شخصيّة من طرطوس.. الدكتور عيسى داود.. قصة كفاح و نجاح

أُبي حسن- طرطوس- فينكس

لمحة عن أطباء طرطوس في النصف الأوّل من القرن الماضي

حتى آواخر أربعينات القرن الماضي, كان بعض ميسوري آهالي ريف طرطوس يقصدون, بغية العلاج, أطباء طرابلس الشام, التي كانت انضمت إلى لبنان (الكبير) قبل نحو العقدين من ذلك التاريخ. و من نافل القول إن بعض أطباء طرابلس في ذياك الزمن كانوا من خريجي "الكلية السورية الانجيلية" – "الجامعة الامريكية" لاحقاً.

كانت مدينة طرطوس, في الفترة سابقة الذكر, تفتقر إلى وجود أطباء, و لعل الدكتور و الأديب الراحل وجيه محي الدين (1908- 1938) كان أوّل طبيب عرفته المدينة, لكن مع الأسف خطفته يد المنون و هو في أوج شبابه و عطائه.

ستنتظر المدينة الناشئة (دعك عن الريف) حتى آواخر عقد أربعينات القرن الماضي كي تشهد وجود طبيبين هما الدكتور حنّا الياس و الدكتور زكي مهنا, و الثاني من جبلة أتى للإقامة و العمل في طرطوس. أما عقد الخمسينات فسيشهد ولادة أطباء جدد بيد أن عددهم لم يكن يتجاوز أصابع الكف الواحدة, نذكر منهم الدكتور حسن حسن, و الدكتور حسن قدور, و الدكتور عدنان محي الدين, و الدكتور أديب سابا. و اللافت أن الاختصاصات الطبيّة, حينها, كانت معدومة.

و ليس من قبيل المبالغة القول إن معظم من استطاعوا دراسة الطب في ذيّاك الزمن, كانوا إما من الأسر الدينية أو الإقطاعية, إضافة إلى الأسر الغنية نسبياً و هذه كانت قليلة بطبيعة الحال, فالتعليم, بشكل عام, كان حكراً على أبناء الإقطاع و بعض أبناء رجال الدين المتنفذين. و أذكر في هذا السياق حادثة سبق أن رواها لي العلّامة الراحل الدكتور أحمد عمران الزاوي مفادها أن السيد ابراهيم الفاضل (والد الشهيد الدكتور محمد الفاضل 1919- 1977) عندما أراد إرسال ولده محمد للدراسة في باريس, قصد الزعيم الإقطاعي (ج. ع) طالباً معونته, فأجابه الزعيم الاقطاعي: "يا ابراهيم, إذا كان ابنك أمير و ابني أمير, فمن سيرعى الحمير؟". و جواب ذلك الاقطاعي يعتبر كافياً لرسم صورة كاملة عن الواقع المأساوي في الفترة التي نعنيها, و ما يؤكّد بؤس تلك الفترة هو نضال الشيوعيين (و سواهم من حركات يسارية كحزب البعث, و حتى القومي السوري) حينذاك و مطالباتهم المستميتة لتخديم و تعليم الريف الذي لم تكن تنقصه الأمراض (عدا الجهل و الفقر) في ظل "ديمقراطيات" الحكم الوطني الممتد من منتصف أربعينيات القرن المنصرم حتى قيام الوحدة السورية المصرية 1958م. و من ذاك التخديم الذي طالب به الشيوعيون هو وجود طبيب جوّال يجوب عدة قرى.. الخ, وفق ما نقرأ في أدبياتهم..

و لأن دوام الحال من المحال, سيتغيّر الواقع الذي كان, و سيصبح التعليم متاحاً للفقراء من عباد الله في سوريا.. مجانية التعليم و إلزاميته ستكشفان أن وطننا عبارة عن خزّان لا ينضب من الكفاءات و الطاقات.. و ستشهد طرطوس, بعد الثامن من آذار 1963 عامة, و بعد 16 تشرين الثاني 1970 خاصّة, نهضة طبيّة مُعتبرة قياساً بما كانت عليه فيما سبق.. و لن يعود وجود طبيب في هذه القرية أو تلك العائلة امتيازاً, بل سيكون الامتياز هو حفاظ الطبيب على نجاحه, و الأهم صونه –طوال مسيرته الطبيّة- لأخلاقيات المهنة, فكيف إذا كان النجاح المقرون بأخلاقية مهنية رفيعة, موروثاً من الأب الطبيب إلى الأبناء الأطباء؟

من الكفاءات الطبيّة التي نعنيها, و الموسومة بالنجاح المتوّج بالأخلاق, والممتدة إلى الأبناء, يقف فينكس مع الدكتور عيسى داود بن قرية عنازة بحنين.

شيء من الذاكرة

كنتُ عام 1988 فتى, عندما مرضت طفلة تخصني, أتى الأهل بالدكتور عيسى داود لمعاينتها, و كان اسمه بدأ يلمع في محيطنا القروي قبل ذلك التاريخ ببضعة أعوام, بوصفه طبيباً شاباً و متميّزاً في مهنته.. لم يكن الوضع الصحي للطفلة مريحاً, صارح الطبيب أهلها في حالتها, و يبدو أنّه كان يأمل في نفسه أن تمرّ الأربعة و العشرين ساعة القادمة على خير, كي يشعر أن مريضته تجاوزت مرحلة الخطر. قبل أن يدور اليوم الأوّل دورته الكاملة, كان الطبيب عيسى مدعواً لمعاينة مريض في قرية بحنين, فاختار الذهاب (من قريته) عبر طريق قرية "ضهر مطر" عوضاً عن طريق قرية "التاجية" الأقرب له لقرية "بحنين", و سبب اختياره الطريق الأبعد كونه سيمرّ بجانب منزل مريضته و بذلك يطمئن أن مكروهاً لم يصبها.

من المؤكّد أن الحادثة سابقة الذكر ليست استثناء في الحياة المهنية للدكتور عيسى داود, بل لعلها القاعدة لديه, بدليل أنّه لا يتذكرها, فيما أهل المريضة هم من يتحدّثون بها. فمن هو عيسى داود, مع حفظ الألقاب؟

الولادة.. و الأب.. و الصراع مع الفقر لأجل الأفضل

ولد الدكتور عيسى داود, كما يفيدنا, في قرية عنازة بحنين في محافظة طرطوس عام ١٩٥٦ يوم عيد الميلاد, لأسرة فلاحية فقيرة, وكان أكبر أفراد الأسرة المكوّنة من ثمانية أبناء.

كان والده راشد داود يعمل بمساعدة زوجته لإعالة وتعليم هذه الأسرة حيث قدم الأب, بحسب قول الدكتور عيسى: "كل ما استطاع لتعليمنا, أنا وأخوتي, الذين منهم الدكتور الصيدلاني علي داود ومهندسين واخوات جامعيات.. والدي ووالدتي كافحا معاً, و كنا نساعدهم لنكمل حياتنا وتعليمنا, فوضعنا المادي كغيرنا من أبناء القرية, كان –كما يقال- على قد الحال".

و وفق ما يفيدنا أنّه لم تكن لوالده مهنة واحدة أو محددة, فقد عمل الأب بمهن متعددة, كمزارع حصل على عدة جوائز من اتحاد الفلاحين, و لحّاماً, و صانع صابون.. الخ, حتى استطاع تعليم أولاده دون أية مساعدة من أحد سوى كدّ يمينه و عرق جبينه, و هنا يعقّب بتأثر: "كان هو والوالدة يعملان معاً, وعاشا بودّ معاً, وتوفيا منذ فترة قصيرة وبفارق أسبوعين عن بعضهما, فكانا مثالا للوفاء لبعضهما البعض". (وفاة والدة الدكتور عيسى كانت بتاريخ 26 شباط 2020, فيما توفى والده بتاريخ 10 آذار 2020).

و بما أننا في سيرة الأب, لا بأس من الاستطراد هنا بغية القول: إن السيد راشد داود, والد الدكتور عيسى, المولود عام 1929م خدم في أوّل دورة في الجيش العربي السوري, و ذاك عام 1949, فالمعروف أن السحب الإلزامي للجيش لم يبدأ قبل ذلك التاريخ. و في هذا الصدد يتذكّر الدكتور عيسى بعض ما كان يحدّثه والده عن تلك الخدمة, فيقول: "كان يحدّثني عن خدمته التي كان يفتخر بها و برفاقه الذين كان يتذكّرهم بكلّ ودّ و محبة". و يضيف خلال حديثه عن خدمة والده للجيش: "أتذكر, إنّه كان يحدّثني, عن تنقّله خلال خدمته للعلم من حلب لدير الزور حتى القنيطرة حيث كان على الحدود مباشرة مع فلسطين المحتلة, وقد سبح مرات عديدة في بحيرة طبريا, وذات مرة كاد يغرق لولا تدخل أحد رفاقه.. وحتى وفاته كان لديه الأمل بعودتها وبقية الجولان لسورية".

التخرّج من الجامعة بتفوّق.. و ممارسة المهنة

حصل الدكتور عيسى داود على شهادة الدراسات العليا بالطب الباطني من جامعة دمشق عام ١٩٨٤, و كان قد بدأ مشواره الجامعي سنة ١٩٧٥ حيث تخرج من الكلية عام 1981م, وبدأ بممارسة المهنة منذ ذلك التاريخ.

عن دراسته الجامعية في دمشق يقول: "كنت أسكن في المدينة الجامعية, وكانت معاناتي كبيرة لتأمين غرفة, خاصّة ان الوضع المادي صعب, فعشنا حياة بسيطة لا ينقصها التقتير.. أنهيت دراستي بتفوق, ودخلت الاختصاص سنة ١٩٨٢ دراسات عليا جامعة دمشق وتخرجت أيضاً بتفوق عام ٨٤, و أذكر من أساتذتي الذين تركوا أثراً طيباً في نفسي في الجامعة الأستاذ الدكتور فيصل الصباغ والأستاذ الدكتور أنس سبح و الأستاذ الدكتور مفيد جوخدار وغيرهم".

و حول نشاطه الطبي, في الريف, في باكورة ثمانينات القرن الماضي, ما زال يتذكّر الكثير من آهالي القرى المجاورة لقريته "عنازة بحنين" (و حتى البعيدة عنها نسبياً –نحو 34 كم-, كقرى وادي العيون), كيف كان يحمل الدكتور عيسى داود حقيبته الطبيّة متنقّلاً من قرية إلى أخرى لمداواة المرضى, عدا أنّ بيته البسيط في قريته, كان بمثابة عيادة للمرضى, ذلك عندما كان وجود الأطباء (خاصّة الأكفاء) نادري الوجود في الريف, في ظل أزمة مواصلات خانقة. و في هذا الجانب نسأله عن القرى التي وصلها و الحالات التي أسعفها في الزمن الذي نعنيه, فيجيب: "بالنسبة للحالات الخاصة التي أسعفتها ولا زالت بذاكرتي هي عدد من مرضى احتشاء القلب في قرى الشيخ بدر ووادي العيون والديرون, و حتّى بانياس وغيرها من القرى البعيدة, إضافة لقريتي العنازة, و قرى ضهرمطر وبحنين... الخ".

و هو, و إن كان موفقا في عمله الذي أخذ منه جلّ وقته وجهده, إن كان في مدينة طرطوس أو قريته مع محيطها الواسع, غير أنّ معاناته كانت كبيرة مع الحالات الإسعافية حيث لم يكن هناك إلّا القليل من الأطباء ذوي الاختصاص, و في هذا الصدد يقول: "كثيرا ما كنت أعود من إسعاف المرضى إلى عيادتي في مدينة طرطوس دون نوم", يُذكر أنّه بدأ العمل في عيادته في المدينة في شهر تموز 1984...

من نافل القول إنّه حتّى مطلع ثمانينات القرن الماضي كان عدد الأطباء المختصين قليلا في طرطوس, حيث لم يكن عددهم من الاختصاص نفسه يتجاوز الخمسة, وهذا لا يمنع الدكتور عيسى داود أن يتذكّر من سبقه من أطباء بكثير من المحبة و الاحترام, فيذكر منهم مثالاً لا حصراً: "سبقنا عدد من الأطباء مثل د. عدنان محي الدين, و د. وجيه محي الدين, و د. حنا الياس, و د. بهجت السبع, و د. حسن قدور, و د. محمد منصور.. وكان لهم فضل كبير على المحافظة. و أتى بعدهم جيل آخر من الأطباء مثل المرحوم الدكتور ناجح عمران, و د. حنا بشور, و د. خليل ساحلية. كما أذكر الدكتور علي حسن, و د. يوسف غانم, وفي بلدة السودا المجاورة لقريتنا كان الدكتور أديب سابا رحمة الله عليه الذي قدّم الكثير من الخدمات الصحية لكل أهل المنطقة و أنجب عائلة متميزة بالطب والعلم, و المعذرة من زملاء سبقونا و لهم أفضال, لا يتسع المجال لذكرهم"...

تشيخوف: "أنا لا املك نفسي, بل أفكّر بمرضاي"

العبارة أعلاه, من رسالة أرسلها الطبيب و الأديب العالمي انطون تشيخوف بتاريخ 16 آب 1892 إلى الكاتب و الناشر الكسي سوفورين, عندما كان تشيخوف متطوعاً في حملة مكافحة وباء الكوليرا الذي شهدته بعض الأصقاع الروسية في ذياك العام. بوح تشيخوف سيعيشه الدكتور عيسى مراراً, و نسمح لأنفسنا بذكر هذه الحادثة التي جرت مطلع ثمانينات القرن الماضي, عندما ذهب لمعاينة مريضة في جوار قريته, كان ضغط المريضة أربعة, طلب إسعافها إلى المشفى (الوطني- سابقاً), و أجرى لها هناك الفحوصات السريرية اللازمة و لم يتبيّن له شيء, و ضغطها لم يتغيّر, تركها تحت المراقبة في الإنعاش و عاد إلى قريته, و هو يفكّر بحال مريضته, و عندما خلد للنوم, سيرى في الرؤيا إن مريضته تشكو من "صمة رئوية", فسرعان ما استيقظ متسائلاً كيف غاب عن ذهنه هذا الاحتمال؟ فخرج في السادسة صباحاً قاصداً أقرب هاتف في قريته (و كانت الهواتف نصف آلية, و شبه نادرة) طالباً المستشفى, و عندما أخبروه أنّ وضع المريضة لم يتحسّن, أخبرهم أنّ ما تشكو منه هو "صمة رئوية", و عليهم إعطاءها الدواء (الهيبارين), و عندما ذهب إلى المشفى لمعاينتها كان وضعها بدأ بالتحسّن, و كانت تشكو فعلاً من "صمة رئوية", ومازالت تلك السيدة حيّة ترزق حتّى الآن.. و نؤكّد هنا إننا إذ نذكر هذه الحادثة فليس للحديث عن الغيبيات التي تتعارض و الفكر العلماني للدكتور عيسى, بل للتأكيد على كيفية تفكيره بمرضاه إلى درجة أن العقل الباطني لديه يفكّر بهم حتى خلال خلوده للنوم.

 

وداد سليمان رفيقة الدرب و شريكة النجاح

خلال دراسته, مطلع سبعينات القرن الماضي, للمرحلة الثانوية في قرية بحنين تعرّف على وداد سليمان رفيقة الدراسة التي ارتبط بها لاحقا وتزوجا بعد حصولها على شهادة الصف الخاص, فيما كان هو مازال طالباً في كلية الطب. و بخصوص مصروفه و تكاليف الحياة و قد بات ربّ أسرة دون أن يكون منتجاً بعد, يقول: "للإنصاف, كنتُ خلال دراستي أعتمد في مصروفي البسيط على كان يقدمه الوالد, و من بعد زواجي كانت زوجتي تقف إلى جانبي في السرّاء و الضرّاء, و كنت أتقاسم معها المصروف حتى تخرجي من الجامعة".

أنجب الدكتور عيسى أربعة أبناء: أسامة وهو دكتور اختصاصي بتقويم الأسنان و يعتبر من أشهر أطباء طرطوس في اختصاصه, و لينا مهندسة عمارة (تقيم خارج القطر), و سامر دكتور نسائية وتوليد حاز على شهرة واسعة و سمعة طبيّة رفيعة خلال زمن قياسي, و مازن دكتور جراحة عظمية مقيم في المانيا. و عند سؤالنا ان كان له دور في توجيه أولاده في الفروع و الاختصاصات التي درسوها يفيدنا: "أولادي اعتمدوا في دراستهم على أنفسهم, و لم يكن لديّ الوقت للسهر عليهم, فكان لوالدتهم الفضل الكبير في تربيتهم و الاهتمام بهم, و هم اختاروا الفروع التي درسوها, و بإرادتهم اختاروا اختصاصاتهم, أما دوري فقد اقتصر على المشورة و التوجيه.. و لا أعرف إن كان لديهم حافز كبير كي يصبحوا مثلي.. ما يهمني أّنّهم نجحوا, و علاقاتهم المهنية و الاجتماعية جيدة و ناجحة".

نختم بالقول: إن الدكتور عيسى داود يتواصل –حتّى اليوم- مع كل جديد, و يحضر المؤتمرات العلمية بكل فروع الأمراض الداخلية, إضافة للندوات والمحاضرات, و مازال يطلع على كل جديد في اختصاصه. وهو مواظب على العمل في عيادته بالهمة والعزيمة نفسها لخدمة المرضى الذين أصبح الكثير منهم أصدقاءه, و يمارس في أوقات فراغه هوايات مثل الصيد والمطالعة التي تشمل, إضافة للطب, الكتب المتنوعة الثقافية و الفكرية, فضلاً عن ممارسته للرياضة والزراعة ولقاء الأصدقاء بسهرات يتحاورون فيها ويتسامرون ويتبادلون الآراء.

عدد الزيارات
15173061

Please publish modules in offcanvas position.