الأحزاب السياسية بين سندان المجتمع الأهلي ومطرقة الدولة المجتمع الأهلي

    كتب الدكتور عبد الله حنا:

    (مجتمع العشائر والطوائف)
    المجتمع الأهلي هو مجتمع قائم قبل انتشار الرأسمالية وظهور الدولة الحديثة. وهو لا يزال مقيما بين ظهرانينا، وله مواقع راسخة الجذور في كثير من مناطق الريف وأحياء المدن. وهو متفوق على المجتمع المدني الحديث العهد, في مجالات شتى, غير مكتوبة ولا ينطق بها جهرا.
    ويتألف المجتمع الأهلي من ثلاثة محاور أو تكتلات رئيسية :
    1 ـ مجتمع (أو تكتل) القبائل والعشائر والعائلات والقرى وحارات المدن إضافة إلى الطوائف والمذاهب والملل. وكثيرا ما تألفت الطائفة من مجموعة من العشائر أو العائلات. هذه الوحدات الاجتماعية كانت منغلقة على نفسها ومحيطها ومشكلة ’’دويلة’’ أو ’’شبه دويلة’’ في محيط الدولة الكبرى المركزية (وهي العثمانية) في مثالنا. والواقع أن الفرد في هذه التكتلات لم يكن يعرف عن الدولة المركزية (العثمانية ) شيئا سوى أنها تجبي الضرائب بقسوة, وتسلط عساكرها على رقاب العباد دون حسيب أو رقيب. من هنا ندرك أن التكتل الاجتماعي أو الأهلي في عشائر أو طوائف... الخ كان ضرورة تاريخية أملتها عوامل التبعثر الاجتماعي وغياب الدولة وسعي الفرد لنشدان الأمن والأمان في هذه التكتلات الأهلية.
    2ـ مجتمع التكاتف الخيري حيث تتضامن فرقة اجتماعية ذات صلة قربى عائلية أو مذهبية...الخ على عمل الخير والإحسان إلي الفقراء والمحتاجين لمساعدتهم للتغلب على نائبات الزمن. هذه الجمعيات الخيرية، التي لا يزال لها إلى الآن دور كبير في المجتمع، هي موروث ناصع البياض لمساعدة الناس بعضهم لبعض.
    3ـ مجتمع الطرق الصوفية المنتشرة في الأرياف والمدن والضاربة جذورها في خلايا المجتمع كافة. كانت الطرق الصوفية بمثابة أحزاب لعامة المدن. ويلاحظ أن بعض هذه الطرق وقف ضد طغيان عساكر السلطان ورفع راية الدفاع عن مصالح ’’أهل الحرف’’. وفي حلب تزعم الأشراف حركة مقاومة الإنكشارية الظالمة وقدموا الضحايا الكثيرة في معارك الشوارع. ولا شك أن الدخول في إحدى الطرق الصوفية شكل أحد منافذ الأمان الرئيسية لمريديها من أهالي المدن والأرياف هربا من الطبيعة المجهولة والمستقبل الغامض واستبداد أهل النظام.
    من هنا يبدو بوضوح أن المجتمع الأهلي السابق للرأسمالية كان يحمل في نسيجه مفاعيل إيجابية أملتها طبيعة المجتمع الإقطاعي السائد آنذاك. ولكن كثيرا من هذه الجوانب الإيجابية أخذت تفقد إيجابيتها مع بداية انتشار الرأسمالية وظهور حركة الإصلاح في الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.
    ***
    فمع تشكّل الدولة الحديثة, التي رافقت الإصلاح, وظهور حركة النهضة العربية بمضامينها البورجوازية ومنطلقاتها العقلانية والديموقراطية وركائزها القومية والوطنية, أخذت ’’التكتلات الأهلية’’ تفقد أهميتها التاريخية وأدوارها الإيجابية وأمسى بعضها حجر عثرة أمام التطور الاجتماعي والاندماج القومي والوطني وإرساء أسس المدنية والتمدن.
    فالتكتلات العشائرية والطائفية... الخ أخذ بعضها يقاوم تطور الدولة الحديثة والنهوض بمجتمع موحد جميع ’’خلق الله’’ فيه مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. أما الطرق الصوفية فقد أخذت تفقد مهمتها السابقة في ظل الظروف الجديدة. ولهذا فإن حركة التنوير الإسلامي وقفت في وجه الجوانب السلبية للصوفية في معركة لا تزال ذيولها بادية للعيان. وهكذا تعبدت بعض جوانب الطريق للانتقال تدريجيا وببطء من ’’المجتمع الأهلي’’ إلى ’’المجتمع المدني’’ مع رسوخ عملية ’’تعايش’’ المجتمعين في ظل دولة حديثة تأخذ من المجتمعين وتسعى ’’للعيش" في أروقتهما.
    الحلقة القادمة:
    الدولة العربية الحديثة
    والاستبداد السلطاني
    عدد الزيارات
    16852385

    Please publish modules in offcanvas position.