كان يا ما كان في أيام زمان

عبد اللطيف شعبان- فينكس:
 
قبل أيام قليلة توفي أحد معمري قرية مجدلون البستان المجاورة لقريتنا، المرحوم إبراهيم عبد الحميد علي "أبو فايز" - الملقب بالحروبي لأنه من حارة بيت حربا (ابنه المهندس فايز – رحمه الله – كان زميلي في الدراسة الإعدادية والثانوية والجامعية وأخوته أصدقائي)، عن عمر قارب المائة عام، وكان يعمل نجارا في تجهيز كل ما يتعلق بالمنجور الخشبي / أبواب – نوافذ – طاولات /.
لقد أرجعتني ذكرى وفاة أبو فايز إلى ثلاثة وستين عاما مضت، أي إلى عام / 1957 / يوم توجهت إلى المدرسة الابتدائية في مدرسة الأسقف المجاورة لقريتنا، حيث أجرى لي مدير المدرسة (المرحوم الأستاذ دباح الموعي – رحمه الله) اختبارا ليقرر في أي صف يضعني، لأنني كنت قد قرأت القرآن قبل دخولي المدرسة، وإثر الاختبار قرر أن يضعني في الصف الثالث الابتدائي مباشرة، ومعي زميل من قريتي، ولكن المدير قال لنا لا نستطيع إدخالكما إلى الصف، لأنه لا يوجد مقعد لكما، ووزارة المعارف (هكذا كان اسم وزارة التربية يومئذ) لم تبعث لنا مقاعد، فاشتريا مقعدا مدرسيا واجلباه إلى المدرسة لتجلسا عليه، وفي الصباح الباكر توجه والدي إلى عند المرحوم النجار ابراهيم الحروبي في صافيتا، وطلب منه تجهيز مقعد مدرسي مزدوج لتلميذين، وكانت كلفته يومئذ / 15 / ل.س، (يا زمان.... فهذا المبلغ هو قيمة ورقة بيضاء في هذه الأيام / فسعر ماعون الورق 7500 ل.س)، وخلال ثلاثة أيام اتجهت مع والدي وحمَّلنا المقعد الجاهزعلى حمارنا من صافيتا إلى قرية الأسقف / مسافة 7 كم /، وجلست مع زميلي على المقعد عاماً كاملاً، وفي العام التالي انتقلنا إلى مدرسة رأس مندو المحدثة مجددا، فطلبنا المقعد من المدير- رحمه الله - لنأخذه معنا لأننا نحن اشتريناه، فأجابنا لقد أصبح المقعد ملك المدرسة.
تلك الأيام كان الطفل يذهب إلى المدرسة سيرا على الأقدام عدة كيلو مترات صيفا شتاء، وكان مجموع قيمة مستلزماته المدرسية بعشرات الليرات، وكانت خرجيته اليومية بالفرنكات، ومقتصرة على أيام قلية في السنة، إذ كان الفرنك يشتري بأكثر مما تشتريه المائة ليرة سورية اليوم، أما اليوم فالمدرسة بجوار الكثير من منازل الطلاب، ومن يبعد عن المدرسة بحدود 1 كم ينتقل بالسيارة، وكلفة مستلزماته المدرسية بعشرات الآلاف، وخرجية الطفل بمئات الليرات، ولأكثر من مرة في الأسبوع.
يومئذ كانت مدرستنا مؤلفة من غرفتين صفيتين فقط من الحجر والطين والخشب متبرع بها من أهالي القرية (لم تكن توجد غرفة للإدارة ولا غرفة لأمين السر ولا.. ولا..) وكان في المدرسة معلمين فقط، يجيئان إلىها صباح كل يوم سيرا على الأقدام عدة كيلو مترات، وكل معلم يعلٍّم عدة صفوف ولجميع المواد، لا بل كان يوجد معلم واحد فقط في أغلب مدارس الريف، يعلم جميع الصفوف وجميع المواد، وكان الدوام قبل الظهر وبعد الظهر (كان يوجد استراحة ظهرية بحوالي ساعة ونصف)، ومن غير الإنصاف أن يقول أحدهم لم يكونوا المعلمون يعلموا يومئذ، فأنا من تلاميذ تلك الأيام، رب ارحم جميع معلميني، أما اليوم فكلفة الغرفة الصفية بعشرات الملايين، والمعلم يعطي مادة واحدة ولعدة ساعات في اليوم....
يومئذ لم تكن الكهرباء موجودة ولا مدافي المازوت حتى ولا مدافئ الحطب، فسراج الكاز الذي يبعث الدخان والرائحة في البيت هو مصدر الإنارة، والموقدة (حفرة دائرية صغيرة وسط البيت بعمق 20 سم وقطر 50- 70 سم)، التي يتم إشعال الحطب فيها للطبخ والتدفئه، هي مصدر الدفء شتاء، وتبعث الدخان في البيت الذي كان يضم جميع أفراد الأسرة ومعهم حيواناتهم المتنوعة / بقر – غنم – وأيضا الدجاج /، هكذا كان حال أغلب سكان الريف يومئذ، ولم يكن لديهم حينها كمامات واقية من الدخان والرائحة، ولم يعرفوا وباء الكورونا، ولا مستوصفات إلا في مراكز المدن ولا مشافي إلا في مراكز المحافظات، وكان أطباء المنطقة معدودين على الأصابع، وكذا الصيدليات، وكانت الأمراض أقل نسبيا من هذه الأيام، وكثيرون عمَّروا بمئات السنين، أما اليوم فالمستوصفات في كثير من القرى والمستشفيات في كثير من المدن، ومئات الأطباء في كثير من المدن، وأكثر من طبيب وصيدلية في كثير من القرى.....
واقع هذه الأيام يبعث الخشية كل الخشية، من أن يتحدث أولادنا وأحفادنا مستقبلا عن ما شهدوه من نعيم السنين الماضية، كما أتحدث اليوم عن ما عشناه من مآسي ومتاعب العقود الماضية، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة... وخذ بيد الأخيار الذين يبنون، ونجنا من الأشرار الذين يهدمون.
22 / 11 / 2020
عدد الزيارات
16852750

Please publish modules in offcanvas position.