتية و ديماغوجيا و ما إلى ذلك من اتّهامات.. و إنّما هو فقط من باب التّذكير و التّأكيد على أنّ ثمّة من الأشياء ما لا يصح أن يحمل إسمين في وقت واحد ، و من هذه الأشياء، بالطّبع و التّجربة التّاريخيّة العالميّة و الخبرة السّياسيّة الحيّة ، ما هو لا يستقيم عالمنا اليوم إلّا بها و هي فوق الثّوابت السّياسيّة من جهة أنّها من طبيعة الواقع العالميّ الذي تعمل السّياسات على إنجازه منذ أكثر من ألف سنة بكثير ، كالوطنيّة و القوميّة ، و أعني منذ سقوط ( روما ) الفعليّ في القرن الخامس و السّادس الميلاديين ، و بداية صراعات الثّقافات الدّينيّة العالميّة ، المسيحيّة و الإسلام ، و اليهوديّة بطبيعة الحال ، بالإضافة إلى ديانات الشّرق الأقصى التي بقيت نسبيّاً بمنأى عن المواجهات العالميّة المباشرة ، مع العلم أنّ موجات اجتياحات شعوب آسيا الوسطى و الشّرقيّة نحو الغرب منها ، لا يخرج بحال عن كونه وعياً مجتمعيّاً و جماعيّاً منسجماً و مكثّفاً أدّى بالأدوات إلى التّوسّع بالتّحدّي و المغامرات و الحاجات و الوقايات.. و هو ممّا لا يُمكن تصنيفه كتعصّب عرقيّ أو قوميّ.
إنّ وعي الذّات نفسها في إطار الاجتماع لا يمكن أن يُنجز إلّا عبر “الهويّة” المجتمعيّة و الثّقافيّة و الوطنيّة المحترمة و المرهوبة ، بل و حتّى القوميّة ، و التي هي لا تعني و لا بحال إنّها هويّة عرقيّة تستوجب الشّجب و التّأنيب.


4▪︎ في هذا الإطار فقط يمكن لنا أن نستوعب أحداث منطقتنا اليوم ، و فيه فقط يمكننا فهم ما يبدو على أنّه تطوّرات و تغيّرات و “حداثات”.. و هو ما يجعلنا ندرك في السّياسة و نتفهّم مشاريع “الآخرين” من الدّول العالميّة الكبرى ، و الدّول الإقليميّة الوازنة ، و من الجماعات الكبيرة نسبيا أيضاً كالأكراد.
لا يتناقضُ الأكراد السّوريّون كثيرا ، في ما بينهم كثيراً من حيث سقوف مشاريعهم ، و بهذا فهم متّصلون في الإقليم بوشائج صريحة و معروفة أو خفيّة و مؤجّلة ؛ و لعل أدوارهم “المتباينة” في ظاهر الأمر تجعل منهم ظاهرة تجريبيّة انفعاليّة في التّاريخ المعاصر المعروف في سورية و العراق بخاصّة ، فيما يبدو أنّ التّفاوتات التي تحاول أن تميّز الهويّات الجغرافيّة السّياسيّة الكرديّة هي ليست أكثر من تنويعات “وطنيّة” ، بمقتضى ظروف حال الدّول التي يتوازعون العيش فيها إلى جانب المجتمعات المحلّيّة الأصيلة لهذه الدّول و الأوطان.
5▪︎ و على أنّ ارتهاناتهم الأخيرة في “قسد” هي أكثر من تجربة دوليّة في أيدي “دول عظمى” أو “كبرى” ، و أقلّ من “حركة تحرّر” بكثير لانتفاء المعايير و الأسباب في إطار ظروف التّحرّك السّياسيّ المتزامن مع محاولات تفتيت الجغرافيا السّوريّة لأهداف تتناقض أو تتنوّع فيما بين الطّامحين.. و الطّامعين ، بحسب “المشروع” الذي يميّز هذا الجانب أو ذاك من الخلفيّات السّياسيّة التي تشكّل الدّوافع و الضّمائر ، التي تكمن وراء إذكاءات “الثّورة” و “التّمرّد” و “الانقلاب” ؛ فإنّ “تسويقهم” السّياسيّ هو الآخر لا يُخفي “تطوّراته” و “انتقالاته” من خندق إلى آخر ، على إيقاع وقوعه ( التّسويق ) في فخّ الاعتقال الفكريّ السّياسيّ ، الذي ينسف صيغة وراء صيغة من صيغ التّهوّر في السّعي خلف أوهام العبث و محاولات العبث بالفكرة الأساسيّة المتوفّرة في جوهر “المقاومة” السّياسيّة “الموضوعيّة” في سورية و “المنطقة” ، و التي تحفّز ديمومة الحرب الشّاسعة و الشّاملة و الصّبر و تحمّل كلّ ما هو معروض علناً من مآسٍ ، و التي هي بالتّالي “مقاومة” غير اختياريّة بالكامل أو بالمطلق ؛ ذلك لأنّ طاقات الجغرافيا و الاجتماع و التّاريخ لا يُمكنها أن تتحمّل صبراً على غوايات و هوايات المجدّدين و المبشّرين المعاصرين.

6▪︎ و من باب التّبشيريّات الجديدة ليس إلّا هذا الظّاهر من تطوّرات الحثّ على الإقلاع عن “الهويّة” الوطنيّة و القوميّة و الاندماج في تجريبيّات جديدة ، بعد أن أخفق التّرويج لسابقات لها كالهويّة الجامعة و ما إليها.. و هو بالضّبط ما يشكّل المناسبة الأخيرة من الاستثمار في “المشروع”.
هنا يُباشر ذاته سؤال : ترى ما هو هدف ( أوجلان ) نفسه من “تطوير” فكرة قديمة في التّحزّب و تبديلها بواسطة التّموقع إلى أمام تقاليده الحزبيّة و السّياسيّة المعروفة ، و تغيير صيغة الدّعوة إلى “النّضال” في سبيل “كومونترن” شعوبيّ.. في المنطقة ؟
بل و ما هو السّبب أو الأسباب الظّرفيّة وراء هذه الدّعوة ؟ و أين تصبّ ؟
و بعد ماذا من الظّروف المحتقنة و العنيدة و المعنّدة جاءت دعوته تلك ؟
و هل هذا يعني فعلاً تخلّياً عن “النّضال” في سبيل “الهويّة” ؟ و أكثر من كلّ ذلك ، فهل تشكّل هذه “الدّعوة” المشغولة بتواشجات يُمكن تقديرها حيث تغيب المعلومات.. ما بين قوى و دول و أطراف إقليميّة و دوليّة في الوقت نفسه ، لا تخفى على عاقل في التّحليل ، ما يُعتبر نموذجاً عمليّاً و صادقاً و واقعيّاً لآفاق تقدّم و تحرّر و انعتاق شعوب كثيرة في “المنطقة” ، ربّما تتقاطع في المَصاب العالميّ مع “الشّعب الكرديّ” و ربّما من حقّها أن تتجاوزه في ذلك و مقتضياته هو على وجه التّحديد؟
7▪︎ و إذا كانت شعوب منطقتنا المشرقيّة كلّها ، و ليس على الأخصّ “الشّعب الكرديّ” ، مع تباينات الحقوق و الواجبات.. تخضع لاضطهاد تاريخيّ من نافل القول الدّخول في إثباته ، فإنّ تناول المشكلات القائمة في وجه الجميع لا يكون سليماً ، بالاستغناء عن “الهويّة” أيّاً كانت وطنيّة أو قوميّة أو دينيّة ، ذلك ببساطة لأنّ “الهويّة” هي الوجود.
و أما ما لم يصل بعدُ إلى أذهان “المبشّرين” الجدد..فهو أمر أنّ الذّكاء نفسه إنّما هو درجات و حالات و أحوال ، و من غير المناسب أن يحسم أحد أنّه فوق الجميع في الذّكاء.. ما لم يكنْ مدفوعاً بالفعل بمشروع هو غريب عنه و لكنّه اختاره في الاشتغال ، حاله في ذلك حال من يرى نفسه دائما على صواب ، بما يؤدي به أحيانا إلى أخطاء تقود إلى خطايا .

8▪︎ من الطّبيعيّ أن تبطُلَ “الخطابة” عندما يبدأ “الفكر” بالتّحليل و النّظر. و كيل الاتّهامات لمشروع الهويّة الوطنيّة و القوميّة و الدّينيّة ، مع ما فيه من “مستجدّات” سريعة و مستعجلة في أحد جوانبه ، لا يجب و لا يُمكن أن يُشكّل إحراجاً فلسفيّاً ل “خطاب” الفكر السّياسيّ ، في الوقت الذي تُحيلنا فيه الذّاكرة المديدة إلى أنّه ما من حضارة حيّة كانت في الماضي أو هي دائمة اليومّ قد قامت على غير مشوع “الهويّة” ، بما فيها تلك التي ادّعتْ لها “خطاباً” عالميّاً في إهاب حكومة “إنسانيّة” ، و هي على كلّ حال “حضارات” معروفة جيّداً للقرّاء و الهواة و ليست مقصورة للمنقّبين فقط .
و أمامنا سجلّ حافل من تلك “الحكومات” من تلك الحكومات البشريّة - الإلهيّة في الصّين و الهند القديمتين إلى حاكميّة فارس إلى الحكومة اليهوديّة فاليونانيّة ثمّ روما إلى حكومة الإسلام العالميّة ، و نهاية بالإمبراطويّات الأوربيّة الحديثة و حكومة العولمة الأميركيّة التي نحن اليوم شهداء على تطوراتها الكبرى . لم تدعُ واحدة من تلك الحضارات إلى “شعوبيّة” بقدر ما دعت إلى “كوزموبوليتيّة” مبدأها هو حمل “الأمّة” الواحدة الحضارة إلى سائر الأمم و الشّعوب الأخرى و “توحيد العالم” وراء فكرة “الهويّة الأمّ”.

● غدا : الحلقة الثانية " 2 من 3 "
عدد الزيارات
16177702

Please publish modules in offcanvas position.