خالد محمد جزماتي: من ذكرياتي عن الدكتور وجيه البارودي

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏لقطة قريبة‏‏‏حدث معي، في عيادة الدكتور المرحوم وجيه البارودي

    الجميع يعلم أن سنين الوحدة السورية المصرية كان المطر فيها قليل جدا، وهذا يتسبب برحيل البدو مع مواشيهم من البادية شرقا، حيث المراعي معدومة، الى المناطق الغربية الغنية بالمراعي وبكثرة السكان.
    وكان أبي وأبناء خاله من اّل بركات يقيمون شراكات مع البدو الرحل بأغنامهم وإبلهم، وأثناء رحيل أحد شركائنا من البدو الرحل، مروا مع أغنامهم من أمام بيتنا ليلا وأجراس الكبش (المرياع) تقرع بصورة لا أجمل ولا أحلى، وقامت البدوية بقرع جرس بابنا للسلام علينا ومن أجل بعض الحاجيات (وهؤلاء البدو من عشيرة البشاكم يقيمون في قرية صغيرة اسمها أبو حريج قرب ناحية السعن)، وبسرعة غادرت معها لاحقين بقطيع الغنم.
    وعندما تجاوزنا حدود المدينة صعدنا على ظهر الأمتعة المحملة على سيارة البيك اّب. كان الطريق صعبا جدا في تلك اللأيام، ولقد وصلنا الى سهل الغاب في الصباح الباكر، ومن المعروف ان سهل الغاب لم يجفف بعد في ذلك الزمان (1958).
    أمضيب النهار ألعب وأمرح مع صبية البدو الذين هم من جيلي، وعندما بدأت الشمس بالغياب رأينا بشكل جلي وواضح ملايين البعوض يشكل كتلاً هائلة، متراقصة تلدغنا وكأنها فرحة بذلك. وبعد النوم بدأت الحمى تهاجمني وتسببت بارتفاع حرارتي بشكل سريع ومخيف.
    واضطر البدو في الصباح الباكر لإرسالي الى حماة بواسطة سيارة السمك (السلور)، حيث كان المرحوم أحمد قصاب اّشي (أبو صفوان) ضامنا لموسم صيد السلور في أراضي الغاب ويشرف على العمل ونقل السلور المرحوم خالد قندقجي (أبو فارس) صديق والدي الذي أوصلني الى بيتنا في حماة بزقاق الشيخ معروف.
    بهذه الحالة المرضية السيئة، فأخذتني والدتي من فورها قاصدة عيادة الدكتور وجيه البارودي (كانت عيادته مقابل جامع السلطان، وأيضا عيادة كل من الدكتور نجيب عبد الرزاق، والدكتور علي عبد الرزاق، رحمهم الله جميعا)، وفي الطريق وقعت على الأرض، وكنت ووالدتي قريبين من مخزننا التجاري القائم فيما يسمى "سوق جلباب" (كان سوقا مغطى بين مدخل سوق الطويل وجامع السلطان)، فحملني المرحوم خالد السراج (كان محله حيث سقطت) إلى عيادة الدكتور وجيه، متجاوزا الدورالطويل للمراجعين.
    وقام الدكتور وجيه رحمه الله بما يلزم، وتناول علبة دواء من خزانته المخصصة للأدوية، وأعطاها لوالدتي مع تعليمات قالها بسرعة... وقامت والدتي بعرض المال عليه، فنهرها بصوت عال، صارخا بها: اذهبي... ماذا فعلت....
    ولقد رويت هذه الحادثة عشرات المرات في حياتي وفي مختلف المجالس والمدن... و من جملة ما رويت لهم قصتي مع ابن الدكتور وجيه، ولده المحترم الدكتور ملهم البارودي المقيم حاليا في السويد، وأيضا ولده الاّخر الصديق سعد البارودي والمقيم أيضا في السويد....
    رحم الله الدكتور وجيه البارودي وأمثاله النشامى الطيبين
    عدد الزيارات
    16852230

    Please publish modules in offcanvas position.