هايكو.. موال اليابان المستولى عليه

    يحيى زيدو- خاص فينكس:

    لستُ شاعراً، و ليست لدي مَلَكَة الشعر، لكنني أستطيع الزعم بأنني على علاقةٍ جيدة مع الشعر، قديمه و حديثه، من حيث قابلية التذوُّق، و فهم المعنى و الصورة إلى حدٍّ كبيرٍ، و من حيث امكانية تمييز النصِّ الجميل من النصِّ الرديء.

    النصُّ هو الأهمُّ، بصرف النظر عن الكاتب، أو جنسه، أو جنسيته، سواء كان النص على شكل قصيدة عموديةٍ موزونةٍ مقفَّاةٍ، أو كان على شكل قصيدةٍ حديثةٍ من شعر التفعيلة أو النثر، أو حتى من شعر "الومضة"، أو"الهايكو".

    لا يمكن إنكار أن بعض ما يُكتب على بعض الصفحات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، أو في بعض المواقع الثقافية على الشبكة العنكبوتية، جميلٌ، و يستحق القراءة و التوقف عنده. لكن أيضاً لا يمكن إنكار أنَّ معظم ما يُنشر على تلك الصفحات والمواقع يشبه" القيح " الذي لا يصدر عن جمالٍ، بل عن قبحٍ أو انعدام موهبة.

    لقد غدت قصيدة "الهايكو"، اليوم، مشاعاً استولى عليه أصحاب أنصاف المواهب، أو أولئك الهاربين من سجون الوزن والقافية لأنهم يفتقرون إلى العلم بهما.. فصار كلُّ مَن استطاع أن يكتب جملةً فيها جناسٌ أو طباق شاعراً، و بعضهم صار يزعم أنه" ربُّ الهايكو".

    فكلما شعرت إحداهنَّ بالمغص، أو احتباس الغازات، تطلق علينا قذائف "الهايكو" المُدمِّرة، وكلما تضخَّمت "البروستاتا" الشعرية لأحدهم، و أصيب باحتباس البول "يسفقنا" قصيدةً يزعم أنها من عيون "الهايكو". ولم يعد ينقص سوى عملية تجميلٍ بسيطةٍ لتضييق حدقة العينين حتى يبدو هؤلاء يابانيين أصليين، وليسوا صينيين مزيفين.هايكو 3

    "الهايكو"، كما أفهم القليل عنه، هو شكلٌ أو نوعٌ، أو لونٌ شعريٌّ أبدعه اليابانيون. تتألف قصيدة "الهايكو" من بيتٍ واحدٍ من الشعر مكوَّنٍ من سبعة عشر مقطعاً صوتياً (وليس سبع عشرة كلمة)، تُكتَبُ في ثلاثة أسطر (خمسة /سبعة/خمسة)، يميل الشاعر فيها إلى تصوير المرئي، وإشراك القارئ (الغائب في لحظة الكتابة) في تصور الأشياء كما لو كانت حاضرة في مجال رؤيته.

    تعكس قصيدة "الهايكو" في أسلوبها، و بنيتها، و صورها فلسفة "الزِن" التي يعتقد بها اليابانيون، و التي هي بمثابة رحم "الهايكو" و روحه. و فلسفة "الزِن" عقيدةٌ فلسفيةٌ تختلف عن ديانة (الشِنتو) الرسمية في اليابان، و إن كان هناك نوعاً من التبادلية في التأثر و التأثير، والتفاعل بينهما.

    في الثقافة العربية، فإن الشاعر السوري "محمد عضيمة"*، باعتقادي، هو المرجعية الأولى، ليس فقط في شعر "الهايكو"، بل وأيضاً في الأدب والثقافة اليابانية عموماً، لأنَّه شاعرٌ أولاً، و باحثٌ وأكاديميٌّ متخصصٌ ثانياً، ولأنه، ثالثاً، خَبِرَ الثقافة اليابانية في العمق، وكان على تماسٍ مباشرٍ مع ثقافة المجتمع الياباني وعاداته من خلال إقامته في اليابان، و اطِّلاعه على تلك الثقافة بلغتها التي ترجم منها مباشرة، بعد أن كانت معظم الترجمات قبله تتم عبر لغةٍ وسيطةٍ (الانكليزية و الفرنسية بشكل خاص).

    ومع كل ثقافته الواسعة، ومعرفته العميقة والمباشرة بالأدب والشعر الياباني، وإتقانه للّغة اليابانية (ولغات أخرى)، فإن "محمد عضيمة" لم يقل مرةً أنه شاعر "الهايكو"، أو أنه "ربُّ "الهايكو" المكتوب باللغة العربية.

    و في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أعمال الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة (هايكو تانكا، توقيعات)، و كتابات كل من المغربي "سامح درويش"، والعراقي "عذاب الركابي"، و مبدعين آخرين كتبوا قصيدة "الهايكو" باللغة العربية، ولم يزعم أحدٌ منهم أنه شاعر "هايكو". في الوقت الذي نجد فيه أصحاب أنصاف المواهب، و أولئك الذين لا يعرفون من الشعر سوى اسمه، يصدّعون رؤوسنا بهذياناتهم "القبيحة" التي يزعمون بأنها شعر.

    "الهايكو" بالنسبة للثقافة اليابانية، بأبسط توصيف، هو شيء يشبه "الموَّال" في الغناء العربي.. إنه موَّال ياباني، موَّال يعكس روح و ثقافة شعب، وتجربة تاريخية تخص ثقافة مجتمعٍ بعينه، ولا يمكن إتقان أداء هذا الموَّال الياباني، أو إبداع نصوص في قالب موَّال "الهايكو"، إلا بموهبةٍ، و دُربةٍ، و ثقافةٍ، وخبرةٍ، و تعلُّمٍ واكتسابٍ مستمرٍّ.هايكو 1

    ولكم أن تتخيلوا العكس، ماذا لو كتب شاعر ياباني القدود أو الموَّال العربي بقالبه الشامي، أو العراقي، أو المصري، أو المغربي.. فهل سينجح دون إتقان اللغة، و الموهبة، والشغف، و التعلُّم، واكتساب الخبرة؟!

    يا مَن تسمّون أنفسكم أرباب(و ربّات) الهايكو... احترموا الشعر... احترموا مشاعرنا، و ارحمونا من سيلاناتكم المؤذية للمشاعر و الذائقة، لأنها تثير الغثيان.

    -------------

    * للشاعر محمد عضيمة كتابات و دراسات و ترجمات مميزة عن اللغة اليابانية، منها: (غابة المرايا اليابانية) - ( كتاب الهايكو الياباني مع كوتا كاريا، تاكو بوغو) - (حوارات في انطولوجيا الشعر الياباني)- (بريد الهايكو الياباني).

    كما ترجم الكتاب المقدس (كوجيكي)، و تعتبر المقدمة التي كتبها للكتاب، هي مفتاح فهم هذا الكتاب المقدس عند اليابانيين بالنسبة لمن لا يعرف الثقافة اليابانية و ما ترمي إليه الرموز والدلالات فيها.

    عدد الزيارات
    17475813

    Please publish modules in offcanvas position.