منبرية القصة القصيرة، بين هيمنة الإلقاء و تشويش التلقي

    مفيد عيسى أحمد- فينكس:

    اختلفت الآراء في النقاش الذي أعقب أمسية قصصية نظمتها، مؤخراً، مديرية ثقافة طرطوس، في إطار مهرجان القصة القصيرة الأخير، حول منبرية القصة القصيرة و صلاحيتها للإلقاء.

    فهناك من رأى بأن القصة القصيرة ليست منبرية، و هي كجنس أدبي كتبت لتقرأ فقط، بينما ذهب رأي آخر بأن القصة ممكن أن تكون منبرية, في حال كان من يلقيها متمكناً من الإلقاء، بأن يعطي القراء و مخارج الحروف حقها، و أن يتمثل إلى حد ما أطراف الحوار إن وجد في القصة.

    على مدى زمني طويل حضرت أمسيات قصصية كثيرة و لأسماء معروفة، و كونت قناعة بأن القصة بطبيعتها ليست منبرية.

    فمن يلقي القصة سيقوم بدور الراوي، إن كان هو من كتبها أم لا، و بالتالي سيصبح هذا الدور مضاعفاً، لأنه بالأصل هناك راو هو الكاتب, مهما كان أسلوب الخطاب الأدبي. فإماّ أن يكون حضوره واضحاً كما في القص التقليدي، حيث يكون شاهداً بالأساس على ما حدث، أو أن يدع لشخصياته حرية أن تقول و تروي ما تريد، و يدير هو اللعبة القصصية بشكل غير مباشر، يحاول فيه ألا يكون مرئياً.

    في حال كان الكاتب هو نفسه من يلقي قصته، لا بد أن يمارس هيمنة ما على المتلقي، الحاضر. هذه الهيمنة تتمثل في الحد من قدرة المتلقي (الحاضر السامع و الذي يرى الكاتب أمامه) على التخييل. هذا يحيلنا إلى النظرية النقدية القائمة على قتل الكاتب أو المؤلف، فهنا يستحيل ذلك، مما يجعل حضور الكاتب يجعل يتفوق على حضور النص. و في حال كان من يلقي القصة ليس الكاتب نفسه، ستكون الازدواجية واضحة و سيفرض من يلقي على الحاضر نمطاً من التلقي خاص به. في الحالتين تبدو مقولة بارت (كل قراءة النص إعادة خلق له) في غير محلها، فالمتلقي الذي يحضر الأمسية القصصية، بقوم بدور المنفعل و ليس الفاعل، فهو لا يملك أسباب المبادرة.

    ثمة هيمنة مزدوجة للكاتب أو لمن يلقي القصة، على شخصيات القصة من جهة، حيث تتكلم كل هذه الشخصيات من خلاله، و على الحضور، حيث يتواصلون مع هذه الشخصيات من خلاله.

    يلعب المكان الذي تلقى فيه القصة، دوراً مهما في الحد من صلاحيتها للإلقاء، حيث يمارس المكان نوعاً من الضغط على المتلقي الحاضر، يقلل من قدرته على الخروج إلى بيئة القص، و هو إن فعل سيكون ذلك بشكل متقطع و غير منسجم. كما يمارس الحضور نوعاً من التشويش على بعضهم، فمن الصعب إقصاء تأثير الحضور و التخلص من الشعور بالمشاركة، الذي ينال من التلقي الجمالي للقصة، فعملية التلقي الأدبي و الفني، الجمالي عملية فردية خالصة.

    إضافة إلى العوامل الخارجية السابقة، هناك عوامل داخلية خاصة بالنص القصصي، فالقصة القصيرة تقوم على حدث و شخصيات مختلفة، على لغة و لعبة فنية تندغم كلها في بنية السرد، هذه السمات لا يمكن للإلقاء أن يوصلها إلى الحاضر السامع، فهناك مقاطع قد يرغب المتلقي بإعادة قراءتها، و هنا شخصيات لا بد من أن يكون صورة عنها، حتى و لو كانت شخصيات جوانية، و الصورة في هذه الحالة تقوم على علاقته المباشرة بهذه الشخصيات، و التي قد يخلخلها من يلقي القصة، كما أن علاقته بحيثيات الحدث تمر بسويات مختلفة، من إسقاط مجريات الحدث إلى النفور منه، أو تمثله, كل ذلك يقوم على التلقي المباشر و انتفاء وجود الوسيط.

    كل العوامل السابقة لا تعني التخلي عن النشاط المتمثل بقراءة المنتج القصصي، في الأمسيات و غيرها، لأن ذلك يلعب دوراً مهماً في التحريض على القراءة، و على تعريف المتلقي الحاضر السامع على هذا المنتج.  

    عدد الزيارات
    16921123

    Please publish modules in offcanvas position.