خالد محمد جزماتي: الدكتور توفيق الشيشكلي (1884- 1940)

    ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏الدكتور توفيق الشيشكلي (1884- 1940)
    ثاني طبيب عيون في مدينة حماة
    وُلد توفيق الشيشكلي في حماة سنة 1884م، أبوه عبد الرحمن الشيشكلي، نشأ وترعرع في حماة، ثم انتسب الى المدرسة الابتدائية في مدينة حمص التي تم تعيين أبوه قاضيا فيها، حيث تعرف على كثير من التلاميذ الذين سيلعبون أدوارا مختلفة في مختلف نواحي الحياة السياسية والثقافية المختلفة، مثل الدكتور عزة الجندي والوطني الكير مظهر رسلان.
    ‎ومنذ صغره لاحظ أساتذته وجميع زملائه مهاراته وذكاؤه المميز في جميع المواد، بالاضافة الى حسن تهذيبه وعشرته الفريدة في اللطف مع جميع الذين من حوله.
    ‎ثم تابع دراسته في مدرسة "عنبر" بدمشق، وبعد فوزه بالشهادة الثانوية انتسب الى كلية الطب العثمانية بدمشق وتخرج منها طبيبا عام 1911م.
    ‎وكان الدكتور توفيق الشيشكلي يتناغم مع شعب حماة وحاجاته، فرأى مثلا أن أمراض العيون المختلفة منتشرة في حماة، مما دفعه الى الإختصاص كطبيب للعيون ليداوي مواطنيه باندفاع مشهود ومجانا أكثر الأحيان للفقراء وما أكثرهم، وبأجور رمزية لباقي الشرائح.
    ‎وكان رحمه الله يجيد العربية والتركية، فترجم عن التركية القوانين المعروفة في زمانه والمتعلقة بالأوقاف ودائرة الكاتب بالعدل. وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 تم سوقه الى الخدمة العسكرية وتم تعيينة ضابطا طبيبا في الحجاز، وهناك أنشأ علاقات ودية مع قادة الحركة السياسية العربية الهاشمية، فأدى ذلك الى الشك فيه وتم نقله الى لبنان بمستشفى مدينة زحلة، وبسرعة أصبح المسؤول الأول في المستشفى، وشهد له أهل زحلة بتضحياته، وبمساهمته على مسؤوليته الشخصية توزيع الدواء مجانا على الأهالي المرضى من سكان مدينة زحلة، والصحف القليلة التي بقيت تصدر أيام الحرب ذكرته في مقالات كثيرة مثل الأستاذ اسكندر الرياشي...
    ‎كان الدكتور الشيشكلي ملما بالعلوم الشرعية، وملكة الخطابة لديه عظيمة والفصاحة، كانت تؤثر تأثيرا بالغا بسامعية، واكتسب شعبية عظيمة بشكل مبكر في مدينة حماة، وكان من المستقبلين للأمير فيصل عندما زار حماة في التاسع من تشرين الأول 1918، وكان من المطالبين بدعم تأسيس مدرسة أهلية تعنى بتربية الأجيال وزرع الوطنية في نفوسهم، فكانت مدرسة دار العلم والتربية. وقد أصدر جريدة "التوفيق" عام 1919 أيد فيها العهد الجديد بزعامة الأمير فيصل بن الحسين.
    ‎وكان أقرب الناس اليه في حماة الدكتور الشهيد "صالح قنباز" الذي أصبح طبيبا للداخلية عام 1910، ولقد اشتركا معا في نشر العلم والقيم الوطنية واشتركا مع اّخرين في تأسيس مدرسة دار العلم والتربية، ثم النادي الأدبي ذائع الصيت الذي كان منارة عظيمة للواقع العملي الوطني التي تعيشه حماة وشعبها.
    ‎وكان الشيشكلي يدعو الى تنمية القيم الاجتماعية وضرورة التمسك بتلك القيم، ويقدم ذلك النشاط الاجتماعي على العمل السياسي، فكسب والدكتور "صالح قنباز" بشكل مبكر مواطني حماة وريفها وأصبحا مضرب المثل للرجال الرمز لصدق التعامل السياسي الوطني.
    ‎ولقد ساهم مساهمة فعالة في تكوين مكتبة وطنية تابعة للنادي الأدبي، وأقام فرعا تابعا له لتعليم الأميين، ثم أنشأ جمعية للاسعاف الخيري ترأسها رفيقه السيد "محمد البارودي".
    ‎أما بالنسبة لعمله السياسي فقد عمل بالسياسة الوطنية باكرا، وحاول الالتحاق باثورة العربية الكبرى عندما كان يخدم في المدينة المنورة كطبيب ميداني، ولكن السلطات التركية أسرعت بنقله الى لبنان، وكان من أركان حزب الاستقلال الذي أسسه قادة "الجمعية العربية الفتاة" وعندما نشبت الثورة السورية الكبرى كان رأيه مثل رأي رفيقه الدكتور صالح قنباز، برفض قيام ثورة حماة في المدينة، ويفضل قيام الثورة في الأرياف والجبال.
    ‎ولما قامت الثورة في حماة عام 1925م استشهد الدكتور "صالح قنباز"، وبعد اخمادها طلبه الفرنسيون فغادر حماة متخفيا حتى صدور العفو، ولقد ساهم مع بعض وجوه وأعيان حماة في تأسيس الكتلة الوطنية في دمشق عام 1928، ومنهم "نجيب البرازي" و "عبد القادر الكيلاني" و "حسني البرازي" و المطران "أغناطيوس حريكة" و "نجيب الريس" وغيرهم.
    ‎وكان "نجيب البرازي" من قيادة الكتلة الوطنية الرئيسية في دمشق، وكان الدكتور توفيق الشيشكلي رئيسا لفرع الكتلة في حماة حتى وفاته عام 1940م. أما "حسني البرازي" فقد انسحب من الكتلة بعد زمن معين وانضم الى مجوعة الشيخ "تاج الدين الحسني".
    ‎ولقد جرت انتخابات عام 1928 في حماة وخسر فيها الدكتور توفيق أمام منافسه السيد "حسني البرازي"، فكان ذلك صادما للحركة الشعبية في حماة المتمثلة بالطبقة الوسطى والفقراء من الحمويين، فبدأ زعماء الكتلة الوطنية المتمثلة بزعماء برزوا على الساحة بشكل فعال كالمحامي "رئيف الملقي" والأستاذ "عثمان الحوراني" والصيدلي "عبد الحميد قنباز" و "الشيخ طاهر النعسان" والمجاهد عبد الرحيم الغزي وسعيد الترمانيني وأخوه عثمان ومحمد وجميل البارودي وعبد الله العاشق وغيرهم، حيث خاضت المدينة بأهلها انتخابات عام 1931- 1932.
    ‎وفيها تنافست قائمتان، الأولى مدعومة من السلطة القائمة في حماة وهم "نورس الكيلاني" وصهره "حسني البرازي" و "فريد مرهج"، والثانية يتزعمها الدكتور توفيق الشيشكلي ومعه "نجيب البرازي" و "شمسي نصر الله"، ففازت قائمة السلطة وكذلك جرى مثل ذلك في دمشق ودوما.
    ‎فهبت الأحياء وهجم أنصار الكتلة الوطنية على المراكز الانتخابية وحطموا صناديق الانتخابات، وبدأت المظاهرات عدة أسابيع سقط خلاله ضحايا كثيرة منهم ثلاثة رجال في شارع "المرابط" قتلهم الجنود الفرنسيون وهم يتظاهرون ضد نتائج الانتخابات متهمين السلطات بالتزوير، ووثقت من القتلى كل من: محمود عبد الرحيم الزعيم ويونس أحمد الحلبية ومظهر الحافظ. (كان ذلك في مظاهرات أواخر كانون الأول 1931م).
    ‎ومن المفيد معرفته أن الذي كشف التزوير رجل صالح لا يشك أحد في صدقه، وهو الشيخ طاهر النعسان، حيث أرسل كشفا (بحكم وظيفته في المحافظة) بعدد المناطق في المدينة والقرى وعدد ناخبي كل منطقة وأسماء المشرفين واموظفين الى الدكتور توفيق الشيشكلي، فقام أنصار الشيشكلي على تحديد الأسماء وتعيينها في كل منطقة وتم طبعها.
    ‎وهكذا تم بدقة كشف التزوير وأُعيدت الانتخابات بكل دقة في حماة ودمشق ودوما وفازت قائمة الكتلة الوطنية، وهم: نجيب البرازي - توفيق الشيشكلي- شمسي نصر الله... وبعد ذلك شكّت السلطات بالشيخ "طاهر النعسان"، فنقلته بشكل سافر الى "الرقة" منتقمة منه. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الدكتور توفيق الشيشكلي زعيم حماة بدون منازع.
    ‎وفي جلسات المجلس النيابي تم انتخابه أمينا لسر المجلس، وكان المدافع الرئيسي عن حقوق الطبقة الفقيرة في البلاد، و دوما يحثّ النواب على ايجاد الحلول الملائمة لحل مشكلات الفقر والجهل والمرض، وذاع صيته عربيا واقليميا ودوليا، فكان المجلس النيابي يقترح اسمه ضمن الذين يسافرون حارج البلاد لشؤون مختلفة كما حدث وسافر الى مصر للتنسيق مع جزب الوفد المصري.
    ‎وكذلك أصبح عضوا في اللجنة الحميدة لفض النزاع بين السعودية واليمن، فقابل مع بقية الأعضاء الملك عبد العزيز آل سعود وعاهل اليمن حميد الدين. وتابع مسيرته السياسية الوطنية وكان كثير السفر الى دمشق، ولما اشتد الصراع بين الشعب وممثليه من جهة وبين سلطات الاحتلال الفرنسي، والذي أدى الى الاضراب الستيني.
    ‎ولا ننسى في هذه العجالة موقف جميع السوريين من قضية العرب الكبرى "فلسطين" واضرابات الخمسين ، حيث أضربت حماة أيضا بعد دمشق ومن نتائج تلك الأحداث موافقة فرنسا على توجه وفد سوري الى باريس للتفاوض على نيل الاستقلال، فقامت الأفراح وعمت البهجة سورية.
    ‎وبعد ستة أشهر من المفاوضات في فرنسا برئاسة الرئيس هاشم الأتاسي، عاد الوفد حاملا الموافقة المبدأية على الاستقلال (هكذا كان الظن، والحقيقة أن فرنسا خدعت السوريين ولم تقدم شيئا)، فتمت الدعوة الى انتخابات جديدة، ففاز فيها الدكتور توفيق الشيشكلي وقائمته المشكلة منه ومن "نجيب البرازي" والدكتور "عمر الدلال" بعد خلاف شديد على ترشيح الدكتور "محمد السراج" من عدمه، وهذا السبب الرئيسي الذي أدى الى انشقاق أستاذ التاريخ "عثمان الحوراني" عن الكتلة الوطنية وتأسيسه بعد عام ونصف تقريبا لحزب الشباب.
    ‎وكانت السلطات الفرنسية قد اعتقلته أثناء الاضراب الخمسيني، وقذفت به الى معتقل ثكنة "الشرفة" العسكري وكان مرض القلب يفتك به شيئا فشيئا، ومع ذلك لم يجنح نحو الراحة بل تابع مسيرته النضالية.
    ‎واعتقلته السلطات الفرنسية مرة أخرى، ثم أفرجت عنه لتدهور صحته، وفاضت روحه الزكية الى بارئها صباح يوم 3 تشرين الأول 1940، فقام الوطنيون بنقل جثمانه الى مدرسة دار العلم والتربية، وأدخلوه الغرفة الذهبية بانتظار دفنه بعد توديعه من قبل محبيه ومن قبل الوفود الكثيرة التي جاءت حماة حزينة للمُصاب الجلل، وتم دفنه بعد جنازة مهيبة قل نظيرها وفيها قال أحدهم:
    ‎وسارت حماة خلف نعشك كتلة .. تشيع آمالا وتبكي أمانيا
    ‎فأقسم لم تشهد حماة ولا رأت .. كرزئك يوما أو كيومك باكيا
    ‎ختاما: أقول أن الذي تولى رئاسة الكتلة الوطنية في حماة بعد وفاة رئيسها الدكتور توفيق الشيشكلي هو المحامي رئيف الملقي أبو فواز رحمه الله وطيب ثراه.
     
    المصادر: -- رواد طب العيون للدكتور سمير انطاكي - -- الكتاب الذهبي المجلد الأول لمنير الريس - --مع ثورة حماة لسنة 1925 لمحمد سعيد الزعيم * -- مذكرات فوزي القاوقجي اعداد الدكتورة خيرية قاسمية - -- مذكرات أكرم الحوراني - --تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي لأدهم اّل الجندي - -- توثيق معلومات عن أطباء العيون في حماة مع طبيب العيون الدكتور منذر - أرمنازي.
    عدد الزيارات
    16175802

    Please publish modules in offcanvas position.