نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي

من الصعوبة بمكان أن تحاور شخصاً لا تعرفه.. لا تعرف ملامحه، لكنة صوته.. حتّى أنّك تجهل اسمه الحقيقي و طبيعة عمله و عمره.. الخ..

ومن الصعوبة أيضا أن تتعامل مع هذا التناقض الغريب والأليف معاً.. إذ أنت تجهله عياناً، بيد أنّك تعرفه بحدسك و إحساسك و (ربما) أفكارك، ففي داخلك تعرفه كل المعرفة.. أتراه يساهم في تشكيل ضميرنا و تكويننا المعرفي الراهن؟ ربما.

"نارام سرحون" ليس قائداً سياسياً ولا منظراً لحزب.. لبس ألفريد هيتشكوك، كي يدير مسرحاً للإثارة.. وهو ليس محرراً لدى الجزيرة، كي يبث الأوهام.

هو من يفكك الحدث.. يعمل كخبير متفجرات.. كطبيب شرعي يبحث عن الأدلة والبراهين.. يفتش، يقرأ، يجري اتصالاته ويعود لمكتبه.. يجمع ويحلل بحياد وعلمية لينتج من المعطيات مقالاً يؤثر ايجاباً بالرأي العام.

دخلنا وشربنا من قهوته.. فكان لنا معه هذا االحوار:

نارام سرجون لفينكس:

-صفحتي مجرد محاولة لتوزيع الكمامات ضد هذه الغازات السامة والجراثيم التي تنشرها قاذفات السموم، وهي مثل جرعات اليود التي توزع على الجمهور للتقليل من خطر الاشعاعات الذرية

-أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية لأنني لا أبيع كتاباتي ولا مقالاتي بأي ذهب

حاورته: حنان حمود- فينكس

السؤال الاول:

نارام سرجون هل هو فكرة هي ناتجة عن موقف ما في مكان ما؟ أم تراه فكرة ابنة ظروف سياسية هوجاء؟

الجواب:

قصة الاسم تشبه قصصنا اليومية عندما يولد مولود يحار الابوان في اختيار اسم له وهما يريدان لهذا المولد ان يكون له من اسمه نصيب ولكنه يحمل شيئا منهما ومن أفكارهما أيضا.. فتجدين المسلم يعبّد الاسم (عبدالله.. عبد المعين) او يحمّده.. والمسيحي يعطيه ابعادا انجيلية.. اما الشيوعي فيقرر ان يضع كل الديالكتيك في اسم مولوده، فيما البدوي يختار من البيئة اسما فاذا ولد في الشتاء يسميه (شتيوي) واذا ولد في ايام مرة يسميه (مرار أو مرّة).. وهكذا.. أيضا عند الشعوب الاخرى التي لا تجد في المولود مجرد حامل للجينات والنوع والعرق بل أيضا حاملا للمفاهيم والامال والمهام.

وفي بلادنا مثلا نجد ان أسماء مثل كفاح ونضال وجهاد ووو.. أسماء شاعت في مرحلة الستينات حيث إحدى ذرى الصراع  مع العدو.

لكن الأسماء ايضا تختار ميلادا اسطوريا أحيانا.. فكما تولد الأساطير فجأة ومن غير مؤلف أو كاتب وفيها الابطال والأهوال وتشرب الغضب فإن الأسماء كذلك.. كما حدث مع الشاعر السوري أدونيس الذي نتيجة احباط شعري قرر أن يتقمص شخصية أدونيس الذي يطعنه خنزير بري بأنيابه.

عندما كتبت أول مقالة في الحرب السورية كنت أنجزت المقال الثائر الغاضب.. ولكنني وضعت القلم عندما انتهيت وكأنني اب سيختار لابنه اسماً.. ففي تلك اللحظة خرج كائن آخر مني وانفصل عن سلطتي ونظرت اليه فإذا به يشبهني ولكنه الجزء الغاضب مني.. وبدت لي أصعب مهمة على الاطلاق أن اطلق اسما على ذلك الكائن الاسطوري الذي كتب مقالا يتحدى فيه الدنيا.. ماذا اسمي هذا الشخص الذي خرج مني الآن غاضبا وثائرا؟

هل أعطيه اسمي الحقيقي الذي لايعبر عنه بعد اليوم.. فأنا والكاتب صرنا شخصين مختلفين.. أنا هادئ وديبلوماسي وهو ثائرغاضب يريد أن يمزق الأوراق ويحطم كل قواميس الديبلوماسية ويريد ان يرتدي ثياب العسكر الخشنة والحرب وليس الياقات البيضاء والثياب الرقيقة الحريرية.. فهو في فخ الربيع العربي مثل قطيع من الظباء التي سقطت في فخ الصيادين.. انه امام جمهور هائج متصارع أو تائه خائف.. وكلا الجمهورين لاشيء سيقدرعلى التعامل معه سوى ذلك الثائر الغاضب.. فالجمهور الهائج سيرى ان هناك غضبا رزينا لايقبل الهياج وسيحمل سوطه بيده.. وأما الجمهور التائه الحائر فأنه يريد ان يسمع من يقويه ويهدئ من روعه ويصارحه دون أن يغشه عن الكارثة التي ستقوده الى الموت اذا لم يتصرف بهدوء .

ثم ان  معرفة الكاتب وملامحه وطوله ولون شعره وعينيه ليست هي المشكلة في الكتابة.. لأن هناك نوعا من القراء تطور بفعل المناخ السياسي والايديولوجي والديني والاقتصادي للبشر.. فلم يعد الكاتب للقارئ مجرد كاتب بل هو حامل لمهمة في صراع ما وهو حتما في معسكر ما.. فتراه يصنف الكاتب الى شيوعي ماركسي أو امبريالي أو رجعي او ملحد او مؤمن تقي او كافر زنديق لاحيّاه الله.. ولذلك فإنه سلفا يحكم على الكاتب.. وسلفا يختار من سيقرأ وماذا سيقرأ.. ومن سيرفض ومن لن يوافق على آرائه بالمطلق.. العبقرية هي معرفة سر القارئ وكيف يقرأ.. وهل يقرأ بعينيه أم بأذنيه أم بقلبه؟ أم أنه يقرأ كالأعمى بعيون ليست له.

وإنا قررت أن أضع القارئ أمام حيرة الهوية.. هويته وهويتي.. فكي تحدد الصراع يجب ان تحدد الهويات.. والقارئ سيجد فيّ هوية مثل اللغز.. وينظر الى وجهي فلا يرى أية ملامح لأنه وجه مقنّع.. ويدور حولي حائرا كما يدور حول قلعة بجدران عالية بلا أعلام ولا رايات كي يعرف هويتي ويقرر سلفا ان كان سيقرأ ام لا.. هل أنا كافر أم مؤمن.. مسلم ام مسيحي.. رافضي أم من النواصب.. ملحد أم مؤمن.. عربي أم غير عربي.. وهكذا.. وهذا اول تحدّ يجعل القارئ يخسرسلاحه الفردي ورشاش البي كي سي الذي يريد به ان يفصل بين الكتاب ويميزهم مثلما يمارس العنصريون التمييز العنصري ونظام الابارتهايد.. فالقارئ تحول الى عنصري أيضا ضد الكتّاب.. لايستمع ولايقرأ الا لمن يدغدغ له عواطفه ويغني له أغانيه ومواويله.. بل يقف على الحواجز ويفتش المقالات التي تمر مثل اي عنصر ميليشيا مسلح ويطلب من كتابها الهويات.. ومن لاتعجبه هويته تكون نهايته بالساطور ونهاية مقالته قبل ان يحقق معها

هويتي الغامضة ولون افكاري - وليس لون بشرتي وعيوني - كانت هي الرافعة لما أكتب.. أنا أردت استدراج القارئ الذي يرفض ان يقرأ الا لحزبه ومعسكره الى أرضي.. ووضعته وجها لوجه أمام الفكرة.. هو وكل أسلحته في مواجهة الفكرة التي قد لاتروق له.. ولكنه بمجرد أن جاء الى أرضي.. فان هذا يعني أننا بدأنا نتفاوض ونتحاور ولو بصوت عال ولو بعراك الأيدي.. ومن هنا تنشأ فكرة التقاطع حتى مع الخصم.. والخصم هنا غالبا هو ابن بلدي الغاضب والمشوش والمغرر به أو الذي صدق الوسواس الخناس.. وأنا كانت مهمتي هي ان اتحاور معه دون أي سلاح .

هنا تقدمت اللغة العفوية المشبعة بالصور العفوية والمفردات لتحمل هذه الرغبة في أن اتواصل مع الجميع.. لان المشرقي يحب بفطرته الكلمة المصاغة بعناية والمشغولة وهي تجتذبه كما اللحن البديع.. وهو الذي بهره القرآن وقال ان به لحلاوة وان عليه لطلاوة.. ولكن لن نكتب القرآن بل سنكتب بماء الورد وورق النعناع وحب الرمان.. ونرسم بالالوان.. ونمرر شحنات كهربائية ناعمة بين الكلمات.. وأنا كنت أدرك ان من أكتب لهم هم المتعلمون وليس الاميين أو اولئك الجهلة القادمين على متون الجياد والابل والبغال من بين ثنايا القرن السابع الميلادي.. وكنت سعيدا أن من قرأني كانوا يستمتعون ويتلذذون ويفكرون بما كنت أقول.. والافكار هي التي تقرر مزاج الناس وميولهم وقناعاتهم، وهي التي استهدفت كثيرا في الاعلام المعادي وتم التركيز عليها ومخاطبتها لأنها حيث تميل تميل كفة المعركة.

لعل من أجمل التعليقات التي قرأتها والتي تؤشر لنجاح غايتي كانت عن قارئ حار في هويتي فالتقى شخصا في الصباح أكد له ان نارام هو مفتي الجمهورية الشيخ احمد بدر الدين حسون.. وفي المساء التقى صديقا آخر فأكد له ان نارام هو راهبة مسيحية سورية.. وهذا مامثل ذروة النجاح عندما يصبح الشخص الغامض مفتيا مسلما وراهبة مسيحية في آن معا.. رجلا وامرأة.. وهذا يدل على ان الكاتب تحول الى رمز عابر وكتاباته صارت عابرة لكل الحدود وتقدر ان تلبس أي قميص.

السؤال الثاني:

مع بالغ الاحترام لجوابكم، لكن، و رجاء باختصار شديد: هل سيأتي يوم يكشف فيه نارام سرجون عن اسمه الذي أطلقه عليه والداه و طبيعة عمله؟

الجواب:

 طبعا.. هذا أولاً دين في عنقي.. ووعد قطعته للناس منذ أن تساءلوا.. لأن هذا حقهم في النهاية.. فأنا لست من كتاب ألف ليلة وليلة الذين لم يعرفهم أحد.. أنا حقيقي ومـــــوجود.. و احجامي عن كشف الشخصية سببه أن مهمتي ككاتب ومحرّض لم تنته بعد في هذه المرحلة.. وأنا كذالك لاأجد متعة في هذا الغموض لأنني احس بصدق ان القناع أتعبني.. ولكن عندما أزيحه فسيكون قراري ان مهمتي انتهت وان دوري انتهى وأن دور غيري قد بدأ.. رغم أن القناع صارعزيزاً علي وجزءا من لحم وجهي، وسيكون انتزاعه مؤلما كما لو انني انزع لحم وجهي.. ولاأدري ان كنت سأفقد حريتي بعد ذلك حيث قد تلاحقني عيون الناس وفضولهم. 

السؤال الثالث:

هل الغموض حول شخصية نارام جعل منها اسطوره؟

الجواب:

لا أتفق في أنها اسطورة.. هذه مرحلة عابرة وستنتهي عندما تنتهي الحرب.. الأسطورة أبقى وأكثر أبدية.. الأسطورة هي ماصنعناه جميعا من تحد في حرب كانت خاسرة في كل المقاييس الدولية والعسكرية والتاريخية.. وأنا فعلا وبصدق لم أكن أخطط لشهرة.. ولم أكن مشغولا بالشهرة التي فاجأتني.. ولكن أدركت لاحقا ان الغموض ربما اضاف نوعا من السحر والفضول ولكنه لم يكن مقصودا.. ولكن هل كل غامض ومقنع قادر على ان يتحول الى ناجح اذا لم تتوفر لديه ادوات النجاح؟ هناك قصائد وكلمات وأمثال مشهورة لانعرف من قائلها ولكن غموض قائلها ليس السبب في شهرتها بل عمقها الدلالي وتفردها بجمال خاص بها.. وهناك معاليم كثيرون ولاتكاد الكاميرات تغيب عن وجوههم،  وأسماؤهم في كل المناسبات تتردد.. ولكن ماأن يغيبوا حتى يصبحوا نسينا منسيا وغبارا.. لانهم لم يتميزوا ولم يتمكنوا من أدوات التفوق والنجاح لأنه لم يكن لديهم اي موهبة.. وأرى ان قبول تفسير الشهرة بأنه ينسب للغموض يظلم العمالقة والكبار الذين لم يكونوا غامضين.. فهل احتاج المتنبي الى غموض او قرر الجواهري ان يختبئ تحت قبعته الشهيرة ليصبح شاعرا عملاقا؟

السؤال الرابع:

في مقال سابق كتبت عن المال الخليجي وأثره على المزاج العام للثقافة العربية،هل حاول المال الخليجي استدراجك إلى صفوفة؟

الجواب:

المال كي يصطاد الناس لايقول لهم فورا انني أقدّم لكم رشوة، وخاصة لمن يصنعون الرأي ويحملون مشروعا فكريا، بل يدعوهم ويقابلهم ويستضيفهم ويفهم في جلسات الحوار والنقاش ماذا يريد الشخص المستهدف، و أين نقاط ضعفه وكم ثمنه.. ثم يعرص العروض المغرية المجزية التي هي عقود شراء و اسكات ورشى.. وعندما لايستجيب الهدف فانه يتعرض لحملة تشكيك وتشهير وتذويب بالقول انه عميل مخابرات أوعميل مزدوج أو ماسوني.. ولكن المال الخليجي كان يجب ان يعرف من اين يبدأ معي وهو لايعرفني كي يقرر الثمن وكي يتواصل معي.. ولذلك تجدين انه اختار الهجوم عليّ بطريقة مختلفة طالما ان الهدف غير مرئي وغير واضح كم سيكون ثمنه.. فهناك مقالات كثيرة ضد مقالاتي وهناك تقليد ونسخ لصفحتي تقول مالااقول كي يضيع الناس ويفقدوا البوصلة نحوي.. وهناك اشخاص يشتمون ببذاءة.

السؤال الخامس:

من يتابع مقالاتك من البدايات حتى الان يستشف انك تتعمد اخفاء الهوية الدينيه حيث تكتب أحياناً "أنا كمسلم" مثلا، ومرة اخرى تقول أنا المسيحي، فيما البعض يزعم (بل يؤكد) انك شيعي، أما المشككون فزعموا أنّك يهودي يلعب دور كوهين، تلم المعلومات، الشكاوي، و ترسلها لمراكز  أبحاث خارجيه، و تنشر الاخبار الصادقة حتى تصبح مصدراً موثوقاً، وفي الوقت المناسب تنشر الاكاذيب, و ما من شأنه احباط المواطن.. ما ردّك على ذلك؟

الجواب:

هذا سؤال يتكرر دوما وبأشكال مختلفة وهو محق في توجساته وقلقه.. ولكنني في حرب أرادها الخصم دينية وبدا يهاجمنا بسلاح فتاك.. فماذا تظنين اني فاعل بسلاحه؟.. سأجرده من سلاحه قطعا.. وهناك اعتبار مهم أيضا وهو اننا نعيش في مجتمع لايمكن ان تكون الهوية الدينية عاملا جامعا لأننا مختلفون في أديان ومذاهب وملل ونحل.. ويجب ان تصبح الهوية الدينية شأنا خاصا جدا لايتداوله الناس الا من باب التعارف بين أصدقاء قريبين جدا.. فهناك أمر يجب ان ندركه جميعا أن الحوار الديني بين ديانتين لم ينجح في توحيد الناس في اي تجربة ولم تجعلهم ينتقلون الى حل وسط اواختراع دين ثالث.. ماحصل دوما هو مجاملات وهدنات واستراحات قبل استئناف الصراع.. وهاأنت أمام كل محاولات الحوار الاسلامي المسيحي بين الغرب والشرق.. أين وصلنا؟ وصلنا الى عصر المتعصبين الانجيليين والمسيحيين الجدد الذين يحرقون ملايين العراقيين والفلسطينيين يقابلهم متعصبون مسلمون أنتجوا عقلية داعش والقاعدة مهما قلنا انهم صنيعة امريكا.. ولكن مجرد وجود هذا الاحتكاك العنيف بين الديانتين دليل على ان ابراز الهوية الدينية جعل الحوار فاشلا. 

بالطريقة نفسها ماذا أنتجت كل مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية؟ لاشيء سوى المجاملات والنفاق والاستراحات بين المذابح.. والنتيجة التي يجب ان نتوصل اليها هي ان نتوقف عن هذه المحاولات واضاعة الوقت، الا في نطاقها الاكاديمي والتعليمي النخبوي لأنه ليس علينا ان نقرب الاديان بل ان نفهمها بشكل متبادل ونعترف بها وخاصة في مرحلة التربية بحيث يدرس الطلاب مادة الاديان والمذاهب كي يتعرف كل فريق على الاخر مباشرة وليس عن طريق رجال الدين.. وهذا مايفعله الاوروبيون الذين يدرّسون مادة الاديان لطلبتهم منذ المراحل الاولى رغم انهم مجتمعات مسيحية .

الحقيقة أن كل محاولة للتقريب او الحوار تعني اننا امام مشكلة سياسية او منطقة اقتصادية ونفوذ قابلة للتفاوض ولسنا أمام مسألة عقائدية وروحية لايمكن ان تتزحزح.. الاديان تاريخيا تنفصل وتتفرع وتتباعد فروعها ولم أسمع بأي دينين التقيا بعد خلاف ووصلا الى انهاء الخلاف العقائدي.. انه حوار بين مخلوقات البحر ومخلوقات اليابسة.. أحدهم يتنفس الهواء بالرئتين والآخر يتنفس بالغلاصم.. ونحن نريد ان نتحول جميعا الى برمائيات نتنفس تحت الماء وفوق الماء واليابسة.. وهذا محال.. وأنا ارى ان الاديان تتطور مثل المخلوقات وفق حاجة الانسان.. كما تطرح نظرية دارون في الارتقاء والتشكل.. فالاديان قديمة جدا.. منها الديانات الوثنية والابراهيمية والبوذية.. ولكن كل واحدة تتطور وتتشكل بذاتها وتتفرع من ذاتها.. ولكنها لاتلتحم  

هذه نظرة من فوق وأكاديمية ربما.. ولكن على مستوى العامة  فالحل هو تراجع الهويات الدينية الى الخلف كما حاول القوميون والشيوعيون العرب سواء في مصر او سورية او العراق وفكروا بالحلول محل الهوية الدينية التي كانت سائدة بسبب طول فترة الحكم الديني العثماني والتي صبغت كل أشكال النشاط الاجتماعي المشرقي بألوان الدين والخلافة وكان لابد من بدائل مقنعة فظهر القوميون واليساريون لازاحة الثقل الديني عن الهوية.. ولكن كما نلاحظ اليوم فان الهويات الدينية ابتلعت كل هذا الجهد والمحاولات لأن هناك عملية معالجة الهوية الدينية لم تكن ناجحة سواء بالمواجهة والافراط في العداء كما في تركيا الاتاتوركية او في المداراة كما في سورية والعراق.. والحقيقة ان القضية الدينية معقدة للغاية بحيث ان الماركسيين فشلوا ايضا رغم كل محاولاتهم تحييد الدين.. كان هناك دوما خلل في طريقة العلاج.

وكل اجتماعات التوفيق والتقريب لن تجدي نفعا طالما ان هناك هويات دينية علنية.. التقريب بين الاديان ينجح في حالة واحدة فقط هي عندما تصبح الهويات الدينية شأنا فرديا لاعلاقة للمجتمع به.. وتصبح الاشارة الى الهوية الدينية مثل الكلمة البذيئة يخجل منها الناس.. و أنا لاأملك سطوة على هذا المحيط الديني المتلاطم الامواج.. واذا كانت الوسيلة الوحيدة للبقاء حيا هي ان تعيش كالسمكة مثل كل الاسماك.. مجبر على ان تتنفس بالغلاصم ولاتملك رئتين.. فإنني لن أقبل وسأخرج من مرحلة البحر وملوحة البحر وأتخلص من الغلاصم وارتدي رئتين وأتنفس الهواء المنعش فوق اليابسة.. من يسكن الايديولوجيا الثيوقراطية فانه مخلوق بحري لايسمح له ان يتنفس الهواء.. وسيبقى لايعرف نعمة ومذاق الماء العذب.

هذه هي قصتي مع تعدد هوياتي الدينية.. أما أن يقول احد انني مندس وأعمل مثل الجواسيس كي يكسب ثقة الناس ومن ثم يغافلها بطعنة في الظهر.. فهذا تحليل ينطبق على عزمي بشارة مثلا وعلى الجزيرة وموظفيها.. أما ان نعتبر كل موقف وطني كمينا فهذا يعني ان نتهم كل الوطنيين السوريين بنفس الطريقة .. فكل وطني يمكن حسب هذه النظرية ان يكون جاسوسا يمثل دور العاشق لوطنه.. ولكن لماذا في ذروة الحرب لم انقلب ولم اتغير؟ وماذا أنتظر خاصة وانا لاأظهر في جسم الدولة السورية لأحسب عليها ويستفيد مني المتآمرون؟.. ولكن في هذه الحرب قدمنا عشرات آلاف الشهداء والابطال والجرحى والمفقودين.. ومع هذا تطوع عشرات الالاف في الجبهات.. فهل كان يصح ان نقول انهم كانوا يمثلون علينا الوطنية؟  ثم ان من يقرأني لايجب عليه ان يتبعني الى كل الدروب.. فإذا ماظهر له انني تغيرت فعليه ان يتركني ويختار طريقا آخر.. وانتم تعلمون ان جاسوسا مثل عزمي بشارة مثلا كان له معجبون كثيرون، ولكنه عندما ظهر جلد الثعبان الارقط عندما مال وحاد وتلوى كالثعبان.. أسقطه الناس واحتقروه وداسوه بأحذيتهم وهدموا كل مابناه فيهم.. حتى صار أنقاضا.. وانا عندما أتغير فليس على الناس الا ان تهدم كل مابنيته فيها.

السؤال السادس:

والبعض يتهمك بأنك إبن النظام وتعمل كمخدّر الاوجاع؟!

الجواب:

كلنا أبناء النظام اذا كان النظام وطنيا.. وكلنا خصومه اذا حاد عن وطنيته.. واذا كنت أخدر الاوجاع، فماذا كنت تريديني أن افعل؟ أنكأ الجراح؟.. او أرى الجراح و أتركها تتعفن ويغزوها الذباب والبعوض الذي يعشش في الجزيرة ومواقع الاخوان المسلمين؟.. الوطن والانسان كانا جريحين وكنت أضمد جراحهما وأنظفها وأعقمها بكتاباتي.. حبري كان كحولا.. وأوراقي قطع القطن والشاش.. ولكن أهم شيء فعلته هو أنني لم أكذب على الناس ولم ادغدغ احلامها و أحقنها بالمورفين.. الحقن بالمورفين يخفف الالم الى حين ولكن المريض سيعتاده ويصبح مدمنا ويموت من المورفين وجرعته العالية.

كل ماقلته كنت مؤمنا به جدا.. ولم يراودني في أية لحظة أننا سنخسر الحرب رغم اننا في مراحل ما كنا نعيش ظروفا عسكرية حرجة وموجعة..  فهناك حرب على كل الجغرافيا ومن كل الجغرافيا المحيطة.. وكان الحلم بالصمود مستحيلا لدى البعض.. والنصر ضربا من ضروب الجنون.. ولكني في داخلي كنت هادئا رغم غضبي.. وكنت كمن يرى الغد  يأتيني القلقون وهم يرتجفون واصواتهم تتهدج.. فيما أنا كنت اهدئهم واضع رجلا على رجل وافسر لهم الاشياء حتى انهم كانوا يصابون بالدهشة ويغادرونني وهم اكثر هدوءا مني. 

السؤال السابع:

عود على بدء.. هل كنت تتوقع ان تتحول الفكرة الى شخص له أعداء وخصوم وما الهدف من اخفاء هويتك الشخصيه؟.. وما ردك وكيف سيطمئن القارئ وانت ادرى بالحال العام ومن يحترق من الحليب ينفخ على اللبن؟

الجواب:

طبعا منذ اللحظة الاولى التي أطلقت فيها الرصاص كنت أنتظر الرصاص من الجهة المقابلة، بل والقصف بالمدفعية،  وتوقعت خصومة شرسة للغاية لان الطرف الآخر كان شرسا في كراهيته للرافضين له.. ولاحظت ان رد فعل الاخر اتسم بالمبالغة في الرد والعنف والرفض والتشكيك والاتهام.. لأن الطرف الاخر كان يحس انه مسموح له التحرك خارج الضوابط وفوق السقوف كي لايترك اي مجال لكلمة تعترضه.. ووصل الى حد الارهاب في الموقف.. والجريمة دون عقاب .

اذا كان هناك من لم يطمئن فإن الطمأنينة ليست حبة دواء أو حقنة في الوريد.. المصدر الوحيد للاطمئنان الى ما أكتب هو أن ينصّب القارئ نفسه قاضيا على كتاباتي، لا أن يكون متفرجا في قاعة المحكمة بلاقرار او مناديا على المتهمين، بل عليه ان يجلس بين هيئة المحلفين وفي كرسي القاضي تماماً.

السؤال الثامن:

عندما سألتك عن امكانية نشر مقالاتك من خلال جريدتنا قلت لي بالحرف: "في النهاية نحن لا نبيع مقالاتنا لبعضنا، بل نريد ان ننهض بمشروع".. هل ترى ان المثقف عندما امتهن الثقافة أنهى و أفسد دوره في المجتمع كما حل مع رجل الدين عندما امتهن الدين؟

الجواب:

هذه قضية مختلفة.. ولكني شخصيا لاأعتبر الثقافة مهنة رغم انها مهنة.. ورغم ان كل مثقفي العالم كتبوا لينالوا شهرة ومالا كما اي مهنة وصنعة.. أنا لاأحس ان القصيدة مثلا مهما كانت يمكن ان تباع.. فلم يكتب عنترة قصائده ليطبعها او  ليبيعها، وكذلك كل أصحاب المعلقات نالوا شرف تعليق القصائد على جدار الكعبة ولكن لم توجد جائزة لهم مثل جائزة نوبل في الأدب اليوم أو مثل جائزة العويس التي تشتري الشعراء.. ان الأدب عموما نشاط عقلي يسمو بالانسان ولايباع ولايكون مهنة بل شغفاً وحباً وميلاً.. وعندما يصبح المثقف يبيع انتاجه فإنه يخضع لشروط العرض والطلب في السوق الأدبي.. وهو كتاجر يبيع سلعة ويغير فيها لتناسب الطلب في السوق.. وهذا مايحصل مع المثقفين والصحفيين والاعلاميين الذين يستعملون ثقافتهم للعمل والتكسب.. ولكنهم يصبحون أسرى المهنة والراتب والمكافأة أو الطرد من العمل.. فكيف برب السماء سيكتب هذا المثقف رأيه كما يشاء وكيف سيسكب قصائده حرة ويصوغ الذهب الصافي دون ان يخلطه بالخسيس من المعادن؟ أنا أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية لأنني لا أبيع كتاباتي ولا مقالاتي بأي ذهب، وأذكر انني تلقيت عرضا لتقاضي أموال، ولكن قبلت مرة فقط لسبب واحد وهو أن أتبرع بثمنها كله الى أسر الشهداء والجرحى.. ومع ذلك لم أكمل الاتفاق.. فأنا أخشى جدا من الأسر والأقفاص والسلاسل.

وأجمل مافي سؤالك هو المقارنة بين تجربة الدين والثقافة.. فعندما صار الدين (بزنس) مربحا سقط وتحول الى سلعة لها سعرها وبورصتها.. فالشيخ القرضاوي هو الأعلى سعرا لأنه يفتي بالدم والقتل والابادة الجماعية والتعاون مع الناتو.. ويتلوه مفتو الوهابية الذين صاروا أقل قيمة لأنهم كثر ولأن عرضهم الفتاوي وتفصيلها وصل الى حد سخيف وحقير، فالمسجد الاقصى يباع للاسرائيليين بوصفة فتوى، أما مساجد الشيعة فتهدم، وكنائس المسيحيين العرب تدمّر ولايسمح ببنائها الا باستثناءات.. والدين هو لون من ألوان الثقافة.. وماحل بالتجربة الدينية هو ماسيحل بالتجربة الثقافية.. ومارأيناه من خذلان المثقفين في الربيع العربي ومابعده وصمتهم الرهيب بخصوص التطبيع مشين ومخجل ولكنه متوقع لأن الثقافة بيعت وصارت ملكا لمن اشتراها.. كما سبقها الدين الذي بيع في بورصة نيويورك الى جانب مؤشرات ناسداك وبرنت الخفيف وغيرها.. وهو أنواع.. دين ثقيل ودين خفيف.

السؤال التاسع:

يقال إن المثقف مرتهن لدى السياسي، برأيك هل أصبحت الثقافة مشروعاً سياسياً فقط، ولا تهتم بالشأن العام الا وفق مصالح و الاجندة السياسيه؟

الجواب:

 لاأقدران أقول هذا بالعموم.. ولكن علينا الاعتراف انه عبر التاريخ - وخاصة العربي - فإن الخط الفاصل بين السياسة والثقافة كان من الصعب ان يرسم.. وكانت الثقافة تعمل في بلاط السياسة وتقدم لها كل ماتحتاجه.. فالسياسة استغلت الثقافة.. رغم أن الثقافة هي روح الأمة.. والأمة هي الجسد الذي يحمل هذه الروح.. وعندما تصبح الروح خادمة للجسد تسقط وعندما يصبح الجسد خادما للروح فإنه يسمو.

السؤال العاشر:

تقول في مقالة سابقة ان القنبلة الثقافيه أشد فتكاً من القنبلة النووية.. هل تعتقد ان صفحتك والكتاب فيها صمام أمان، أم ربما يلعب البعض لعبة المتفجرات ولو كانت غير قاتلة لكن لها وظيفة ما؟

الجواب:

ماحدث في "الربيع العربي" وكل الثورات الملونة أكبر دليل على ذلك.. فتخريب الثقافة تسبب في خسائر بشرية ومادية لاتفعلها الا القنابل النووية.. عندما تنظرين الى أحياء حمص وحلب وريف دمشق وترين هذا الدمار الهائل، وعندما تحصين عدد الضحايا يصيبك الذهول.. فماذا ستفعل القنابل النووية أكثر من ذلك؟ دمار واسع شامل للبشر والحجر والندوب والغبار الذري والتشوهات الجنينية.. والحرب لدينا تركت تشوهات عابرة لأجيال، لأن الذين أصابتهم القنبلة النووية الثقافية او هذا القصف بالسموم الكيماوية الاعلامية والاخوانية تشوهوا روحيا ونقلوا التشوه الجيني لأبنائهم الذين أسمعهم في معسكرات اللجوء والمنافي يقولون مايحزنني، فهم مشوهون جدا في أرواحهم وضائعون جدا ولاأمل في نجاتهم للأسف. 

أما صفحتي، فهي مجرد محاولة لتوزيع الكمامات ضد هذه الغازات السامة والجراثيم التي تنشرها قاذفات السموم، وهي مثل جرعات اليود التي توزع على الجمهور للتقليل من خطر الاشعاعات الذرية.. الصفحة مهما حاولت فإنها ستبقى اقل أثرا من عمل الغرف الاعلامية السوداء.. رغم انها وصلت في مرحلة من المراحل ان عدد الزوار عبر المشاركين للمقالات وغير ذلك كان يصل الى مئات الآلاف.

اما ان البعض يلعب لعبة المتفجرات والدس والتسميم فإنني لاأظن ذلك لأن معظم من كتب حاول ان يكون وطنيا وكنت أجري مراجعات لكل مادة تنشر.. والبعض اعتذرت عن نشر مايرسل وبعض الكتاب الذين كانوا يكتبون لم أتفق معهم على نشر بعض المواد شديدة الوطنية لأنها من وجهة نظري كانت غير منصفة او غير متوازنة، واحيانا تثير اشكاليات خطرة سواء عن قصد او غير قصد.. وبعضهم غضب ووصفني بالعدواني وخرج ولم يعد.. وبعضهم عاتب.. وبعضهم تجادل معي بشأن حرية الرأي.. ولكنني كنت أعتذر فأكبر خطأ أن نفهم الرأي والرأي الآخر على انه اباحية للآراء.. وهذا هو الفخ الذي وقع فيه الجمهور العربي عندما صدق مكيدة الرأي والرأي الآخر في الجزيرة وتبين انها لتخدير الناس والتأثير عليهم نفسيا.. فعندما تتكرر النقاشات المحرمة تصبح مقبولة وتنتقل من المحرمات الى المباحات.. وهكذا صار الناس بعد مرحلة النقاشات القومية وقضية فلسطين يدخلون ليسمعوا وجهة نظر "جيش الدفاع الاسرائيلي" وقضية معاوية وعلي والسقيفة ونقاشات الطوائف والأديان.. ثم صار الاسرائيليون جزءا من النقاش مثل أصحاب البيت.. وشيئا فشيئا انفصل الناس عن الواقع وصاروا يحاربون طواحين الهواء.. الشرق كان يحارب بعضه.. جزء منه الى جانب علي وجزء الى جانب معاوية.. فيما نتنياهو يقضم اراضي الطرفين.

لذلك لم أكن أقبل مثلا بآراء تريد ان تقول ان السلام مع الاسرائيليين عمل عبقري وهو خيار يجب المرور فيه.. ولم أقبل مثلا الا على مضض او في استثناءات بتحويل الصفحة لمناقشة قضايا الفساد الداخلي بشكل متكرر لأن هذه المنابر ستتحول الى منابر للطعن والتشهير من غير دراسة او أدلة.. وهذا من اختصاص مؤسسات اعلامية حكومية  كما أن الاشارات للفساد الداخلي محقة، ولكنها طريقة لاستدراج الناس الى نقاشات تبعدهم عن الخط الوطني وتثير الشك بين الدولة واجهزتها والجمهور الوطن.

السؤال الحادي عشر:

من يقرأ مقالاتك وخاصة السابقة التي كان فيها زخم من المعلومات، لاحظ انه كان هناك اسلوبان مختلفان، أسلوب ادبي يلعب بالجمل والكلمات، يوارب باحتراف الاديب، وفي متن المقال تتحول الى أسلوب الأكاديمي الدارس و الباحث.

 السؤال: هل نارام سرجون فرد أم هو مؤسسة كمركز أبحاث او خلية نحل تجمع المعلومات وتحلل وتجتمع لتسيل شهد بقلم نارام سرجون؟

الجواب:

الصفحة لاشك أنها عمل جماعي.. فتصميم الصفحة والاشراف عليها واخراجها وتوزيع منشوراتها في المراحل الاولى، هو أمر يرجع فيه الفضل لنزار صديقي المخلص والوطني العبقري.

 ولكن الافكار تتم مناقشتها مع أصدقاء في حلقة ضيقة جدا يجسون نبض السياسة والاحداث.. وهؤلاء هم الأشخاص الذين يمسكون الكشافات والسراج لي فيما انا أحفر بحثا عن الذهب والألماس.. وأنا شخص أحب الثقافة وكنت أخصص دوما وقتا لأقرأ فيه مالا أقرأ في المدرسة والجامعة.. الفضول عندي هو المحرك.. فمرة اقرأ شكسبير ومرة تشارلز داروين ومرة أقرأ الانجيل ومرة اقرأ القرآن.. وفي يوم اقرأ نظرية اينشاتين في النسبية ومرة أقرأ نظرية ماركس وفلسفة ايمانويل كانط او أعود الى نزار قباني والمتنبي.. ولكنني في حياتي العملية كنت أمارس عملا علميا بعيدا جدا عن الثقافة.. وأنا صاحب أسفار.. وصاحب تجربة في الغرب حيث عشت الغربة، ولكنني تعرفت الى الغرب ودرسته بعمق.. ولذلك تجدين أنني أتارجح بين هذه الشخصيات وأتقلب بينها.. فأنا تتدفق مني قراءاتي، ولكن عقلي العلمي يخرج ويختلط بعقلي الأدبي.. ولأنني مهتم بالشأن العام وأبحثه مع البعض فإنني نشأت أحُب السياسة وأكتب شيئا من حواراتنا الواسعة.. الا ان تجربتي وغربتي وأسفاري ومعرفتي بالناس في الشرق والغرب تجعلني اكثر توازنا في نظرتي للسياسة.

لذلك كلما أكتب مقالا يجلس هؤلاء جميعا.. داروين وكانط واينشتاين ونيوتون والمتنبي ونزار قباني وكثيرون ممن قرأت لهم.. يجلسون معي على المكتب ويكتبون او يكتب كل منهم شيئا من المقال.. ولذلك تجدين انه مرة يغلب عليه الطابع الادبي.. ومرة يغلب عليه الطابع العلمي والثقافات.. ومرة يكون في غالبه سياسيا.. مرة لاينتمي الى أي واحد لأنهم يكونون غير موجودين معي عندما أكتب. 

السؤال الثاني عشر:

ماهو تأثير منصات التواصل الاجتماعي في زمن كلنا "مراسلون" و "شهود عيان" على المجال الاعلامي؟ هل تعتقد اننا في زمن السلطة الرابعه أم انه تراجعت السلطة و ترهلت فلا حول لها ولا قوة؟

الجواب:

منصات التواصل الاجتماعي هي عالم آخر ولد.. لنقل انه صار العالم الموازي.. فكل واحد منا صارت له شخصيتان  شخصيته التقليدية التي يعيش فيها والشخصية التي يطوف فيها في العالم على هذه السحابة المسماة وسائل التواصل الاجتماعي.. وربما سيكون تأثير هذا العالم الموازي مثل تأثير اكتشاف اميريكا على التاريخ.. حيث هاجر الناس الى عالم ينتابه الغموض فيما ينتابهم الفضول لمعرفته وتذوقه.. وفي هذا العالم الموازي كما في العالم التقليدي هناك أناس جادون واناس نصابون.. أخيار وأشرار.. ومشكلة العالم الموازي في وسائل التواصل انه عالم يقوده الجشعون ونفس النظام الذي يقود الاعلام التقليدي يمسك بالاعلام الموازي الجديد.. وهم من يصنع هذه المصطلحات وشهود العيان وتصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي مزرعة الاعلام كي تبدو المواد المنتجة في الاعلام التقليدي طبيعية مثل أي صناعة تحتاج مواد خام من الارض.. فالمادة الخام هي منصات أو اشخاص يبدو انهم ينطلقون بشكل عفوي ويظهرون كما تظهر المواد الخام والثمار في المزارع التي تنتشر في الطبيعة ويأتي الصناعيون (او الاعلاميون) ويجعلون منها سلعا للاستهلاك.. ولكن من يسوق لهؤلاء في منصات التواصل هم أناس عاديون وبياعو بسطة لايعرفون ماذا يبيعون وأين صنع مايبيعون أو أين زرع. 

السلطة الرابعة التقليدية ترتجف من هذا الخارج على القانون الابن العاق المنفلت في الشوارع والذي يهدد بفرض قانونه.. ولكن هل تقدر ان تستعيده الى الحظيرة؟ في الغرب لايزال الاعلام التقليدي صاحب الكلمة ولاتأثير كبيرا للسوشيال ميديا لأنها ضبطت بالقوانين وتحولت المنصات الى عيون للشرطة والقانون والمحاكم والمؤسسات بحيث ان المواطن وضع نفسه تحت الرقابة القانونية واختار ان يضع جاسوسا على نفسه.. ولذلك يقتصر النشاط الشعبي عموما على النشاط التجاري والاقتصادي والاجتماعي.. ولا أجد نقاشات سياسية عميقة.. فأنت في الغرب قد تفقد عملك بسهولك او تتعرض للعقاب اذا شططت في الكلام مثلا عن مؤسستك.. أو نشرت مواد حساسة لاتروق للسياسيين مثل أزمة كورونا وتغريدات ترامب التي حظرت وقمعت.. ولايسمح بنشرها لأنها قد تفتح عيون الناس على حقائق لم تر من قبل.

أظن ان انطلاق السوشيال ميديا كان مبشرا بالحرية، ولكن التحكم فيها كان يتم تطويره على قدم وساق حتى تحولت الى سلاح حربي وسلاح أمني.. بيد من يقبض على مفاتيحه.. ولاسبيل للتخلص من هذا السلاح الا بالعمل على التجربة الصينية حيث يوجد فيسبوك صيني لادخل لمارك زوكربيرغ به.. الذي حولنا الى مواطنين امريكيين نعمل في مزارع البيض مثل العبيد.. يتحكم فينا ويقرر كيف نقول وماذا نقول ومتى نقول.. فيمنعك من نشر صورة السيد حسن أو التشهير بالصهاينة.. ولكنه يترك الحبل على الغارب في نشر العنف بيننا ونشر الكراهية.. ونشر صور مجرمي داعش وجيش الاسلام وفتاوى السعوديين كأننا ننشر صور غيفارا او احاديث جان جاك روسو.

السؤال الثالث عشر:Image result for صورة نارام سرجون القائد السوري

اي الوزارت تشبه نارام سرجون يتكلم باسمها ويدافع عنها بشراسة، وزارة الخارجيه أم وزارة الدفاع؟

الجواب:

هل أنت جادة في هذا السؤال؟ لأن كل مواطن سوري عاش شعور الوطنية في غضبها وحزنها على بلده كان وزير دفاع ووزير خارجية في الوقت نفسه.. أنا رأيت بعيني، وأنتِ رأيتِ كيف كان السوريون في الحرب يتصرفون بصوفية مع أحزانهم وبفدائية لا نظير لها.. رأيت سوريين على الشاشات كان كل واحد منهم يتحدث كوزير دفاع ووزير خارجية في عمق وطني وعناد في الدفاع عن استقلال البلاد . 

لذلك أنا، ياسيدتي لا أشبه اية وزارات ولا أريد ان أشبه اية وزارة.. أريد أن أشبه جندياً بسيطاً ترك ضيعته أو قريته وترك أخوته وحبيبته وترك قلبه وقصص طفولته.. وحمل معه في ذاكرته العصافير والليمون والزيتون.. وقرر ان يكون  له قلباً شجاعاً يسيّجها.. ووطناً ورأياً وقراراً وحرية.

السؤال االرابع عشر: 

هل تنوي يوما ما ان تتخلى عن الكاتب والباحث والاكاديمي لصالح رجل السياسة؟

الجواب:

الكتابة هوى وهواية ونبيذ.. والسياسة كأس.. فكيف سأشرب النبيذ من غير كأس؟.. ومانفع كأسي من غير نبيذ؟

الكتابة خمر والسياسة جمر.. والكتابة زيت والسياسة نار.. ولكن اذا سكبت الخمر او الزيت فوق الجمر أو النار، فسترى انك أضرمت في النار وأضأت المكان وبعثت فيه الحرارة والضوء.. فما أجمل ان يجتمع الكاتب مع السياسي على الورقة.. وانا لا أجد ان الشاعر والأديب والروائي لايمارسون السياسة.. فهل نفي الشعراء والكتاب لانهم قالوا شعر الغزل أم انهم اقتربوا من الهم العام والسياسي بشكل او بآخر.. ألم يكن المتنبي سياسيا وهو يقترب من الأحداث العظيمة وصانعيها بل ويؤرخ لها ويقول رأيه فيها؟ أليس من السذاجة ألا نظن ان أبا نواس كان يقترب من السياسة وهو في قصر الرشيد.. الم يكتب نزار قباني السياسة شعرا.. ومحمود درويش أيضاً؟

أنا لست في مقارنة مع أي ممن ذكرت فأنا لست في سويتهم.. ولكن ماأريد قوله هو ان الكتابة الأدبية في السياسة هي لون جميل نسميه في زماننا بالادب السياسي.. وهو نهج يختاره الكاتب في لحظة دقيقة للغاية.. ولاأدري ان كان الجانب الادبي قادرا على ان يحيا عندي دون السياسي أو بالعكس.. فالانفصال بينهما قد يتسبب في هلاكهما.. انهما متداخلتان كالشرايين والأوردة.  

السؤال الخامس عشر:

لو كنت مستشارا للرئيس الاسد ماذا ستقول له قبل الانتخابات؟

الجواب:

الرئيس الاسد رجل عظيم جاء من شعب عظيم في موعد مع القدر.. وماسأقوله له هو ان يبقى على وفائه لهذا الشعب العظيم الوفي الشجاع الكريم الذي له اسماء حسنى لاتعد ولاتحصى.. أتمنى من الرئيس الأسد أن يعمل مافي وسعه لتعويض هذا الشعب عما بذله من تضحيات لانسمعها الا في الحكايات والالياذات.. القائد العظيم لايقدر ان يصنع اي انجاز اذا لم يكن هنالك شعب باسل وقوي الارادة وموهوب وعنيد وصابر يقف خلفه.. فكل القادة العظماء كانوا عظماء لأنهم في لحظة نادرة أيقظوا شعبا عظيما من رقاده فنهض وسار معهم.. وكم من قائد مهزوم لو قيض له شعب عظيم لغير منحى التاريخ.. اي ان مقولة بونابرت ستبقى نصف صحيحة عندما قال (أن يقود اسد جيشا من الوعول أفضل ألف مرة من أن يقود وعل جيشا من الاسود).. فالتاريخ يتحرك عندما يقود اسد جيشا من الاسود.. والتاريخ يتوقف او يصاب بالجلطة القلبية او الدماغية عندما يقود وعل جيشا من الوعول .

ولو أنني كنت أمامه في هذه اللحظة لقلت له.. الشعب السوري كان مفاجأة الدنيا.. وهو يعرف ان التعب في هذه المعركة يعني ربما احتلالا عثمانيا لأربعة قرون قادمة.. أو دولة عبرية من الفرات الى النيل.. وكل معاناة لديه اليوم سببها هذان العدوّان.. في الشمال العثمانيون الجدد وفي الجنوب العبرانيون والمحافظون الجدد.. والشعب ينتظر ان ترفع العلم السوري في ادلب والجزيرة وفي الجولان.. كما رفعه والدك الخالد حافظ الاسد في القنيطرة، وأن يكون العدل والتعليم نصب أعيننا.. واعادة بناء الثقافة والعقل الحر هي برنامجه الانتخابي.

السؤال السادس عشر:

ماذا تقول في الصراع بين الهوية القومية العربية والقومية السورية؟ 

الجواب:

ولم الصراع؟ وكيف يقدر أحدنا ان يرسم خطا بينهما؟ حتى مشرط وقلم سايكس بيكو لايقدر على رسم الحدود الفاصلة بين هاتين الهويتين؟ ولكن دعينا نضع حقائق. 

هنالك نزعة تحاول الاستيلاء على عقول الناس في اي مكان بالايحاء لهم ان لهم انتماء مختلفاً.. وهذا هو قلب الدعوات السياسية والمشاريع الحزبية.. فلايقوم مشروع من غير جمهور يتبعه ويتبع نظرياته.. الشيوعيون اقتلعوا كل ماوجدوه من قوميات ومشاعر ولاء للاديان وثبتوا انتماء للجماعة الواحدة الاقتصادية.. والرأسماليون اقتلعوا الانتماء للجماعة وزرعوا بدلا منه الانتماء للفرد المتفوق.

ولكن نحن في المنطقة العربية كان لابد من عملية فصل مع الدين لانه خلطنا مع أعراق تركية وغير تركية.. ولكن عندما انفصلنا عن الهوية التركية وجدنا انفسنا أمام هويتنا الحقيقية وهي اننا عرب.. الهوية هي ثقافة وليست مجرد عرق ودم.. وهي أحيانا أقدار.

 وأنا أستغرب وأضحك من أولئك الذين يضحكون من التطرف الديني ويعتبرون انه حركة الى الوراء لاعادتنا في الزمن الى صدر الاسلام في رحلة عبر القرون.. ولكنهم لايستحون من انهم يريدون اعادتنا أكثر الى حقب زمنية تبعد زمنيا اكثر من صدر الاسلام.. وهم يريدون التقاط لحظة تاريخية بعينها.. كانت فيها مرحلة منيرة او حضارية مختلفة والعيش فيها.. فتلك لحظة الحضارة السومرية او المصرية او الآرامية.. ولكن لايمكن لأحد ان يكون أسير التاريخ او لحظة تاريخية بعينها ويعزل نفسه ويظن انه صار نقيا من الشوائب الثقافية الخارجية.. هذا وهم أو حلم او ربما جنون لايمكن لاي شعب ان يدعي نقاء عرقيا او ثقافيا والابحاث تدل على ذلك.. فجزيء (ال دي ان اي) خليط من أمم  فكيف يمكن ان يتخيل المصريون انهم أنقياء وقد مرت عليهم جيوش وشعوب اختلطت بهم.. وكذلك السوريون والعراقيون.. هذه بقع تعتبر في التاريخ الأكثر تفاعلا.. انها مفاعلات ذرية هائلة.

المرحلة العربية سواء قبلناها ام لم نقبلها الا انها حقيقة ثقافية.. ولانستطيع ان نسلخ 1500 سنة من تاريخنا لأننا لانحب بعض المجانين والفترات.

 كما أن 1500 سنة ليست قليلة على الاطلاق.. فيها خزان لاقرار له من الأحداث والابداع والشعر والتاريخ والادب  وأظن ان أي فترة سابقة للعرب والاسلام لم تستمر بشكل متواصل الا بضعة مئات من السنين أيضا وتقلبت كل بضع مئات من السنين.. واذا رمينا ببساطة فترة من هنا وفترة من هناك حسب الأزمات فماذا سيبقى منا؟

يجب ان نتخيل اننا اذا استجبنا كمجتمع لكل هذه الرومانسيات فهذا يعني اننا نستجيب لرغبة الكيان الصهيوني الذي يريد ان يكون هو الكيان الاكبر بينما نحن نتشظى الى كينونات صغيرة قادمة من العصور السحيقة.. فينيقية واشورية وكلدانية وسريانية وعربية وو.. مجتمعات مجهرية لاشك ستتقاتل. 

أنا أعترف انني متعصب لسوريتي وثقافتي السورية والهلال الخصيب، وأومن بمشروع سوراقيا و أباهي بالحضارة السورية القديمة.. ولكن الثقافة ليست مجرد ثوب ترتديه الشعوب وتغيره عندما تتغير الموضة والأزياء.. بل هي جلد يلتصق باللحم.. والجسد السوري ارتدى الثقافة الاسلامية والعربية 1500 سنة.. ورغم انه يمتلك مواصفات تخصه جدا كجسد سوري الا ان جلده كان عربيا.. فهو ينطق بالعربية.. واللغة هي احدى اهم مكونات الفكر والعادات والسلوك لأن اللغة تشبه ذلك الكبل او الشريط الكهربي الواصل بين جهازي كومبيوتر او موبايلين.. بها تنتقل كل المعلومات والبرامج والداتا بسرعة فائقة.. ولذلك تجد ان الثقافة التي تجمع أبناء اللغة المشتركة واحدة والرؤية واحدة للحياة والقيم فالعرب يتشابهون رغم ان ألوانهم تختلف.. فاليمني والنجدي لهم لون يميل للسمرة بينما السوريون وسكان بلاد الشام أميل الى البياض.. وتجد المصريين مختلطين والسودانيين لهم بشرة داكنة.. ولكن الطريقة التي يفكر بها المغربي    والعراقي متقاربة في طريقة التفكير بالحلال والحرام.. والنظرة الى الرجولة.. والمرأة.. والشرف.. والكرامة.. وهذا ينطبق على كل الشعوب. 

وعند انطلاق فكرالزعيم أنطون سعادة فإنه لم يكن يعني التخلص من العروبة.. فهي مرحلة في الوجود السوري الطويل الأبدي.. بل هو حاول ان يقول ان السوريين هم الذين مدوا اليد للعروبة الاسلامية وقويت بهم.. خاصة ان هجرات القبائل العربية الى الهلال الخصيب حدثت قبل الاسلام بزمن طويل واختلطت الدماء .. وكان من الصعب للمرحلة العربية والاسلامية ان تنتشر أو تستقر لولا ان سكان الهلال الخصيب أعجبوا بها كثقافة جديدة ووافدة ..ولم يحدث أي صراع، ولم تستفق الهويات بل حدث اندماج ثقافي وتهجين حضاري كما حدث بين الحضارة الاغريقية والرومانية وأنتج الثقافة الهلينية. 

السؤال الاخير:

 بعد ان نالوا من صفحاتك، سمعت منك عن مشروع جريدة الكترونيه مستقبلية.. متى سترى  جريدتكم النور؟

الجواب:

مشروعي كان دوما أكبر من مجرد جريدة ألكترونية.. مشروعي دوما كان مشروعا نهضويا فكريا لاتقدر جريدة واحدة على حمله.. بل ثورة اعلامية وثورة في الثقافة.. وثورة في الفكر.. وثورة في العلوم.. كنت أسميه دوما مشروع مارشال الثقافي كما كان مشروع مارشال الامريكي اقتصاديا عملاقا للوقوف في وجه المد الشيوعي عبر تنمية المجتمعات الاوروبية الفقيرة التي بتلبية حاجتها لم تعد تفكر بالحل الشيوعي لأزماتها الاقتصادية .

أحلم ن اطلق هذا المشروع مع نخب في هذا الشرق.. لأن مشكلتنا بسيطة وهي ان المشرقي او المواطن العربي مسروق ومأخوذ.. وهو يظن ان الغرب هو الجنة وأن المواطن الغربي ليست له مشكلات.. وأنه حر.. وهذه أساطير نحن ننشرها.. وكي يتحرر الانسان يجب ان يعرف خصمه.. وهنا مشكلتنا.. ففي كل ثقافتنا واعلامنا  وأفلامنا وكتاباتنا نحن نكرس لدى الناس ان من يعيش في الغرب افضل منا وانهم أحرار اكثر منا.. ولذلك تجدين ان الناس يتسابقون للهروب الى الغرب.. لم يوجد اي برنامج او تحقيق اعلامي عربي ان يدخل الى احياء الفقراء في اوروبة.. ولم يدخلوا الى حياة المحرومين.. بل كل مانراه ابطال الافلام والمنتجات الالكترونية وقصص الافلام والروبوتات ورامبو وووو  تخيلي ان كل مواطن غربي يتجول في العالم ويكتب كثيرون منهم عن انطباعاتهم عن الشعوب والثقافات.. وهناك بعثات جامعية تدرس الشعوب وترسل من يدرسها.. وهناك أجهزة مخابرات مرتبطة بالجامعات وابحاثها عن الشعوب  اما نحن فننتشر بالملايين في اوروبة.. ولكن لايوجد كتاب واحد من أي مغترب يحكي عن تجربته ومعاناته وعن ملاحظاته عن هذه الشعوب ونقاط ضعفها.. لايوجد اي دراسة ننشرها ولا اي فيلم تحقيقي نقول فيه للناس كل شيء عن الغرب الرائع والمبدع بلاشك والحر ولكن المليء بالمشاكل والازمات والقناعات التي لانعرفها.. ولذلك يقاتل الانسان المشرقي ويتمرد ليجعل بلده مثل الغرب.. ولكنه لايعرف اي شيء عن الغرب الا مايسمع عنه في الدعايات والصور والافلام.. الغرب جميل لكنه ايضا  كتلة من الازمات التي لانراها والمغطاة بغطاء سميك من النشاط التجاري والكنولوجي.. وأنا التقيت غربيين عائدين من الشرق وهم يحسون بالدهشة مما لدينا من خيرات وفيرة وحياة سهلة.. وحياة اجتماعية غنية وثرية.. ولذلك لافائدة من أي مشروع اعلامي اذا كان الغرض منه فقط ان ندافع عن مواقفنا السياسية.. فالدفاع عن المواقف السياسية يقوم على اظهار القيم الاجتماعية التي نحميها في السياسة.. واظهار مايفتقده الآخر الغربي بعمق.. الناس لاتصدق مشروعنا السياسي وهي تظن ان ماوراء البحار أفضل اقتصاديا وديمقراطيا.. واننا فعلا ندافع عن هذا الشرق لأن فيه ماهو أفضل من الغرب في قيمه الانسانية العليا الذي لاتحميه قيمه عن احراق الشعوب واطلاق القتلة والارهابيين عليها.. واكبر مثال على تفوقنا هو الاندماج التعايشي بين الاديان.. ففي قلب الجامع الاموي مفام يوحنا المعمدان وفي ناحية اخرى من الجامع بقعة مقدسة لرأس الحسين عليه السلام  ..الناس رأت كيف يتعامل رجل الشرطة مع المعتقل في الشارع في قصة جورج فلويد وكيف يعدمه في الطريق بلا رحمة.. ومارأوه ليس استثناء بل هو رأس الجبل الجليدي.. ولكن الناس تظن ان رجل الأمن عندنا هو فقط الذي يقتل الناس بلا شفقة.. أما في الغرب فإنه لاسلطة لرجل الأمن.

  لكن أتحدى أي مغترب ان يتجاوز الخطوط الحمراء الأمنية هناك.. وسيرى انه سيكون في ورطة ومشكلة.. ولذلك تجدين الجاليات العربية في الغرب ملتزمة بالقانون خوفا من الدولة اما في بلدانها فانها تتمرد باسم الحرية والديمقراطية والثورة وتغيير الرئيس وتزوير الانتخابات.. رغم انها ترى ان انتخابات اميريكا تزور وان الديمقراطية لعبة اعلامية ذكية لايقدر عليها الا الأغنياء.. وأن العدالة والقضاء لاتتحققان الا للأثرياء لأن الدخول في المحاكم مكلف جدا لايقدر عليه الفقراء.. فاذا كنت ثريا ستحقق العدالة لك اوسيحميك القانون بالقانون.. تماما كما في أي مجتمع.. وان الانتخابات يخوضها فقط فريق واحد يتوزع الأدوار، ورغم اننا نتواصل حول هذه الافكار الا ان الوقت يسرقنا.. ولكن يوما ما سيتبنى أحد ما هذا المشروع.

السادة القرّاء الأكارم لمتابعة بقية الحوار تابعونا على الرابطين التاليين:

https://serjoonn.com/

بقلم: نارام سرجون | Facebook

عدد الزيارات
17503071

Please publish modules in offcanvas position.