لا أستطيع التنفس

    العبارة التي تكررت على لسان جورج فلويد، وهو يستغيث في اللحظات الأخيرة قبل موته، خنقاً تحت ركبة الشرطي الأبيض، غدت شعاراً للاحتجاجات التي تعم كافة الولايات والمدن الأمريكية. كأن القطاعات الأوسع في لا يتوفر وصف للصورة.المجتمع تكاد تصرخ: لم نعد نستطيع التنفس بسبب السياسات الحمقاء التي تدار بها البلاد، لا على صعيد التفرقة العنصرية ضد الأمريكان من أصول إفريقية فحسب، وإنما في طريقة التعامل مع الجائحة القاتلة: «كوفيد- 19»، وما نجم عنها من تداعيات، لا لجهة عدد المصابين والموتى فحسب، وإنما أيضاً لجهة ملايين الناس الذين فقدوا وظائفهم، وكان جورج فويلد أحدهم، وفي ذلك دلالة.
    أمريكا لا تستطيع التنفس، وهي على أبواب استحقاق انتخابي وشيك يتنافس فيه على منصب الرئاسة رجلان لا يبدو أي منهما قادراً على إخراج البلاد من مأزقها الذي لم تعرف له مثيلاً منذ أكثر من نصف قرن على الأقل. مرشح ديمقراطي عجوز دفعت به مؤسسات حزبه العميقة لتقصي منافسه بيرني ساندرز الذي يملك، بالفعل، رؤية مختلفة تشكل بديلاً قد يساعد البلد على أن يتنفس من جديد، ومرشح جمهوري هو الرئيس الحالي الذي يتصرف بذهنية الواثق من كسب السباق القادم، مستفيداً من الانقسام الراهن، الذي يتفنن كل يوم في تسعيره بكل خفة واستهتار.
    المسألة بالنسبة لترامب واضحة، فهو يتصرف بذهنية رئيس لجزء من الأمريكان وليس لهم كلهم، وهو يريد أن يستمر في تقديم نفسه بهذه الطريقة، لأنه يجدها رافعته إلى الفوز في الانتخابات القادمة. إنه غير معني برأب الصدع في بلده، ومعالجة الانقسام في مجتمعه، وإنما بأن يفوز في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ليبقى في البيت الأبيض أربع سنوات أخرى، ولسان حاله يكاد يقول: «ليذهب كل هؤلاء إلى الجحيم».
    ليس ترامب من اخترع العنصرية في أمريكا. إنها آفة متأصلة في بنيتها السياسية الاجتماعية، لكن ما من رئيس عبر عنها بكل هذه العنجهية والسوقية كما يفعل هو. كأنه يقول: «نريد أمريكا بيضاء، لا مكان فيها للسود ولا للملونين».
    جاء «كورونا» ليري العالم كله، وأمريكا نفسها، تجليات العنصرية في الحياة. المقتدرون وأغلبيتهم من البيض تحولوا إلى العمل من منازلهم متقاضين رواتبهم كاملة. أما من هم من أصول إفريقية أو لاتينية وسواهم، والكثيرون منهم بلا تأمين صحي، فكانت النسبة الأكبر من الإصابات والوفيات من نصيهم، فيما الملايين منهم باتوا بلا وظائف.
    الفيروس الذي لا نراه، أرانا فيما أرانا، زيف الأحلام في «أرض الأحلام».

     
    حسن مدن
    الخليج
    عدد الزيارات
    14290015

    Please publish modules in offcanvas position.