شخصيّة من طرطوس: المربي محمد علي يونس.. من المشاركة في تعريب الجزائر إلى شرح القرآن الكريم

أجرى الحوار: أُبي حسن- فينكس

 

يعدّ المربي الأستاذ محمد علي يونس من أبرز لغويي محافظة طرطوس، إن لم يكن أكثرهم شهرة و حضوراً.. خرّج أجيالاً من الطلّاب السوريين، من تلامذته الذين حازوا شهرة واسعة، مثالاً لا حصراً: المسرحي الكبير الراحل سعد الله ونوس و الوزير الأسبق الدكتور محمود السيد و الوزير الأسبق المهندس غسّان طيارة و الشهيد مصطفى خلوف و طبيب الجلدية المعروف الأستاذ الدكتور صالح داود و غيرهم.

بدأ مزاولة دوره التربوي و التعليمي، في ثانوية "بني طرطوس" (مصطفى خلوف، لاحقاً) عام 1956م، و بعد نحو عقد من الزمن يسافر إلى الجزائر، و هناك يتم اختياره من ضمن خمسة آلاف مدرّس سوري مُعار في الجزائر، للمشاركة في حملة تعريب منهاج تلك البلاد..

بعد عودته من الجزائر، عُين موجّهاً للغة العربية في مديرية تربية طرطوس، و ظل كذلك 23 عاماً، و بعد تقاعده طلب منه الدكتور محمود السيد إبّان استلامه لوزارة التربية العمل -هو و مجموعة من الموجهين التربويين السوريين الأكفاء و المتقاعدين- على تطوير مناهج اللغة العربية في وزارة التربية، و ظل يعمل في هذا الحقل طوال ثلاث سنوات.

و هو الآن عضو في المجلس الفقهي العلمي في سورية.. و يشرف على طباعة نسخته التي وضعها حول تفسير القرآن الكريم.

تعود معرفتي به (سماعاً) لنحو ربع قرن مضى، فيما أعرفه عياناً منذ قرابة العشرين عاماً (أو أقل بقليل) زرته في منزله مراراً.. كما كنتُ أصادفه أحياناً في مكتب صديقه الأثير الراحل الدكتور أحمد عمران الزاوي، و ليس سرّاً إن الأستاذ محمد علي يونس يفتقد كثيراً صديقه البحّاثة د. الزاوي، فهو يعتبره أعز صديق له في المرحلة الأخيرة من حياته، كما كان يرى أنّه ظاهرة فكرية و أخلاقية فريدة ربما لا تتكرر.. و كنتُ شاهداً على مدى تقدير و احترام الراحل الكبير د. أحمد عمران الزاوي له، لا بل و ثقته الكبيرة به.

أجريُ هذا الحوار، يوم الأربعاء 19 آب 2020م.

 

 

الولادة و النشأة و باكورة التعليم

وُلد المربي المرموق محمد علي يونس عام 1933 في قرية "رويسة الحايك" قضاء صافيتا، لأبوين كريمين، و كان وضعهم العائلي، على الصعيد المادي، مستوراً و مقبولاً قياساً بأوضاع الناس في هاتيك الزمن.

دفع به والده وهو في السادسة من عمره للدراسة لدى الخطيب الشيخ حسن شعبان في قرية "الجروية" المجاورة لقريته. تعلّم على يدي الخطيب المذكور الأحرف الأبجدية و قراءة القرآن الكريم، ثمّ تولاه بعد ذلك أخوه الشيخ محمود شعبان، و حفظ ربع القرآن الكريم على يديهما.

في عام 1940 تغادر عائلته قرية "رويسة الحايك" بغية الاستقرار في قريتهم الثانية "التوانين"، و إبّان الحرب العالمية الثانية، و تحديداً بين عامي 1942 و 1943 يُحضر له والده أستاذين لتعليمه هما المرحومان علي محمد سليمان محرز و أخوه يونس (من قرية بيت ناعسة)، و هما أشقاء الشاعر المعروف عبد اللطيف محرز أطال الله بعمره.

كان كلا الأستاذين يحمل الشهادة الإعدادية و يتقن اللغتين الإنكليزية و الفرنسية.. خلال ذينك العامين 1942 و 1943 تعلّم المربي يونس على يديهما منهاج المرحلة الابتدائية كلّه.

و يقول الأستاذ يونس لفينكس: "في خريف 1944 أخذني والدي إلى متوسطة (بني الدريكيش) الرسمية، و كانت بإدارة المربي الفاضل، و الذي تفضّل على أبناء جيلي كلّه المرحوم عبد الحميد محفوض، الذي أجرى لي اختباراً في اللغة العربية و الحساب، ليحدد أن مستواي هو الصف الخامس لكنّه لن يضعني إلّا في الصف الثالث لجهلي باللغة الفرنسية، فبقيت في الصف الثالث الابتدائي حتى تاريخ 1/1/1945، و إذا بالمدير يأخذ بيدي و يضعني في الصف الرابع قائلاً لي: (أبشر، ألغيت اللغة الأجنبية في الابتدائي)".

يتابع الأستاذ حديثه عن تلك المرحلة قائلاً: "تابعتُ الدراسة حتى نهاية العام، و نجحتُ في الصف الرابع، لا بل و كنتُ الأوّل في صفي".

في ذلك العام كان الطالب يونس يقيم عند أصدقاء له في الدريكيش من آل زغيبي ممن يشرفون على أملاك والده في الدريكيش (عند المرحوم علي يوسف زغيبي والد الشهيد محمد علي زغيبي الذي استشهد في حرب تشرين 1973م)أ أبي حسن مع محمد علي يونس.

بعد الانتهاء من الامتحان أراد توديع صديقه (المرحوم) محمود بركات الذي كان في الصف الخامس الابتدائي، و يسأله هذا الصديق إلى أين سيذهب بعد الامتحان؟ و يفيدنا الأستاذ يونس إنّه يجيب صديقه بعزمه على العودة إلى قريته كونه أنهى الامتحان و نجح فيه. غير أنّ صديقه يعارضه الرأي في العودة حاثاً إياه على البقاء في الدريكيش كي يقرأ و يتقدّم للصف الخامس (تقديماً خاصّاً). يقول الأستاذ محمد علي يونس لفينكس: "فكان أن بدأت أقرأ في كتب صف الخامس العائدة لصديقي محمود بركات، تحضيراً لامتحان الصف الخامس، و كان صفّ الشهادة الابتدائية".

يصمت الأستاذ للحظات، ثم يستدرك قائلاً: "و من سوء حظ البلد، و حسن حظي أنا –وفق مقولة: مصائب قوم عند قوم فوائد- حصلت مع الأسف مجزرة البرلمان السوري على يد الاحتلال الفرنسي في 29 أيار عام 1945، فكان أن تأجّل امتحان الصف الخامس من 11 حزيران 1945 إلى 11 تموز 1945، و كانت هذه المدة كافية لي كي أحضّر جيداً منهاج الشهادة الابتدائية.. و فوجئ المدير المرحوم عبد الحميد محفوض كيف أنّي حضرتُ منهاج الشهادة الابتدائية دون علمه. و أتذكر أنّه استقبل وفداً من أوائل الطلاب كي يشفعوا لي عنده، ساعتذاك سمح لي بالتقدّم لامتحان الشهادة الابتدائية، و قد نجحت في الامتحان و نلتُ الشهادة الابتدائية عام 1945م، و كانت أسماء الناجحين تُذاع بالراديو و تنشر في الجريدة.

 

يُذهلك الأستاذ يونس بذاكرته الوقّادة، فيذكر لنا أنّه دفع 25 ليرة سوريّة قسط الصف السادس المتوسط، و كان ذلك في تشرين الأوّل عام 1945م، و المبلغ ذاته يُدفع في أوّل شباط لقاء الفصل الثاني. يقول الأستاذ محمد علي يونس: "كنتُ أُعفى من دفع قسط الخمسين ليرة سوريّة و سنوياً طوال دراستي في صفوف السابع و الثامن و التاسع كوني كنتُ الأوّل في صفي". علماً أن متوسطة "بني الدريكيش" رسمية –أي للدولة- و ليست خاصة بأصحابها كما قلنا من قبل.

 

 

في مرابع الطفولة

بحسب قوله: "كانت عائلته مقبولة الحال"، و كان منزل والده في "التوانين" مأوى للضيوف، و مقصداً لطلاب الحاجات؛ هاجر جد عائلته من قرية "ياسنس" جنوب مدينة الحفة منذ عام 1223هجرية إلى قرية "رويسة الحايك" في صافيتا؛ و جده الذي هاجر من "ياسنس" هو الشيخ يونس نجل الشيخ معلى ياسنس قطب الزمان، حليف الجود و الكرم حسب وصف الشاعر الشيخ حسن سلطانة له. و عائلة الأستاذ يونس مقسومة بين قريتي "التوانين" قرب "الصفصافة" و قرية "رويسة الحايك" بجوار مدينة صافيتا، و هذا ما يفسّر لنا وجود ملكيات للأستاذ يونس في كلتا القريتين.

و مما يتذكره عن طفولته هو مباراته و أقرانه في حفظ أشعار المتنبي و المنتجب العاني و المكزون و غيرهم، و كذلك حفظ سور القرآن.. و في هذا الصدد يقول: "أتذكر عندما كان يعلّمنا المرحومان علي محرز و شقيقه يونس، كان يوجد في منهاج المرحلة الابتدائية عام 1942 قصيدة لبشارة الخوري (الأخطل الصغير) عن حلب، و هذا ما حفظته منها:

لو كان لليل أن يختار حليته ...... و قد طلعت عليه لازدرى الشهبا

لو أنصف العرب الأحرار نهضتهم ...... لشيّدوا لك في ساحاتها النُصبا

لكن خُلقت لأمر ليس يدركه ....... من يعشق الذل أو من يعبُد الرتبا

ملاعب الصيد من حمدان ما نسلو ...... إلّا الأهلة و الأشبال و القُضبا

حسامهم ما نبا في وجه من ضُربوا ...... و مُهْرهُم ما كبا في إثر من هربا

ما جرد الدهر سيفاً مثل سيفهم ..... يجري به الدم أو يجري به الذهبا

ربّ القوافي على الإطلاق شاعرهم ...... الخلد و المجد في آفاقه اصطحبا

سيفان في قبضة الشهباء لا ثُلما ...... قد شرّفا الشام، بل قد شرّفا العربا"

 

 

المرحلة الثانوية

درس الأستاذ يونس المرحلة الثانوية في مدرسة "بني طرطوس" البنين (مصطفى خلوف، لاحقاً)، و هنا يفيدنا: "تقدمت إلى الشهادة الثانوية الفرع الأدبي عام 1951، و عندما ذهبتُ لاستلام بطاقة نجاحي من مديرية التربية في مدينة اللاذقية، سألني موظف الامتحانات إن كنتُ أنا صاحب العلاقة، فأجبته بنعم، فقام و هنأني و ضيفني كازوزة. و لما سألته عن سبب هذه الحفاوة، أجابني: (لأنك الأوّل في المحافظة)".

يذكر الأستاذ يونس، عدداً من أساتذته في ثانوية "بني طرطوس", و كلهم أصبح في ذمة الله، كمديرها المرحوم سليم عرنوق (مدرّس اللغة الإنكليزية في الوقت ذاته)، و أستاذ اللغة العربية المرحوم محمد المجذوب (توفاه الله في السعودية)، و كذلك الأستاذ فؤاد عرنوق، و الأستاذ محمد رشدي الخياط و هو فلسطيني كان يعيش في مدينة طرطوس، و الأستاذ عبد الستار السيد الخطيب المفوّه و مفتي طرطوس.

و فيما يذكر من زملائه: محمد عبد الحميد خضر (أبو ماهر) أصبح سفيراً لسوريا في لندن، و كذلك أحمد لطش (الفرع العلمي) الذي سيصير مدرّساً شهيراً في الرياضيات و من أصحاب الرسالة في التربية، و يوسف كرم (من بلدة السودا) الذي درس العلوم الطبيعية.

و عندما أسأله ان كان زامل أدونيس (علي أحمد سعيد اسبر) في "بني طرطوس"، يؤكّد لنا أنّه لم يره في المدرسة كون أدونيس يكبره بنحو الثلاثة أعوام، لكنه التقى به –فيما بعد- في الجامعة حيث كان يدرس الأخير الفلسفة.

 

أ محمد الفاضل 

 

دار المعلمين العليا في "أبو رمانة" و الايفاد المُجهض إلى لندن.. و الشكوى للدكتور محمد الفاضل!

 

و يقول الأستاذ يونس: "اشتركت بمسابقة دار المعلمين العليا، و نجحت فيها، و كنتُ متفوقاً بنجاحي. بعيد التحاقي بالقسم الداخلي (دار المعلمين العليا) بـ"أبو رمانة" في دمشق، أبلغتني وزارة التربية عن طريق البريد المسجّل بأني موفد إلى جامعة لندن للحصول على إجازة في العلوم الطبيعية؛ و فوجئت بهذا الكتاب، فأنا في الفرع الأدبي و مسجّل لغة عربية في دار المعلمين العليا، و لا علاقة لي بالعلوم الطبيعية. و باعتبار أن كلية الآداب و الحقوق متجاورتان (في ذياك الزمن) اتصلتُ بالدكتور محمد الفاضل و قابلته، فقال لي: "أنت فرع لغة عربية و معهد دار معلمين عليا، فأنت الأوّل أو الثاني على مستوى القطر في دورتك (الثانوية- فرع الأدبي), و ترفض موضوع البعثة؟"، فأجبته: "لا أرفضه، بل أطلب تغييره إلى أي فرع من فروع كلية الآداب كاللغة الانكليزية أو التاريخ، أو الجغرافية، أو علم النفس، أو علم الاجتماع.. الخ، أي فرع له علاقة بالآداب، أما العلوم فليست دربي، فأجابني د. الفاضل: "مع الأسف هكذا جرى معي أنا، كنتُ الأول في دورتي، ومع ذلك لم ينصفوني، أرسلوا غيري، فأقمت دعوى و ربحتها و أجبرتهم على إيفادي و حصلتُ على الدكتوراه"، هذا ما قاله لي الدكتور المرحوم محمد الفاضل عام 1951. عقب ذلك سألني د. الفاضل عن حجتي على الوزارة، فقلتُ له: "حجتي قوية، و هي أن مدير الاعارة (كنيته شيخ الأرض)، هذا الرجل ألّف كتاباً في التربية، فيه موضوع عنوانه "الدراسة و الميل" يقول فيه: الدراسة مع الميل كالسباحة مع التيار، فالسابح يصل الى الشط بشكل مؤكّد و دون أن يرهق نفسه، أما الدراسة عكس الميل، كالسباحة عكس التيار، فالتيار إذا كان قوياً يجرف السابح، أو أن السابح يصل إلى الشط مرهقاً"، فقال لي د. الفاضل: "هذا يكفي".

و في مكتبه أتى أحد مسؤولي وزارة المعارف، و قد أبلى الدكتور الفاضل في الدفاع عني أحسن البلاء، لكن الوزارة لم تقبل تغيير موضوع ايفادي من كلية العلوم في لندن إلى كلية الآداب فيها، فرفضت الايفاد، لأنني لو قبلته لكنتُ أسبح عكس التيار. و هكذا ضاع حقي في الدراسة بجامعة لندن.

 

 

يوم وفاة الشيخ صالح العلي

كان من أساتذته في "بني طرطوس" المرحوم الشيخ عبد الستار السيد مفتي طرطوس و خطيبها المفوّه (كما أسلفنا)، إذ درّسهم التربية الدينية، و يذكره قائلاً: "كنّا معجبين بشخصيته و فهمه و مقدرته الخطابية.. وأذكر يوم الأحد الموافق 13 نيسان عام 1950، الساعة العاشرة صباحاً، في ذلك اليوم أُطلق رصاص غزير في المشبكة، فسألت عن السبب، في إطلاق النار، فقالوا السبب هو وفاة المجاهد الشيخ صالح العلي.. اجتمعت المدينة بقضها و قضيضها، فيما جمعنا أستاذنا المرحوم عبد الستار السيد لتشييع الجنازة حتى المدخل الشمالي لمدينة طرطوس، و كان هو في مقدمة المشيعين، و هناك –في مدخل طرطوس الشمالي- أبّن المرحوم عبد الستار السيد، الشيخ صالح العلي بكلمة بليغة، هذا موقف لا أنساهأ صالح العلي".

أسأله: هل سبق أن رأيت الشيخ صالح العلي؟

و يجيب: لم أتشرّف بزيارته، و لكني كنتُ أعلم الكثير عن جهاده في سبيل الله و الوطن، و أنّ ثورته هي أم الثورات السوريّة كلّها، إذ كان رحمه الله، أوّل من أطلق الرصاص في وجه المستعمر الفرنسي، و قبل ذلك في وجه المحتل التركي العثماني.

 

 

....و من تلامذته سعد الله ونوس و الشهيد عدنان غانم و طبيب الجلدية الشهير صالح داود

 

باشر الأستاذ محمد علي يونس حياته المهنية عام 1956، إذ عُين في ثانوية "بني طرطوس".. عيّنه أستاذه في مادة الأدب الأندلسي المرحوم الدكتور جودت الركابي (موجّه اللغة العربية في الوزارة سنتذاك) و وزّع عليهم ساعات اللغة في "بني طرطوس" و أسند إليه شعبة اللغات (كانت الثانوية من شعبتي اللغات و الاجتماعيات، فيما العلمي من الطبيعيات و الرياضيات).. أسند إليه الدكتور جودت الركابي فرعي اللغات و الاجتماعيات، رغم وجود أساتذة أقدم منه كالمربي المرحوم تميم أبو حسون (خريج جامعة دمشق، قبله بأربع سنوات) و المربي المرحوم عبد الحليم السيد (شقيقأ سعد الله ونوسعبد الستار السيد، و هو خريج الأزهر و أقدم من محمد علي يونس بخمس سنوات) و هذا الاسناد في نظر المربي يونس كان أصعب امتحان يجريه في حياته كون أعمار الطلّاب قريبة جداً من عمره، فبينهم من لا يصغره إلّا بعام واحد أو عامين، فيما أكبر فارق زمني بينه و بين الطلّاب هو أربع سنوات، أي مدة مرحلة الدراسة الجامعية.

و كانت كتب المنهاج ضخمة و موسّعة، إذ كانت خمسة كتب لفرع اللغات، فمثلاً، و كما يفيدنا الأستاذ يونس: "إن بحث المتنبي وحده كان مئة وعشرين صفحة! فإذا وقفت أمام طلابي و كان درسي عبارة عن تلخيص للمنهاج فأي فائدة ستعود عليهم؟ لا شيء.. لذلك وضعت نفسي موضع المؤلفين، و اشتريت في ذلك العام بثمانمئة ليرة سوريّة (أي راتب شهرين) كتباً لها علاقة بالمنهاج و غير المنهاج، فمثلاً أذكر أنّي اشتريت ديوان المتنبي مع ما كتب من دراسات عنه، و كان من أفضلها في ذلك الحين ما كتبه طه حسين و عباس محمود العقّاد، و قس على ذلك بقية الشعراء و الكتّاب الذين كانوا مطلوبين في المنهاج.. و أتذكر أن طلّابي خلال السنوات الثلاث حازوا المرتبة الأولى على مستوى القطر، أذكر منهم عبد الوهاب السيد (أصبح مذيعاً في إذاعة لندن)، و منهم من الفوج الأوّل (زميلي لاحقاً) الأستاذ عبد الكريم قميرة موجّه مادة اللغة الفرنسية إذ نال البكالوريا عندي عام 1957م، و من الفوج الأوّل أيضاً زميلي و سميّ الأستاذ محمد علي يونس (من قرية "خربة المعزة") أبو حيان، و قد أصبح فيما بعد موجّه مادة اللغة العربية، أما من طلّابي في الفوج الثاني أذكر: المرحوم أحمد عيسى – ابن قرية مبعار شاكر(أمين فرع الحزب في طرطوس سابقاً، و سفيرنا لاحقاً في المغرب)، و هو من دارسي العلوم الطبيعية. و منهم المرحوم الشهيد الدكتور عدنان غانم (اغتاله الأخوان المسلمون عام 1979م), إذ درّسته عامين، و منهم أيضاً طبيب الجلدية المعروف الدكتور صالح داود (من قرية "بحنين") إذ نال البكالوريا عندنا في فرع العلوم الطبيعية عام 1958، و المسرحي الشهير المرحوم سعد الله ونوس حيث كان طالباً لديّ في الفرع الأدبي، و هو من الفوج الثاني من طلابي إذ نال البكالوريا عام 1958، و كذلك الدكتور محمود السيد (وزير ثقافة و تربية أسبق) أيضاً عام 1958 نال البكالوريا، و المهندس غسّان طيارة (صار وزيراً، و من ثمّ نقيباً للمهندسين فيما سبق)".

هنا أسأل الأستاذ محمد علي يونس ماذا يذكّر من مواقف له مع طلّابه المذكورين أو عن رأيه ببعضهم خلال وجودهم في المدرسة، لا سيّما أن معظمهم باتوا أعلاماً في الأدب و الثقافة و العلم كسعد الله ونوس و غسان طيارة و صالح داود و محمود السيد... الخ؟

فيجيبني: أما طلابي النابهون ممن ذكرت، فإنني كنتُ ألمح على وجوههم، و في دروسهم، سمات الذكاء و التفوّق، و كنتُ أثني عليهم و أشجّعهم أمام زملائهم.

و يضيف: أذكر أنني أنشأتُ في الصف الثاني، فرع اللغات، مكتبة خاصة به، زوّدتها بالكتب المناسبة لميول طلّابه، و زوّدتها بمجموعة صالحة من الكتب التي تنمي مواهبهم، و تزيد في معلوماتهم، و بعض هذه الكتب من مكتبتي الخاصة، و بعضها من مكتبة المدرسة، و بعضها من الطلّاب أنفسهم. و قد توقعت لهم المستقبل الباهر الذي كان ينتظرهم، و قد تحقق ظني فيهم و الحمد لله.

 

 

 

السفر إلى الجزائر.. و المساهمة في التعريبأ محمد علي يونس1

 

لم يدرّس الأستاذ يونس خارج مدينة طرطوس إلّا في صافيتا، ليوفد بعدها إلى الجزائر عام 1967.

في آذار و بعد وصوله الى الجزائر ببضعة أشهر يدخل إلى صفه المفتش العام لمادة اللغة العربية على مستوى الجزائر، و اسمه (المرحوم) عبد الرحمن شيبان (صار وزيراً للاوقاف في الجزائر) هو و مديرة الثانوية. يقول الأستاذ يونس: "كان درسي حول سينية البحتري عن ايوان كسرى، للبكالوريا، لم أتهيّب الزائرين و لم أتجاهلهما، و أكملت درسي بشكل طبيعي، فأثنت المديرة على درسي و كذلك الموجّه شيبان أثنى عليه، و قال لي: "أستاذ محمد، نحن بلد المليون شهيد، صحيح أصبحنا مستقلين سياسياً، و لنا اسم في مجلس الأمن، و أصبح لنا جيش و علم، لكننا ما زلنا بعيدين عن الاستقلال الحقيقي"، فسألته عما يقصده، فأجاب: "نحن برج بابل، ففي الصف التاسع (في المدرسة التي كان يونس يُعلّم فيها و هي في الجزائر العاصمة حيث دار الحديث) عشر شعب، في كلّ شعبة كتاب للغة العربية يختلف عن الشعبة الأخرى. إذ عندنا الكتاب السوري و العراقي و المصري و المغربي و التونسي و ليس عندنا كتاب جزائري خاصّ بنا. فنحن فعلاً برج بابل. كيف سنضع أسئلة موحدة و نحن لا نملك كتاباً موحداً؟". و يتابع شيباني قائلاً: "على ضوء ذلك شكلنا لجنة اسمها "لجنة التأليف المدرسي" و اخترناك أنت من سوريا و من مصر اثنين و من تونس واحداً و الباقي من الجزائر"، فطلبتُ منه إعفائي، قائلاً له: "إن التدريس بالنسبة إلي هواية"، فلم يقبل، مع العلم أنه كان رحمه الله أمازيغياً و يتقن العربية و الفرنسية و لغته الأم أي البربرية، و هو خريج جامعة الزيتونة. المهم، بقيت متفرغاً أربعة أعوام لاحقة للتأليف حسب المناهج لدى وزارة التربية الجزائرية، و كنتُ السوري الوحيد من بين خمسة آلاف سوري موجود إعارة في الجزائر، في تلك اللجنة.

يقول المربي محمد علي يونس عن تلك التجربة: "كان المؤلف هناك محترماً، و يحترمون التفرغ، قيل لي: أنت حر. إذ تكلّف مع ثلاثة أو أربعة مؤلفين لتأليف كتاب، فتجتمع لجنة تأليف الكتاب في أيلول.. الوزارة تحدد الموضوعات، فيما اللجنة تتقاسم المهام فيما بينها، و للمؤلف حرية مكان العمل سواء أكان في بيته أو مكتبه في الوزارة أو أي مكان يختاره و يراه مناسباً له، فالمهم هو انجاز العمل؛ و خلال هذا العمل الجاد المنتج اكتشفت خطأ علمياً تربوياً وقع فيه كبار المؤلفين و التربويين".

و هناك اكتشف خطأ تربوياً و علمياً، و حول ذلك الخطأ وماهيته يوضّح لنا قائلاً: "في كتاب الشهادة الثانوية الذي سأريك إياه بعد قليل (ينهض الأستاذ محمد علي يونس و يحضر نسخة من الكتاب المذكور، مع بضعة كتب أخرى لها علاقة في فترة وجوده في الجزائر)"

و يتابع قائلاً: "كان الخطأ في كتاب (المختار في النصوص و البلاغة و التراجم الأدبية) للثالث الثانوي، عندما اجتمعنا لمناقشة نص وصف الصديق الذي نسبته وزارة التربية الجزائرية لابن المقفع، قلتُ لزميليّ المصريين شريكيّ في تأليف الكتاب, و هما عبد الرحمن شاهين و عبد الفتاح حجازي: يا زملاء ستعدون حديثي مفاجأة بل صدمة، لأننا سنكتشف خطأ تربوياً و علمياً وقع فيه كبار الأدباء و المربين, و في مقدمتهم أستاذنا و أستاذكم أحمد حسن الزيّات، عندما ذهب إلى العراق و ألّف كتاب "تاريخ الأدب العربي" و هو عندنا في مكتبة الوزارة (في الجزائر)، فهذا النصّ ليس لابن المقفع. فسألاني: لمن؟ قلتُ لهما: هو للإمام علي بن أبي طالب، و هذا هو نهج البلاغة تفضلا و اقرأاه -كانت لديّ نسخة شرح الإمام محمد عبده-. فسألتهما: أيهما أخذ عن الآخر؟ فأجابا: ابن المقفع. فقلتُ: احتراماً للعلم و النزاهة و لأسلوبنا في التأليف يجب علينا أن نبرّئ ذمتنا، فنكتب ملاحظة حتى لا نُتهم بضعف التحقيق أو بالعناد و المكابرة و تجاهل الحقائق (يفتح الأستاذ محمد علي يونس صفحة في الكتاب المذكور، و يريني النصّ بعد إضافة الملاحظة التي مفادها: ورد نص مشابه لهذا النصّ منسوب للإمام علي بن أبي طالب في كتاب نهج البلاغة، و على ذلك يمكن القول إن ابن المقفع كان متأثّراً إلى حد بعيد بالإمام علي)"، و عندما سألته عن سبب اكتفائهم بالملاحظة دون تغيير النصّ كليّاً و نسبه إلى صاحبه الأساسي، يجيبني: "تحديد موضوعات المنهاج هو حق الوزارة، و ليس حق مؤلّف الكتاب المدرسي، و لذلك اكتفينا بالملاحظة التي أثبتناها في التعليق على النص".

 

ذكرى مؤلمة.. سرقة كتبه في مصر

عندما ذهب إلى الجزائر، كان نصابه الأسبوعي سبع عشرة ساعة فقط، و في جامعة الجزائر قسم للدراسات العليا، سجل موضوعاً للدكتوراه و كان عنوان رسالته "عبد القاهر الجرجاني و منهجه البلاغي", و أحضر كتابيه "دلائل الاعجاز" و "أسرار البلاغة" و ما احتاجه من كتب، و كانت تزيد عن المائتي كتاب؛ و حول تلك المرحلة يفيدنا قائلاً: "كتبتُ الموضوع و قطعت شوطاً بعيداً فيه، و قدمت تقريراً، من ثلاثين صفحة، للأستاذ المشرف الدكتور إحسان النص (أديب و أكاديمي سوري من دمشق، كان يدرّس في الجزائر هاتيك الفترة) الذي كان جاري في السكن أيضاً. فأجابتني وزارة التربية الجزائرية بما يلي: "كتابك يعود نفعه عليك وحدك، و يفيد البحث العلمي، و لكن نحن محتاجون إليك في تعريب الجزائر"".. هنا يعقب الأستاذ يونس, بالقول لفينكس: "و شخصياً وجدت أن واجبي في تعريب الجزائر أهم من طموحي الشخصي في الدراسات العليا، لذا توقفت عنها".

عند انتهاء إعارته في الجزائر، أرسل كتب مكتبته الغنية عبر الشحن البحري إلى الإسكندرية في مصر، و هناك تصادر الكتب جميعها باستثناء دفتر (يريني إياه الأستاذ) بخط يده، و هو ملخص "جامع الدروس العربية" للعلّامة اللبناني مصطفى الغلاييني.

يعلّق الأستاذ على مصادرة كتبه بجملة واحدة تضجّ أسى: "سامح الله الذين صادروا كتبي، لقد أخذوها، و بدماء باردة، غنيمة.. تركوا لي ملخص دفتر جامع الدروس العربية الذي استرددته من المرفأ في مصر في 17 آب 1974، يعني مثل هذا الشهر قبل ستة و أربعين عاماً- (ملاحظة من المُحَاور: بدأنا بهذا الحوار في 19 آب 2020).. ذكرتُ هذه الحادثة لتكون عظة لمن يرسل كتبه أو أي شيء من أثاث بيته بالشحن البحري إلى مرفأ الإسكندرية، لأن الداخل إلى هذا المرفأ مفقود، و الخارج منه مولود كما قيل.

 

و من ذكريات الجزائر...

و بالعودة إلى الجزائر، يقول الأستاذ محمد علي يونس: لي في الجزائر الشقيقة ذكريات عزيزة، إذ أمضيتُ فيها خمس سنوات معاراً لتدريس اللغة العربية ما بين سنوات 1967- 1972، كان لي فيها ذكريات كثيرة، أكتفي منها بذكر اثنتين: أولاهما المحاضرة التي ألقيتها في جامعة الجزائر في العاصمة الجزائرية بعنوان "أسطورة أرض الميعاد"، و الثانية مساهمتي في تعريب الكتب الجزائرية التعليمية.

أما الأولى، أي المحاضرة، فقد كانت بتكليف من اتحاد الطلّاب العرب، و في مقدمتهم طلّابي السوريون الذين كانوا يدرسون الطب في جامعة الجزائر، و كان ذلك في 28 أيار 1968، و كانت المناسبة مضي سنة واحدة على عدوان الخامس من حزيران، و قد حضرها جمع كبير من أساتذة الجامعة و طلّابها، و من المسؤولين في الحكومة الجزائرية و السفارات العربية و الأجنبية، و قد قوبلت بالتصفيق مراراً.. و بلغ الحماس بالحاضرين أن تبرعوا للمحاضر بثلاثة آلاف دينار جزائري، و هو مبلغ مجز، فقدمّه هدية إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

و أما الحديث عن التعريب فذو شجون، بحسب قوله، و يستطرد قائلاً: "لو أنني ألفت فيه كتاباً لما وفيته حقه، ذلك أن المستعمرين الفرنسيين خلال احتلالهم الطويل الذي استمر من عام 1830- 1962م بذلوا كل ما عندهم ليجعلوا من الجزائر أرضاً فرنسية بلغتها و تاريخها و عاداتها و عمرانها و كل شيء فيها. فقد أشاع خصوم التعريب، بكل الوسائل، كلّ ما يسيء إلى اللغة العربية، و الحطّ من شأنها و قدرتها على مواكبة التقدّم العلمي و الحضاري، فزعموا أنها لغة التكايا و الزوايا، و لغة الجن و الخرافة و التدجيل. و أنها عاجزة عن أن تكون لغة العلم و التكنولوجيا.. و أن على الجزائريين أن يعتمدوا على الفرنسية في المدارس و الجامعات لأنها لغة العلم و الحضارة... و نسوا أو تناسوا أن اللغة العربية كانت لغة العلم و الفلسفة في العصور الوسطى، و أنها قبل ذلك لغة القرآن الكريم، و لو لم تكن لغته لضاعت هويتنا القومية في الجزائر و في غيرها. و كانت حجتنا في الدفاع عن اللغة العربية قوية و مفحمة، إذ كنا نقول لخصوم التعريب: ما رأيكم في المدرسين السوريين العاملين في بلادكم، مدرسي الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و العلوم؟ ثم ما رأيكم في المهندسين و الأطباء السوريين ممن يعملون عندكم؟ هل هؤلاء دون مستوى زملائهم الجزائريين الذين حصّلوا اختصاصاتهم باللغة الفرنسية؟ و كان الجواب: لا. و عندها كنا نقول لهم: إذن ليست العلّة في اللغة العربية لأنها كانت لغة العلم في الجامعة السورية منذ تأسيسها، في عام 1919م، و إنما العلّة فينا، نحن أبناء اللغة العربية، الذين أنكروا فضلها، و فضّلوا لغة المستعمر الأجنبي عليها، و بذلك ينطبق علينا قول الشاعر:

نعيب لساننا و العيب فينا                 و ليس لدهرنا ذنب سوانا

و ليس الذئب يأكل لحم ذئب             و يأكل بعضنا بعضاً عيانا"

 

 

 

تفسير القرآن.. لماذا؟أ محمد علي يونس كتاب تفسيره

 

من المعروف أن الأستاذ محمد علي يونس وضع تفسيراً جديداً للقرآن الكريم، و قد أخذ من وقته ثلاثين شهراً متواصلاً، بمعدل ثماني ساعات كل يوم، و هو الآن في طريقه إلى الطباعة بعد نيله الموافقات الرسمية المطلوبة. اعتمد في تفسيره على قرابة مئة مرجع و ثلاثين كتاباً من كتب التفسير الشهيرة، و حول هذا الجهد الجبّار و العمل الفذّ, نسأله:

لماذا قمتم بوضع تفسير جديد للقرآن الكريم؟

يجيب: "سئلت عن هذا الأمر، و كنّا مجموعة من المهتمين، أذكر منهم: الدكتور توفيق البوطي و الأستاذ مجد يونس و الشيخ علي حسن رمضان و ابن عمنا الدكتور سليمان غانم و مشايخ من آل غزال في اللاذقية، في منزل وزير الأوقاف الحالي الدكتور محمد السيد الذي أشكره لمساعدته لي في اعطائي رخصة طباعة تفسير المصحف و نشره و تداوله، و كنتُ أرسلتُ له نسخة منه في كانون الثاني 2019، و خلال عشرة أيام وافاني بموافقة وزارة الاعلام أيضاً، و هذا العام طلبت منه اعطائي موافقة وزارة الأوقاف، و سجلته في إدارة حماية الملكية الفكرية في وزارة الثقافة كي لا يُنتحل.. أقول: سُئلت في منزل الوزير: لماذا هذا التفسير؟ فأجبتهم: ان التفاسير المطولة عندنا مثل الطبري (ثلاثون جزءاً) لا تفيد إلّا عدداً قليلاً من القرّاء و المهتمين، و من ثمّ لا توجد قدرة مالية على شرائها لدى جميع من يرغب باقتنائها لأجل قراءتها، ناهيكم أنّ هذه المطولات تحتاج إلى وقت طويل لقراءتها.. بمعنى قرّاءها قلائل. أما التفاسير المختصرة كتفسير الجلالين و أمثاله، ففيها ايجاز مُخلّ، بالإضافة إلى لوثة التعصب من هنا و هناك من جهة المفسّر، فإذا كان المفسّر متعصباً لمذهبه فإنّه يسيء إلى منهجه، و هذه الآفة موجودة لدى السفهاء من كلا الطرفين. يضاف إلى ذلك أن بعض المفسرين المعاصرين (لم أسمهم في اجتماعنا ذاك) يقعون في الأخطاء اللغوية المقبولة من صحفيين، لكن من غير المقبول أن يقع فيها مختص في اللغة، فما بالك بمن يتصدون لتفسير القرآن الكريم؟ أضرب لك مثلاً: كلمة "صدفة" من الأخطاء الشائعة, و الصواب هو "مصادفة", و كذلك قولنا "الأمة العربية لا ترضخ للضغوط", كلمة ترضخ خطأ و الصواب "تخضع"، و كلمة "النوايا" من أين أتوا بها؟ الصواب هو "النيّات".

يكملُ حديثه قائلاً: أهم من كلّ ما سبق هو وجود أخطاء، في التفاسيرـ قديمها و حديثها، يرفضها العقل و الدين. و طبعاً وقع فيها أصحاب المطولات.. خذ مثلاً ما أورده الطبري و ابن كثير و غيرهما حول غزوة بدر، إذ قالوا انتصر المسلمون في غزوة بدر و قتلوا سبعين مشركاً و أسروا سبعين منهم، و قالوا –و بئس ما قالوا- اختلف المسلمون في مصير الأسرى، فالرسول صلى الله عليه و آله و سلم و مع أبي بكر رضي الله عنه ارتأوا اطلاق سراح الأسرى مقابل فدية، أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا إلى قتل الأسرى، و نزلت الآيتان 67 و 68 من سورة الأنفال، و هي قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68)﴾.. يثخن أي يكثر من القتل و الجراح بمعنى يتغلّب على عدوه. عرض الدنيا أي المال و الفدية. والله عزيز أي قوي لا يُغلب أنصاره؛ حكيم أي يضع الأمور في مكانها الصحيح.. أما المشكلة في تفسيرهم للآية 68 من سورة الأنفال. و السؤال: أين عصمة النبوة؟ أين مقام النبوة؟ و أين نذهب بقوله تعالى في سورة النجم: "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى...."؟ فهل يعقل أن يكون النبي هو الخطأ و أحد أصحابه هو الصواب؟! و ألا يتناقض ذلك مع ما أتى في سورة النجم؟!

أكثر من ذلك، يورد بعض المفسرين القدامى إن النبي و أبا بكر شوهدا يبكيان بعد نزول الآيتين، فسئلا: لماذا؟ فأجاباهما: لو نزل عذاب من السماء، لما نجا منه إلّا ابن الخطاب.. و حقيقة هذا التفسير يتناقض مع الثناء الذي خصّ القرآن الكريم به (عبر سورة النجم، مثالاً لا حصراً) السيد الرسول. نعم يوجد مفسّرون تجنبوا الوقوع في هذه الورطة كالطبرسي في "مجمع البيان" و الرازي الشافعي في "التفسير الكبير"، إذ قالا لا، و أوردا جميع ما قيل، و أضافا أن الاقتراح (الفدية) كان من الصحابة أو بعضهم و لم يكن من النبي الذي حذّرهم أنّهم إذا ما أطلقوا سراحهم مقابل الأسرى سيُقتل منكم كعددهم في أول حرب قادمة، و كان ذلك فعلاً في غزوة أحدأ محمد عبد الستار السيد.

كما ترى في تفسيرنا حفظنا كرامة نبينا، و قدمنا دليلاً جديداً على عصمته، و على صدقه، فقد تنبّأ بما سيكون و قد صار ما تنبأ به.

أسأله: هذا النقاش كله جرى في بيت الوزير؟

يقول: نعم جرى كلّه في بيت السيد الوزير، و كان ذلك في 29 تشرين الآخر 2018.

-سمعت أن وزارة الأوقاف طبعت لكم هذا التفسير؟

فيجيب: طبعت وزارة الأوقاف على حسابها, مشكورة، ثماناً و أربعين نسخة فقط، و كانت طباعة عادية، ثم توقفت، و أنا لم أسألهم عن السبب و هم لم يتصلوا بي، و أنا لا أكلّفهم أكثر من طاقتهم، و أشكر وزير الأوقاف الدكتور محمد السيد كونه أجاز لي طباعته، و منحني الموافقات المطلوبة، و لا أريد أكثر من ذلك.

-حسناً، و الآن كيف ستطبعه؟ و أين؟

-يقول: سأطبعه على نفقتي، و ذلك بمساعدة بعض الأصدقاء و الأقرباء.. و ستتم طباعته قريباً إن شاء الله، و أعدك بنسخة هدية لك مني، فعسى أن تفوز برضاك.

- على ماذا اعتمدت بتفسيرك للقرآن الكريم؟

اعتمدت في عملي في تفسير القرآن الكريم على ثلاثين تفسيراً تمثّل شتى المذاهب المتبعة في التفسير، من التفسير بالمأثور إلى التفسير بالرأي، إلى الذي يجمع بينهما. أما الكتب المساعدة، فإنني ذكرتُ منها 96 مرجعاً من مئات المراجع التي استفدت منها، و الحمد لله أنني لم أستعر كتاباً واحداً، بل كلّ ما ذكرته من كتب التفسير، و الكتب المساعدة فيه هي ملكي الخاص، و تشكّل مكتبة تضم بضعة آلاف من الكتب.

  • دعني أسألكم عن رأيكم بالقراءات المعاصرة (للنص القرآني) التي قدّمها المرحوم الدكتور محمد شحرور؟أ محمد شحرور
  • رأيي، في هذه القراءات، سلبيّ جداً، لأنّه لم يعرف حدّه فيقف عنده، فهو – رحمه الله- دكتور في الهندسة، فلو أبدى رأيه في موضوع يتعلّق باختصاصه لعذرناه، و قلنا: من حقه أن يبدي رأيه في موضوع يتعلّق باختصاصه، لكنه عندما زعم أنّ القرآن غير الكتاب فهو رأي يدلّ على جهل صاحبه بفقه اللغة و بمزية الترادف التي جعلتها من أكثر اللغات غزارة و اتساعاً... فالدكتور شحرور في كتابه حول القرآن يهرف بما لا يعرف، و قد كفانا مؤونة الردّ عليه صديقي و صديقك، فقيد العلم و الأدب المغفور له الدكتور أحمد عمران الزاوي بكتابين قيمين لا يستغني عنهما أي باحث أو مثقف تهمه معرفة الحقيقة المتعلقة بهذا الموضوع، و هما: "القراءة المعاصرة في الميزان" و "قصة القرآن مع الدكتور شحرور".
  • أفهم من جوابكم أعلاه أن ثمة ترادفاً في اللغة العربية؟
  • فيجيب: نعم.. و الترادف هو أن يكون للمعنى الواحد كلمتان أو أكثر تدل عليه، و يكون في الأفعال مثل: قعد و جلس. و ذهب و مضى. و في الأسماء مثل: ليث و أسد و ضرغام.. الخ. و من اللغويين من أنكره مثل أبي علي الفارسي، و منهم من أثبته و هو الصحيح، لأنّ له شواهد كثيرة في القرآن الكريم و الحديث النبوي، و كلام العرب، شعره و نثره، قديماً و حديثاً.
  • أخيراً: أرى مكتبتكم غنية وعامرة، خاصّة في كتب التراث.. إلى درجة أتساءل معها إن كان يوجد كتاب في التراث ليس ضمن رفوفها؟ و كم عدد الكتب فيها ان كنتم قد أحصيتموها؟ و كم عدد الكتب التي سرقت لكم في ميناء الإسكندرية في مصر؟
  • فيقول: مكتبتي تضم الكثير من كتب التراث في شتى العلوم و الفنون و الموضوعات، و لكنها لا تضم جميع كتب التراث، فكتب التراث، كما تعلم فوق العد و الإحصاء، و لكنني خلال مسيرتي التربوية اقتنيتُ مجموعة كافية لأفيد منها بكل ما يتعلّق باختصاص اللغة العربية، و الثقافة العامة. و لم أقم بإحصاء دقيق لعدد الكتب التي تضمها مكتبتي، لكني أقدرها ببضعة آلاف، ربما خمسة آلاف كتاب.
  • أما الكتب التي سُرقت في مصر، فتزيد على المائتين، منها كتب عبد القاهر الجرجاني: "دلائل الإعجاز و أسرار البلاغة"، و مجموعة كبيرة من كتب البلاغة و النقد الأدبي قديماً و حديثاً، لا توجد كلها في أية مكتبة خاصة أو تجارية إلّا إذا كانت هذه الكتب خاصة بموضوع يتعلّق بالدراسات العليا.
  • و قد ذهبت إلى مصر من سورية صيف عام 1974 لأعوض الكتب التي سرقها مني لصوص جمارك الإسكندرية... و ها هي أمامك (يريني سجلاً بعناوين الكتب التي سرقت) فانظر إليها و سجّل بعض أسمائها ان شئت، و قد عوضني الله بوضع "التفسير الواضح للقرآن الكريم".

حاشية من المحرر:

من الجدير قوله إنّ مشروع رسالة الدكتوراه الذي كان قد تقدّم به التربوي محمد علي يونس إلى الجامعة في الجزائر و لم ينجز، و قد سبق الحديث عنه في الحوار، اعتمد في مصادره على: 81 مصدراً من المصادر القديمة، فالمصادر اللغوية و الأدبية و النقدية و البلاغية كان عددها 51 مرجعاً، فيما عدد كتب التفسير و الحديث كان 6، أما كتب التراجم و الطبقات فقد كان عددها 11، في حين كان عدد مراجع كتب التاريخ و الجغرافية 4، أما عدد مصادر الدواوين الشعرية فكان 9.
في حين كان عدد مصادر المراجع الحديثة 74 مصدراً.

عدد الزيارات
16177979

Please publish modules in offcanvas position.