العبودية من أيام حمورابي إلى عصر "البترودولار"- ح5

    كتب الدكتور عبد الله حنا:

    { هذه الدراسة المؤلفة من عشر صفحات رفضتها مجلة المعرفة لوزارة الثقافة السورية ، وبقيت حبيسة أدراجي إلى اليوم . وفيما يلي الحلقة الخامسة والأخيرة : }
    تجارة الرقيق تُبعث من جديد في عصر البترو دولار
    التجارة .. تجارة الرقيق هذه , كيف بُعثت من جديد ؟ .. هل النفط هو المسؤول عن هذه التجارة ؟ .. أم أن " أهل النفط " وتجار اللحم البشري والنخّاسون الجدد ومافيات الرأسمالية الريعية الطفيلية , هم باعثو هذا الشكل الجديد للرق . وأهل النفط هؤلاء لم يكن لهم , كما أشرنا , أي دور في استكشاف النفط واستخراجه , ولكنهم يتنعمون الآن بخيراته دون أن يبذلوا جهدا أو يعرق لهم جبين ..
    من المسؤول عن بعث ظاهرة الرقيق هذه مرة أخرى ؟؟ .. النفط أم أهل النفط ؟؟ .. أليس جلب الآلاف من هؤلاء الفتيات من ديارهنّ لخدمة سيدات المجتمع النفطي اللواتي لا يعملنّ شيئا طوال النهار ويقتلهنّ الضجر ,وهنّ ينتظرن قدوم " رب الأسرة " في آخر النهار ... ومعظم " أرباب الأسر " هؤلاء لا يقدمون أي مجهود يذكر للمجتمع ويعيشون حياة رتيبة متباهين بفحولتهم , ومكتفين بأنهم يحملون جنسية إحدى الدول النفطية ويتمتعون بامتيازاتها , التي تعرفونها , وفي مقدمتها ابتزاز العمال العرب والأجانب باسم القانون المعروف بالكفيل .. وكم من المهاجرين للعمل من أبناء القلمون , وغيرهم , اكتووا بنار ذلك الكفيل الذي يقطف جزءا من أتعابهم لمجرد كونه كفيلهم وباستطاعته طردهم من بلاده وحرمانهم من العمل .. أليس هذا شكل من أشكال العبودية في عصر البترودولار .
    ***
    الرق الجديد هذا اتخذ اسما جديدا هو الاستخدام .. ويطرح السؤال : لماذا قبل أولياء هؤلاء الفتيات القاصرات على تسليم بناتهن إلى ذئاب مكاتب الاستخدام لتسويقهن إلى بلدان النفط العربي وترك كرامتهم وشرفهم تتقاذفها أمواج الرياح البشرية العاتية ؟ ..
    فالعالم اليوم ينقسم إلى شمال غني مصنّع وجنوب فقير متخلف يزيد في تخلفه التفجر الديموغرافي السكاني وقذف ملايين الأطفال سنويا إلى الشوارع دون مأوى أو عمل .
    أما بلدان النفط العربي فهي تعيش في العالمين . تضع , بفضل ثرائها البترودولاري , رِجلا في عالم الشمال الغني والرجل الأخرى في عالم الجنوب المتخلف . ويعود سبب هذه الإزدواجية إلى الريع النفطي , الذي تحصل عليه . فهذا النفط , نفطنا , تتقاسم خيراته الشركات الرأسمالية النفطية العملاقة مع أمراء النفط العرب وشيوخه . وهؤلاء يوزعون قسما من مداخيل النفط هذه على شعوبهم . وتتفاوت نسبة الحصص الموزعة باسم الإنعامات والعطاءات والمنح عن طريق " أولي الأمر " وحسب هواهم ومزاجهم , بين ريع زهيد أو متوسط يصل إلى عامة الشعب وبين ريوع تصل أرقامها الخيالية إلى ملايين الدولارات .
    هذه الدولارات النفطية لها حسناتها وجوانبها الإيجابية , ومنها ما تنعم به منطقة القلمون , ولكنها تحمل من جهة أخرى جوانب سلبية . فهذا " البترودولار " دمّر , كما يرى العارفون , بنية المجتمعات العربية ودفع بأخلاقها وقيمها وسلوكها في دروب شائكة , وأكاد أقول مظلمة , نعيش هذه الأيام مرارة ثمارها ذات اللون الجميل والمذاق العلقم ... هل في هذا الكلام شطط ؟ .. وهل هذا التقييم مبالغ فيه ويحمل روحا سوداوية ؟ .. ولكن لنتذكر المثل المعروف : صديقك من صدقك لا من صدّقك ..
    ***
    وكاتب هذه الأسطر هو من دعاة نهضة عربية تنويرية جديدة لا تزال خامدة تحت طبقتين من الرماد : رماد النيران التي أشعلتها القوى الاستعمارية بهدف السيطرة واستغلال النفط دون حسيب أو رقيب , ورماد نيران قوى التخلف والرجعة والجمود والتحجر والاستغلال في عالمنا العربي , و التي تسعى لإبقاء سيطرتها وتكريس طغيانها إلى يوم يبعثون .
    قوى الرجعة هذه تظن كالمستعمرين الأميركيين أن نهاية التاريخ قد حلّت بسيادتهم على العالم , وستبقى إلى أبد الآبدين . ولكن هل يمكن لعجلة التاريخ أن تتوقف عن الدوران ؟ .. والمثل الشعبي المعروف يقول : لوسلمت لغيرك , ما وصلت إليك " . وهذه هي سنة الكون . فالتاريخ ليس له سقف .
    فنظام الرق دخل متاحف التاريخ . واستثمار الإقطاعيين للفلاحين جُوبهَ بثورات فلاحية أدت في النهاية إلى زوال النظام الإقطاعي على يد البورجوازية الفتية الثورية في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر . ولكن تلك البورجوازية أو الرأسمالية الثورية المناهضة للإقطاعية والطامحة في التغيير والتقدم سرعان ما تغيّرت طبيعتها الثورية التقدمية وتحولت في أواخر القرن التاسع عشر إلى رأسمالية احتكارية إمبريالية , واستطاعت في أواخر القرن العشرين أن توجّه الضربات المميتة إلى عدويها اللدودين :
    الأول ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917 , التي ناصبت الإمبريالية العداء . والثاني حركات التحرر الوطني والقومي في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية . وكانت حركة التحرر العربية رأس الحربة في خضمّ تلك المعركة الضارية في منتصف القرن العشرين , التي سددت عليها نيران مدافعها قوى الإمبراطورية الأميركية المتحالفة في ذلك الحين مع قوى رجعية ومتزمته في عالمنا العربي .
    ***
    الرق الجديد المتمثل باستيراد الآلاف من فتيات البلدان الفقيرة ليخدمن سيدات المجتمع النفطي , ويتعرضن للاعتداءات الجنسية وغيرها . ونحن مع إعلامنا ومحطاتنا الفضائية وجهابذة الفكر عندنا صامتون لا نرى المأساة البشرية , التي تعيش بين جدران بيوت المترفين منّا . إننا نرى المأساة ونغلق آذاننا عن سماع الصوت الإنساني المدوي للخليفة الراشدي عمر بن الخطاب وهو يردد : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " .
    ***
    كنا مجموعة نناقش هذا الأمر. وإذا بأحد الظرفاء بيننا يعلن أنه توصل إلى الحلّ وبدأ في الكلام " المباح " :
    أقترح فرض ضريبة في عالمنا العربي تعادل العشر على المداخيل المتأتية من الأعمال التالية : الرشوة , أموال التهريب , سرقة المال العام , سرقة أموال الناس بالأساليب الحرام المعروفة , العمولات أي الكومسيونات , التي يتلقاها أصحاب النفوذ للموافقة على إدخال البضائع أو تصديرها وغيرها من أشكال العمولات التي يتقاضاها المسؤولون دون الاستناد إلى القانون , وغير ذلك من المال المجموع بوسائل لا تحصى . هذه الضريبة العشرية يمكن أن تموّل دور الحضانة ورياض الأطفال وحدائق الأطفال ودور الشيخوخة والمستوصفات المتعددة الأغراض وحتى المستشفيات , وغيرها من المؤسسات , التي تقوم بالخدمات العامة .... وأردف هذا الظريف مستطردا : إذا جرت جباية هذه الضريبة من بحر الظلمات إلى الخليج العربي أو الفارسي , فستفيض أموال هذه الضرائب عن حاجة العالم العربي , وعندها يمكن بالمال الزائد مساعدة البلدان الفقيرة في إنجاز مشاريع التنمية حيث تنتفي الحاجة إلى انتزاع الفتيات والنساء من أوطانهنّ بسبب الإملاق ويعيش الجميع بيسر وهناء وينتفي هذا النوع من الرق البترودولاري ..
    أحد الحاضرين حدّق بهذا الظريف مستغربا هذا الاقتراح , وقال له :
    " شو أستاذ أنا شايف جاك الحال , وكأنك في حلقة ذكر على الطريقة الشاذلية.. " وضحك الجميع وساد الهرج والمرج وانتهت الجلسة وأصوات الصخب تسد عليّ منافذ الحلّ ..
    ***
    وفي صباح اليوم التالي وبعد احتساء فنجان القهوة ( مع أم العيال ) شرعت أتساءل : هل هذا الاقتراح الطريف من هذا الظريف ضرب من الخيال , كما يدور الآن في خلد كثير من المستمعين ؟ .. أم هو حلم من أحلام البشرية عبّر عنه كثير من المصلحين من أيام أفلاطون في جمهوريته مرورا بالفارابي بمدينته الفاضلة وانتهاء بالذين رفعوا راية العدالة في العصر الحديث . واستغرقت في التفكير والخيال يجمح بي في دروب بعيدة تكاد تصل بي إلى سدرة المنتهى , ولسان حالي يقول :
    دعونا نحلم , دعونا نرى الخلاص , ولو بحلقة ذكر , إذا لم يبق لنا إلا الحلم والأمل .. ألسنا " محكومون بالأمل " كما قال الطيب الذكر سعد الله ونّوس ؟ ..
    وختاما , علينا أن نتمثل قول الخليفة عمر وغيره من رواد الحرية في التاريخ البشري .. فالحرية للشعوب قاطبة والزوال للمستثمرين والطغاة . . هذا هو أمل البشرية في غدها المشرق ...
    والسلام عليكم , وعلى المتقين , وعلى المعادين للعبودية بكل ألوانها وأشكالها ... آمين .
    { هذه الحلقة ألقيتها كمحاضرة في " قصر الثقافة " في ديرعطية . وقد شارك في ختامها عدد ممن عملوا في بلدان النفط العربي . من المؤسف لم يكن هناك تسجيل للمحاضرة والنقاش ، الذي اعقبها . فما ذكره من عاشوا في السعودية وبلدان الخليج يصوّر الواقع بأدق تجلياته }
    عدد الزيارات
    16873703

    Please publish modules in offcanvas position.