شخصيّة من طرطوس.. الفنان ثلاثي الأبعاد جورج عشّي.. الفتى الذي أبرق لجمال عبد الناصر

أُبيّ حسن- فينكس- طرطوسجورج عشي فنان يسطع في سماء سوريا

منذ عام 1998، أصادف الفنان جورج عشي داخلاً الى مقهى الروضة في شارع العابد وسط دمشق، حاضناً كاميرته الأثيرة لديه؛ يسلّم بأدب جمّ و لطف ملحوظ على أصدقائه الحضور، الذين كنتُ من ندمائهم (أذكر منهم الأديب الراحل عادل أبوشنب و الكاتب الراحل حمدان حمدان و التاجر أبو جورج محشي، و أحياناً الصناعي أبو رزوق صاحب معامل "تيفال".. الخ)، ثم سرعان ما ينفرد بالجلوس وحيداً على طاولة لا على التحديد منهمكاً بكتابة قصيدة غنائية أو منشغلاً برسم لوحة أو قراءة صحيفة، و ربما يتسلّى بحل كلمات متقاطعة في جريدة بيده..

كان ما يلفتُ انتباهي به أنه شخص شديد الانضباط و التنظيم، و كنت أستغرب ذلك في باكورة معرفتي به، في هذا الحوار سأعرف السبب الكامن خلف التزامه المفرط –ان صح التعبير- بالانضباط في حياته و علاقاته.

ذات يوم، من عام 1999، عانى جورج من مشكلة مع "نادي التصوير الضوئي" الذي كان فضل تأسيسه يعود إليه قبل نحو العقدين من ذلك التاريخ.. و سيكون "حلّ" المشكلة كائن في فصله من النادي الذي هو من أسسه(؟!).. في هذا الحوار سنتطرق إلى هذا الموضوع.

الأستاذ جورج عشّي, ليس فقط مصوراً صحفياً كما كنتُ أظن في بدايات تعرفي عليه، بل هو كذلك، و قبل ذلك، شاعر غنائي غنّى و لحن كلماته كبّار المطربين و الموسيقيين العرب، منهم مثالاً لا حصراً: سيد مكاوي، ملحم بركات، فهد بلان، ربيع الخولي، نعيم حمدي، و غسّان صليبا.. و جورج رسّام تشكيلي بارز في سوريا، و هو أيضاً مصوّر فوتوغرافي..

حول رحلة الأستاذ جورج مع الصورة و اللوحة و الكلمة، و قبل هذا كلّه تكوينه الأوّل في "ضهر صفرا" و أماكن تنقّل الأسرة, كان لفينكس معه هذا الحوار:

 

الولادة.. و النشأة, و الطفولة.. و ذكريات عن الأب المثال

يفيدنا الأستاذ عشّي بالقول: "ولدتُ في قرية ضهر صفرا المحاطة بالوديان من ثلاث جهات، أما الجهة الغربية فجارها البحر، ناهيك عن أن قلعة المرقب تطلّ علينا من الشمال، فيما جارنا من الشرق نهر مرقية.. كانت ولادتي سنة 1940 لأب أتى مهاجراً من قرية سبعل في لبنان، و هي قرية الشاعر الغنائي الكبير أسعد السبعلي الذي كتب للعملّاق وديع الصافي أعذب و أغلب أغانيه".

و حول سبب قدوم الاب من لبنان الى سوريا، يقول الأستاذ عشّي: "كان ذلك ترجيحاً عام 1914 هرباً من سفر برلك، و سنتذاك لم يكن لبنان و سوريا قد صار كل منهما دولة مستقلة، إذ كان George Ashy - جورج عشيالساحل السوري و اللبناني و صولاً للساحل الفلسطيني كياناً سياسياً واحداً اسمه "ولاية بيروت" يخضع لسيطرة الاحتلال العثماني, فكان أن أتى والدي متخفياً إلى قرية ضهر صفرا، و كما قلت (الأرجح) هرباً من سفر برلك.. كنتُ الابن الأصغر في الأسرة المكوّنة من ثلاث بنات و شابين، و باعتباري الأصغر فقد نلتُ حظاً كبيراً من اهتمام والدي و رعايته و دلاله لي".

و عندما نسأله ماذا تذكر عن تلك الفترة، خاصّة في حضن الأب الذي عمل مدرّساً لمادة اللغة العربية، يسرد قائلاً: "مذ كنتُ في الرابعة من عمري، كان والدي يصطحبني معه إلى مجالسة أقرانه الكبار، و بدهي أنّي كنتُ أسمع أحاديثهم و المواضيع التي يتحدثون بها و التي كانت بطبيعة الحال فوق مستوى سني و ادراكي، لكنّها باللاوعي جعلتني أنضج مبكّراً، و وجدتُ نفسي أكثر وعياً من أبناء جيلي، أضف إلى ذلك أن والدي كان يقرأ على مسمعي أشعار صديقه الشاعر الغنائي اللبناني الكبير أسعد السبعلي الذي كما تعرف أنّه كتب أجمل الأغاني التي غنّاها المطرب الكبير وديع الصافي، و كان من الطبيعي أن تؤثّر تلك الأشعار، تدريجياً، في نفسي. ناهيك أن أبي كان يغرس في داخلي حبّ الرسم، إذ كان يرسم لي في طفولتي أشياء تتناسب و مخيلتي كالفواكه و الخضار و بعض الأشياء التي أدركها".

بعد سن الخامسة، ستبدأ حياة جورج عشّي في المدرسة حيث تفاعل (ربما) للمرة الأولى مع مجتمع الأطفال، و من ثمّ انتقل إلى الكشفية و بعدها إلى الكشّافة، كان ذلك في مدينة اللاذقية التي انتقل إليها صغيراً، مع عائلته، بغية التعلّم في مدرسة "راهبات القلبين الأقدسين"، و هذا الانتقال لم يقف عائقاً بينه و بين قريته الساحرة "ضهر صفرا"، و هناك في اللاذقية خلال زيارته مع والده لمنزل قريبهم النحّات "ميشيل أيوب" بدأ يتلمّس دهشة الفن خاصّة عندما كان يتأمّل المنحوتات الرخامية لقريبه أيوب فيما والده يكون منشغلاً بالمطالعة في مكتبة القريب ذاته الكائنة في قبو منزله بجانب المنحوتات.

أسأله: إن كان يذكر حادثة من ذاكرة الطفولة و الفتوة عن الأب غير ما تفضّل به؟ فيجيبني: "كان والدي يهتم بنوعية أصدقائي، فكان يراقب من أرافق من أصدقاء، و بناء على مراقبته هذه، كان يقول لي: فلان شخص غير جيد و لا تلزمك صداقته، و فلان انسان جيد و محترم حافظ على صداقته".

كان والد جورج, و هو من مواليد 1889م، من خريجي المدرسة اليسوعية (الجزويت) في بيروت عام 1909م، درس فيها الأدب العربي. (صارت "اليسوعية" جامعة لاحقاً)

يقول جورج: "شجّع والدي آهالي قرية ضهر صفرا على انشاء مدرسة ابتدائية في القرية، كان ذلك عام 1920م ترجيحاً، و استقدم راهبات للعمل فيها, تعلّم في هذه المدرسة معظم جوار ضهر صفرا، و ممن درسوا فيها يوسف محفوض (عالم جولوجيا) و فؤاد محفوض (أستاذ رياضيات, و لاعب كرة الطائرة و السلّة في منتخب اللاذقية فيما مضى)، كما تعلّم فيها وليد البوز الذي صار عضو قيادة قطرية في حزب البعث، و غيرهم الكثير".

 

رحيل الاب.. السقوط في البروفيه.. و الدخول الى السجن.. الطريق إلى الرسم

عندما كان الفنان عشّي في الثالثة عشرة من عمره خطف الموت والده، عند ذكر وفاة الأب يبدو التأثر على جورج عشّي الذي يقول: "حزنت جداً على موت أبي، إذ كنتُ متعلقاً به بشكل كبير، فعلاقتي معه كانت أقرب إلى الصداقة، كنت سنتذاك في البروفيه، و رسبت في ذلك العام بسبب حزني على صديقي الذي هو والدي.. لم أدرس اطلاقاً؛ في الفنان جورج عشي – Syria Artهذه الأثناء زارنا أقارب من لبنان، فأخذوني معهم إلى مدرسة "الفيمارست" في بلدة جونيه بلبنان، و في تلك المدرسة و خلال عام أتقنت الفرنسية بشكل مذهل، و نلت المرتبة الخامسة على مدارس الأخوة المريمية في الفيمارست على مستوى العالم، لكن حنيني إلى اللاذقية و رفاقي فيها دفعني للعوة إليها مجدداً حيث قدمت البروفيه مرة أخرى هناك و نلتها".

بعد نيله للبروفيه سيحدث ما يمكن اعتباره مفصلاً مهماً في حياة جورج الشخصية و حياة عائلته، فالمعروف أن أسرته من الحزب السوري القومي الاجتماعي، فكان أن وجدت المباحث في عهد عبد الحميد السرّاج, في منزلهم، و في ذكرى ميلاد الزعيم انطون سعادة، منشوراً انتخابياً في الأول من آذار عام 1954 (شهدت سوريا في ذلك العام انتخابات نيابية) بعنوان: "القومية هي توزيع غنى و ليست توزيع فقر"، كان المنشور يخصّ شقيقته الموظفة و المنخرطة في الحزب السوري القومي، فعندما سألت المخابرات لمن هذا المنشور؟ يقول جورج: "ألهمني الله على الإجابة فوراً: إنه لي أنا". كان من نتائج قوله ان المنشور عائد له أن دخل السجن لمدة أربعة أيام، و هو دون الرابعة عشرة من عمره. طبعاً، زعم ان المنشور له كي يحمي أخته من الاعتقال من جهة، و كونها هي المعيلة الوحيدة للأسرة بعد وفاة الأب. بعد هذه الحادثة ستبذل الأخت جهودها كي تنتقل بوظيفتها و أخوتها الى حلب كي تأمن شرّ الوشاة. و هناك سيدخل جورج الى المدرسة ذاتها التي كان فيها في اللاذقية أي مدرسة "الآرض المقدسة" و في هذه المدرسة تعلّم الانضباط و التنظيم في الوقت و العلاقات.

انتقالهم إلى حلب، لم يحل مانعاً دون تعقب أجهزة عبد الحميد السرّاج للعائلة هناك و بالآتي معرفة تلك الأجهزة بنشاط الأخت، التي فصلتها مخابرات السرّاج من وظيفتها عام 1958م فصلاً تعسفياً، لتصبح العائلة فجأة بلا معيل، فيما الفتى جورج صار في الصف الحادي عشر!.. هنا نسأله: "كيف تدبرت أمر المدرسة في الحد الأدنى؟"، فيجيب: "امتنعت عن الذهاب اليها لعجزي عن دفع قسطها، فجمع لي زملائي القسط و أخذوه الى المدير و كان هولندياً، فأجابهم: لا، لن آخذ القسط منكم، و جورج سيعود الى المدرسة دون أي قسط.. و أقدم المدير على الايعاز لأخ لديه في المدرسة أن يعمل على تكليفي برسم أيقونات قبالة أجر لمعرفته بوضعنا المستجد في المنزل من جهة توقف الدخل المادي الذي كان يأتي عن طريق أختي، إذ كان لديه معرفة بإتقاني للرسم خاصّة عندما أعادني الى المدرسة كنتُ قد قدمت له لوحة رسمتها أنا لبيتهوفن، تعبيراً عن شكري و امتناني له، و هذا تصرف من قبلي أثّر به جداً.. و أضيف هنا: أنّ رحلتي مع الفن التشكيلي كان قد بدأت من هنا".

 

الفتى الذي أبرق لعبد الناصر على خلفية فصل السرّاج لأخته من عملها

في عام 1959، اختاره مدرب مادة "الفتوة" ضمن نخبة من الطلّاب للذهاب الى القاهرة بغية المشاركة في الاحتفال بالذكرى الأولى للوحدة السورية- المصرية، من خلال عرض للنظام المنضّم بصفته كان يتقنُ حركات هذا النظام، بيد أنّه اعتذر عن السفر تحت ضغط الضائقة المادية (كانت السفرة تكلّف 100 ليرة سوريّة بحراً، تبدأ من اللاذقية الى بور سعيد و من هناك برّاً الى القاهرة)، لكن مدرّب الفتوة سيرفض اعتذار طالبه و يصرّ على ذهابه و على حسابه (حساب الأستاذ). يقول جورج: "بعد إصرار مدرب مادة الفتوة جهّزت نفسي للذهاب، و أمّنت مبلغاً من المال كي يساعدني على الانفاق هناك. في القاهرة وزعوا الوفد السوري و كان اسمه وفد الإقليم الشمالي على ثلاث مجموعات في السكن، و كان نصيبي أنا و البعض في جامعة البحوث الإسلامية فيما زملائي كان نصيبهم جامعة عين شمس و جامعة القاهرة، و كان معنا مدة يومين نتفسح بهما في القاهرة قبل بدء عرض النظام المُنضم. خلال تجوالي في القاهرة صادفت مكتب بريد، فسألت الموظف فيه ان كان بإمكاني ارسال برقية، فأجابني بنعم و أعطاني قلماً و ورقة كي أكتب برقيتي، فكتبت: سيادة الرئيس جمال عبد الناصر أنا فلان الفلاني قادم الى القاهرة للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لقيام الوحدة، و شرحت له في البرقية وضعي العائلي ذاكراً أخي الذي يخدم العلم و أختي الموظفة التي سُرّحت من وظيفتها لأنها تشكّل خطراً على أمن الدولة, إنّي أسألك يا سيادة الرئيس كيف يمكن لفتاة أن تشكّل خطراً على أمن دولة رئيسها جمال عبد الناصر؟.. الطالب الفتى: جورج عشّي"، يخبرنا جورج كيف ذُهل موظف البريد من مضمون البرقية، معيداً قراءتها أكثر من مرة، سائلاً الفتى جورج ان كان متأكّداً من ارسال البرقية الى الرئيس جمال عبد الناصر، فيجيبه الطالب الفتى بنعم، و كان تكلفة البرقية جنيهاً واحداً.

يضيف جورج: "بعد ارسالي للبرقية استغربتُ بيني و بين نفسي تصرفي.. و بعد ارسال البرقية بيومين، صار يقصدني نحو خمسة شباب مصريين بعيد الانتهاء من نشاطنا، كي يأخذوني في جولات سياحية ضمن القاهرة، و كنتُ أستغرب تصرفهم, كانوا في غاية اللطف معي.. عللتُ اهتمامهم بي بمحبتهم للسوريين. و عندما عدتُ الى سوريا رويتُ لأختي كل ما جرى معي في القاهرة باستثناء موضوع البرقية كوني نسيتُ أمرها ظناً مني أنّ أحداً لن يهتم بها". هنا ستقول له أخته إن الرئيس جمال عبد الناصر كان حريصاً على عودتها لعملها قبل رجوعه (شقيقها) من القاهرة الى حلب.

هنا يعقب جورج عشّي بثقة و بلهجة لا تخلو من حنين لتلك اللحظة: "يبدو أن عبد الناصر قرأ البرقية في اليوم ذاته، و استنتجت –لاحقاً- أنّهم وضعوا أولئك الشباب في رفقتي كي يعرفوا من خلال تواصلهم معي و قربهم مني ما هي قصتي، و كان من حسن الحظ أن نسيت أمر البرقية، لأن ذلك ساعدني على التصرف بسجيتي مع أولئك الشباب المصريين".

بعد نيل جورج البكالوريا، سرعان ما سيتوظّف بالريجي، بغية مساعدة أخته في الانفاق على المنزل، قبالة دراسته للديكور في المدرسة الدولية في لبنان بالمراسلة، كون وضعه المادي لم يكن يسمح له الالتزام بالدوام، لذا كان يذهب الى لبنان كل أسبوع و أحياناً كل أسبوعين مرة، لمتابعة مشاريعه الدراسية و الاستفادة من ملاحظات أساتذته الذين يتذكر منهم الأستاذ مارون نجم.

لم يطل الامر بجورج و عائلته حتّى ينتقلوا إلى دمشق، و هنا سيبدأ في كتابة الأغاني التي ستجد طريقها الى النور عبر كبار الملحنين و المطربين العرب.

يقول لنا: "كتبتُ أوّل قصيدة عام 1963، و سجلها المطرب جلال سالم بألحانه وصوته في القاهرة, (كان المفترض أن تغني له أول أغنية نجاة الصغيرة، و لا يعرف ماذا جرى بينها و بين جلال سالم حتى لم يتفقا)، و كنت تعرفت على سالم عن طريق نعيم حمدي".

 

منير الأحمد و الطريق الى الموسيقار سيد مكاوي

كان منير الأحمد (ابن بدوي الجبل) رئيس دائرة الموسيقا في إذاعة دمشق، و كان مهتماً بجورج عشّي، فكلّفه خلال زيارة الملحنين الكبار الذين تستقدمهم الإذاعة السورية بغية رفع سوية الاغنية السورية، أن يكتب لهم, و جمعه بسيد مكاوي الذي كان ينوي التلحين لفهد بلان.. يستذكّر عشّي لحظات مقابلته لسيد مكاوي بالقول: "هنا شعرت بالتحدي، لكن عندما قابلته غمرني بلطفه كما أدهشني بتواضعه، قال لي: يا جورج، لديّ مطلع أغنية تقول: يا غزال يا غزال العشق حلال.. دوبتني دوب خلتني خيال. هل تستطيع نسج أغنية على هذا المقطع؟! و أردف مكاوي: أعطيته للشاعر الكبير صلاح جاهين لكنه اعتذر عن تكملته لضيق وقته. أجبته: أحاول".

غاب جورج عشّي يومين و عاد بعدها إلى سيد مكاوي، ليطلعه على ما كتب و كان وفق ما روى لنا جورج:

"يا غزال يا غزال العشق حلال.. دوبتني دوب خلتني خيال

الرحمة شوية يا غزال الريم..... من حي لحي تاركني أهيم

أشكي للناس و أقول للناس.. العشق ضلال؟ يقولو لي لا، العشق حلال"

طبعاً, و كان سرور سيد مكاوي كبيراً بالكلمات، لذا يوم تسجيل الاغنية، التي كانت بصوت العملاق فهد بلان، ستصرّ زوجته على مرافقته، اعجاباً منها به كونه لحن لأم كلثوم، و عندما عرّفها الشاعر عشّي بالسيد مكاوي، قبّل الأخير يدها و قال لها: انتبهي على زوجك، انّه ثروة"، يعقّب جورج: "لم أصب بالغرور جرّاء ثناء سيد مكاوي عليّ إنّما شعرتُ بالخجل الممزوج بالغبطة".

George Ashy - جورج عشيكما كلّفه منير الأحمد بالكتابة لمحمد عبد المطلب, فكتب له أغنيتين لحنهما له سهيل عرفة.

و عند حديثنا معه عن الفن راهناً قياساً بما كان عليه في السابق، يعتقد جورج عشّي أن الفن الغنائي بات هابطاً في راهننا قياساً بما كان عليه فيما مضى، فثمة استسهال من قبل العاملين في هذا الحقل من قبل الاستعانة بالكمبيوتر الذي بمقدوره جعل النشاز غناء، ناهيك عن أن مطرب اليوم لم يعد يتعب صوته بالتمرين اليومي على الأداء، كما ان العازف لم يعد يمرّن أصابع يديه في العزف على العود و القيثار و غيرها من أدوات موسيقية.

يميل الشاعر عشّي الى كتابة الاغنية الوطنية، و في هذا الصدد يقول: "على من يريد كتابة الاغنية الوطنية ان يكون متابعاً جيداً للأحداث السياسية، و أن يكون متفاعلاً بكلماته مع أوسع شريحة من الجماهير.. مع الأسف أن بعض من يكتبون الأغنية الوطنية اليوم لم يقرأوا صحيفة في حياتهم، و ليس لديهم أدنى ثقافة سياسية". و هو مع ذلك يحمّل المعنيين بالأمر جزءاً كبيراً من مسؤولية المستوى الهابط في بعض الأغاني الوطنية، فمثلاً، و بحسب قوله: "تكتب الاغنية و تجد من يلحنها و يغنيها، لكنها تنام في أرشيف الإذاعة، و قد تكون الاغنية لمناسبة او حالة ما, و مجرد بقائها في الأرشيف لسنوات يفقدها زخمها و الوظيفة الموكلة إليها، مثلاً عام 2014 كانت تشهد بلدنا موجة هجرة مرعبة، فكتبت على أثرها نصاً و تمت الموافقة عليه، لكنّه حتّى الآن لم ينفّذ، و عدم تنفيذه في حينه أفقده الكثير من وظيفته و زخمه.. بمعنى: لدينا سوء توزيع و إدراك في التنفيذ، و هذا ليس سرّاً". و في هذا الجانب يضيف: "تكتب الأغنية دون أن تعرف من سيؤديها، و من الوارد جداً أن يعطي رئيس دائرة الموسيقا في الإذاعة كلمات أغنية ما لمطرب ما، قد لا تكون صالحة لصوته، في حين تكون صالحة لصوت زميل آخر له، و هنا المفترض أن يناقش رئيس دائرة الموسيقا كاتب الاغنية بمن ينصح بأدائها من المغنين".

 

التصوير.. من الهواية إلى الحرفة

كان منذ طفولته يهوى التصوير دون أن يكون بالنسبة له حرفة، لذا لم يفكّر بإقامة معارض، حتى كان مطلع عام 1983 عندما أتى الى سوريا وفد من منظمي "أنتر برس فوتو العالمي"، و كانت زيارته الى المنزل قائمة على جدول أعمال الوفد، و عندما رأوا صوره أصروا عليه المشاركة في معرض يقيمونه، هنا يصف لنا مفاجأته من طلبهم و اصرارهم: "فوجئتُ حقيقة، و شعرتُ أنني أمام تحدّ، فخلوت في مخبري أعمل على صور أنتقيها وتكون جديرة بالمشاركة بالمعرض.. انتقيت ست صور، و كانت المفاجأة أن نلت الجائزة الفضية في المعرض عن صورة البائع الأعمى، فيما نال الجائزة الذهبية من قام بتصوير مجزرة صبر و شاتيلا الشهيرة في لبنان". بعد هذا المعرض صار جورج يشعر بالمسؤولية حيال صوره، فينتقي الزاوية باهتمام, كما صار يهتم بالإضاءة أكثر، يقول: "صرتُ أكثر جديّة في التصوير، و لم أتخل عن التصوير بالأبيض و الأسود و تدرّج اللون الواحد، لاعتقادي بأنّه المدرسة الحقيقية لفن التصوير من حيث التدرّج اللوني من الرمادي إلى الأبيض ومن الرمادي الى الأسود، و أؤمن أن على كلّ مصوّر أن يبدأ به". و يوضّح هنا أهمية الأبيض و الأسود بالقول: "من شأن ذلك أن تترك مجالاً للمتلقي كي يلوّن بما يتفق مع ذائقته الجمالية, و ثمة أمر آخر، إذ يصدف أحياناً أن يكون ثمة نشاز فيما تبغي تصويره، و هذا النشاز سيظهر بوضوح بالتصوير الملوّن أما في الأبيض و الأسود فيكون طبيعباً، و متدرّجاً في سياق الصورة ككل".

لا يخفي الفنان عشي أن عمله كرسّام تشكيلي أسعفه كثيراً في فن التصوير، إذ جعله أكثر إحساساً بالكتلة؛ و هو يتحدّث بمحبة و إعجاب عند حديثه عن زملاء ناجحين له، مثل حديثه عن الرسّام السوري الشهير يوسف عبد لكي.

 

بدعم من العماد طلاس.. تأسيس نادي التصوير الضوئي

اجتمع عام 1979 خمسة أشخاص من محبي و عاشقي التصوير في دمشق, و هم الدكتور صباح قباني و كان مشهوراً بولعه بالتصوير و الدكتور قتيبة الشهابي و الأساتذة طارق الشريف (مدير الفنون الحميلة سنتذاك) و مروان مسلماني و هو (عشّي)، و أسسوا نادي التصوير الضوئي و كان جورج العضو المؤسس و الفعلي له ترتيبه الأوّل في النادي، و اتفقوا على إقامة معرض في صالة الشعب، و كان هذا أوّل معرض تصوير ضوئي في سوريا يقام في صالة للرسم، و أُقيم المعرض بحضور و رعاية العماد مصطفى طلاس الذي أعجبه فأثنى عليهجورج عشي الباحث عن الجمال في كل صورة وصوت | نضال قوشحة | صحيفة العرب.

يقول جورج: "خلال المعرض، بحت للعماد طلاس برغبتي تأسيس ناد للتصوير الضوئي، فأبدى تشجيعه للفكرة و أعرب عن دعمه لها. بناء على ذلك و نظراُ لايماني بوجوب تأسيس ناد للتصوير الضوئي في سوريا، انتقيتُ المؤسسين للنادي و هم: هشام شربتجي و فواز جابر و بطرس حازم و عبد القادر الطويل و فيصل الست و تميم حرايري و آخرون، إضافة للخمسة المؤسسين للنادي. كتبتُ النظام الداخلي و قدّمته لجميع المشاركين بالتأسيس كي يعدّلوا ما يرتأون تعديله حذفاً و إضافة. لكن فوجئنا برفض وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل للنادي".

أسأله: "ماذا فعلتم، بعد رفض الوزارة ترخيص النادي؟"

يقول: "ضحك زملائي مني كون الوزارة رفضت أن ترخّص لنا النادي، في حين صممت على انشائه، فاتصلتُ بالعماد طلاس و أخبرته بما جرى، فطلب مني الذهاب إلى وزير الشؤون الاجتماعية و العمل و البقاء عنده حتّى يصدر القرار، و كان ذلك".

كانت إحدى غايات جورج من النادي فتح مركز تدريب للتصوير الضوئي بما في ذلك تعليم التحميض و الطباعة لمن يحب هذه المهنة، و هنا يفيدنا صاحب المشروع و الساعي فيه: "إن العماد طلاس أشار علينا بمنزل الفنان عبد القادر النائب كي يكون مقرّاً للنادي, و طلب منّا اجراء اللازم بغية استلامه على أن يجهزه هو لنا، لكن مع الأسف مجلس إدارة النادي رفض الفكرة بالاجماع بذريعة أن المنزل قريب من بيتي! و هكذا أضاعوا علينا فرصة وطنية لا تعوّض, إذ كان لدينا –فيما لو وافقوا- مقراً للنادي يمارس نشاطاته و مهامه المنوطة به. يبقى أن أقول أني تركت النادي عندما أتتني فرصة العمل في وكالة أسوشييتد بريس، و لم أعد أعرف عنه الكثير".

 

مؤسس نادي التصوير الضوئي يُفصل منه!

أنت من أسس نادي التصوير الضوئي، بمعنى أنّه من بنات أفكارك و تأسس بمساعيك، و نعرف أنّك فُصلت منه لاحقاً (فُصل من النادي عام 1999م)، و هذه مفارقة، هل تحدثنا عنها؟

بعد ابتسامة محيرة من جورج، يقول: "تمت دعوتي عام 1999، و بصفتي الشخصية, لتأسيس اتحاد المصورين العرب في العراق فذهبت للمشاركة بعد أن أخذت الموافقات اللازمة سنتذاك، كما أتت دعوة مماثلة لنادي التصوير الضوئي في سوريا للمشاركة، لكن المعنيين بالأمر في النادي تجاهلوها، و في الوقت نفسه حاسبوني على كيفية تلبيتي للدعوة دون مشاورتهم, علماً أنّها دعوة شخصية، فكان أن فصلوني من النادي!".

أسأله: "هل تعتقد أنّهم فصلوك لأسباب سياسية، على خلفية الخلاف بين النظامين البعثيين اللذين كانا في العراق و سوريا؟"، فيقول جازماً: "لا, اطلاقا, سبب فصلي كان بدافع الغيرة و الحسد فقط".

الحديث مع الفنان جورج عشّي ممتع و عذب, و تتمنى أن يطول أكثر, و باعتبار أنّه لا بدّ من نهاية, أذكر أنّي كتبتُ في صفحتي الشخصيّة عبر الفيسبوك، منذ نحو العام، "بوستاً" طالبتُ فيه الفنانة منى واصف بالتقاعد، فعلّق جورج: "الفنان لا يتقاعد". و حول ذلك البوست و التعليق سألته كي نختم حوارنا: "لماذا برأيك الفنان لا يتقاعد؟"، فأجاب: "كلّما تقدّم الفنان في العمر, كلما جوهر أكثر؛ ناهيك أن الفنان و مع تقدمه في العمر يتخلّص تدريجياً من الكثير من غرائز الدنيا التي قد تعيق عمل العقل.. بعد تخلصه من تلك الغرائز بحكم عامل الزمن، لا يبقى سوى العقل بكلمة أخرى: الجوهر".

و نحن، أصدقاء الفنان جورج عشي، ما زلنا ننتظر الكثير من جواهره إن كان شعراً أو فناً أو تصويراً.

 

جورج عشي.. ومضات

التقط آلاف الصور النادرة للأمكنة الأثرية والسياحية، ولرموز الفن والأدب والشعر والإعلام، ويتابع نشرها بدقة عالية على صفحته في «الفيس بوك» يقدمها للمهتمين والمتابعين، دون مقابل، معتبراً هذا جزءاً من رسالته الفنية والجمالية.

أقام أكثر من عشرة معارض تشكيلية فردية‏..

عضو جمعية المؤلفين والملحنين والموزعين الدولية بباريس

حصل على عشرات الجوائز وشهادات التقدير عبر مسيرته الفنية الطويلة

أحد مؤسسي الفرقة الوطنية السيمفونية عام 1960، توقفت بعيد الانفصال 1961

حاصل على دبلوم ديكور بامتياز من المدرسة الدولية في "بيروت" عام 1972

أصدر مجموعتين شعريتين باللغة المحكية السورية، وهما: "كلمتين زغار" 1964، و"الجوع والحب" 1970

عدد الزيارات
15146979

Please publish modules in offcanvas position.