تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 79

أ تميم دعبولالجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
بعد عودتي إلى القسم الثقافي بأشهر أخبرني رئيس التحرير أن الجريدة تلقت دعوة للمساهمة في فعاليات الاسبوع الثقافي السوري الذي سيقام في العاصمة التونسية. وطلب مني الاستعداد للسفر من اجل تغطية المناسبة.
كانت هي المهمة الثانية التي سأقوم بها خارج القطر بعد مهمة اليمنين والتي نفذتها عام 1977.
غادرت طائرة الخطوط الجوية التونسية مطار دمشق باتجاه مطار قرطاج في العاصمة التونسية. وكما هو مقرر في خط سير الرحلة، هبطت الطائرة اولا في مطار القاهرة المحطة الأولى في الرحلة الميمونة حيث سينزل بعض الركاب ويصعد آخرون.
توقفت الطائرة بعد هبوطها في منطقة بعيدة عن صالة المسافرين. وطلب الكابتن من الركاب البقاء في أماكنهم حتى إشعار آخر.
مر الوقت ببطئ وسادت حالة من التململ لتتحول بسرعة إلى حالة من الترقب والقلق بسبب التاخر بالسماح لركوب القاهرة بالنزول من الطائرة.
بعد حوالي نصف ساعة، زادت حالة التوتر بين الركاب عندما شاهدوا من النوافذ ثلاث سيارات عسكرية من طراز زيل السوفيتية الصنع تتوقف بمحاذاة الطائرة حيث نزل منها عشرات الجنود المدججين بالاسلحة، مصحوبين بعدد من الكلاب البوليسية، و أحاطوا بالطائرة من كل جانب..
بعد قليل حضرت سيارة شحن ونزل منها بعض العمال كما حضرت عربات نقل الحقائب..
أنزل العمال حقائب ركاب القاهرة وصفوها على أرض المطار. في حين قامت الكلاب "بشمشمة" الحقائب. وعند انتهاء المهمة أنزلوا ركاب القاهرة من الطائرة وصفوهم رتلا أحاديا واقتادوهم واحدا بعد آخر ليتعرف كل منهم على حقائبه قبل أن يضعوها في سيارات الشحن. بينما توجه المسافرون إلى الباصات التي ستقلهم إلى صالة المطار.
بعد انتهاء العملية سمحوا لركوب القاهرة المغادرين إلى تونس بالصعود إلى الطائرة تمهيدا لاقلاعها من جديد.
عند انتهاء كل الإجراءات وصعود جميع الركاب أقلعت الطائرة باتجاه مطار قرطاج التونسي. وأطل علينا صوت الكابتن ليعتذر عن التأخير الذي حدث بسبب الإجراءات الأمنية التي تهدف إلى تأمين سلامة المسافرين. ولا شيء غير سلامة المسافرين!؟
بعد الاقلاع بدأ الركاب يتداولون في قضية الإجراءات المشددة التي طالت الطائرة التونسية وركابها. حيث أفاد أصحاب الخبرة أن هذه الإجراءات المعمول بها في مطار القاهرة تطال على وجه الخصوص الطائرات القادمة من دمشق بغض النظر عن جنسيتها وجنسية ركابها. وعندما أحضرت لي إحدى المضيفات وجبة الطعام استفسرت منها عن القضية. فأكدت لي بأن هذه الإجراءات تطبق فقط على الطائرات المتنقلة بين دمشق والقاهرة حيث ولدت القومية العربية، ونشات الوحدة العربية. ولحنت اغنية "من الموسكي لسوق الحميدية" التي شدت بها الدلوعة الصبوحة!
كانت العلاقات بين "البلدين الشقيقين" بدأت بالتدهور بعد حرب تشرين ووصلت حد القطيعة بعد زيارة السادات لإسرائيل في تشرين الثاني عام 1977وبعد أن وقعت مصر اتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978 والتي رفضتها سورية و أسمتها اتفاقية العار!؟
ولذلك وكما جرت العادة وكما تقتضي القيم الوحدوية والنضالات القومية وتقاليد الأنظمة العربية، فقد حدثت بين البلدين معركة إعلامية شرسة لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية. كما قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وسادت أجواء من الشكوك وعدم الثقة والاتهامات المتبادلة بينهما. كذلك قطعت العلاقات بين مصر وأغلب الدول العربية في ذلك الوقت. ونقل العرب جامعتهم العتيدة والفريدة. - جامعة الدول العربية - إلى تونس انتقاما من السادات و"سياسته الرعناء"!؟
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد تمرد اليساريون والناصريون المصريون على السادات وسياسته "الانهزامية". وغادر عدد كبير منهم مصر، وتوزعوا على عدة دول عربية وأوروبية ليمارسوا النضال ضد نظام الحكم الساداتي من الخارج ويطيحوا به ويعيدوا مصر إلى "الحظيرة العربية" بدل أن تبقى في "حظيرتها" الخاصة.
كان من بين المغادرين سياسيون وكتاب وفنانون وصحفيون وأساتذة جامعات. كان القاسم المشترك بينهم الإنتماء لقوى اليسار من تقدميين وناصريين وقوميين ومقاومين!؟
أعادني ما شاهدته في مطار القاهرة من إجراءات تعكس تخوف الجانب المصري وتشككه في كل ما هو سوري او قادم من سورية. أعادني إلى أواخر عام 1977 وأوائل عام 1978 حين لجا إلى سورية في تلك الايام مجموعة من المثقفين المصريين الذين كانوا من جملة المثقفين اليساريين الذين غادروا القاهرة "لمتابعة النضال" ولتجنب بطش السادات الذي بدأ يودع معارضيه في السجون.. حيث كان لي مع أحدهم قصة طريفة لا تنسى..!؟
كنت قد وصلت لتوي الى الجريدة في صبيحة أحد أيام تلك الحقبة. عندما دخلت إلى مكتبي عاملة مقسم الهاتف وأخبرتني أن رجلا مصريا وصل إلى مبنى الجربدة الآن ويريد مقابلتي. فطلبت منها أن تسمح له بالدخول.
دخل الرجل وألقى التحية فقابلته بأحسن منها. ولم ينتظر لأساله أن كان يفضل تناول القهوة أو الشاي حتى دخل في الموضوع مباشرة..
قال:
- أنا فلان الفلاني حاصل على شهادة دكتوراة في الإعلام والرأي العام. وكنت اشتغل في مراكز دراسات تابعة لعدة صحف مصرية. و أمتلك كميات هائلة من المعلومات السرية والخطيرة التي تحتاجها القيادة السورية وهي تتصدى للمؤامرة الساداتية الصهيونية. وقد غادرت مصر مؤخرا لأني غير راض عن سياسة الخائن أنور السادات. وقصدت سورية لأضع كل امكانياتي وخبرتي بخدمة القيادة السورية التي ما زالت تقاوم العدو الصهيوني!؟
قلت له:
- عظيم.. وماذا بعد؟
قال:
- قابلت هنا بعض المسؤولين فحجزوا لي غرفة في فندق بلودان وطلبوا مني الانتظار ريثما يجدوا لي المكان الملائم. انتظرت وانتظرت ولكنهم لم يوفوا بوعدهم لي. راجعتهم مرة اخرى، فنصحني أحدهم أن أعرض أمري على رئيس الجمهورية. لأنه وحده القادر على البت في قضيتي.
أضاف:
ذهبت إلى القصر الجمهوري فمنعوني من الدخول بدون موعد. وأشاروا علي أن اتصل بأبي سليم مدير مكتب الرئيس ليرتب لي موعدا. فلما طلبت منهم أن يسمحوا لي باستخدام هاتف استعلامات القصر لاتصل بأبي سليم رفضوا وأخبروني بأن علي الاتصال من هاتف من خارج القصر.. وأعطوني رقم مدير مكتب الرئيس.
قلت له:
- وماذا بعد؟!
قال:
- ذهبت إلى دكان مجاور واتصلت بأبي سليم، فرحب بي ووعد أن يعطيني جوابا بعد ثلاثة أيام.
قلت له:
- عظيم. واتصلت بعد ثلاثة أيام.
قال لي:
- اصبر يا أخينا.. هوا ما عندكش صبر!؟
قلت له:
- امال.. على الطريقة المصرية. يعني بضم الهمزة وتشديد الميم.
تابع:
- بعد ثلاثة أيام عاودت الاتصال بأبي سليم فطلب مني برضو أن اتصل به بعد ثلاثة أيام. وبعد ثلاثة أيام أخر .طلب مني التجديد لثلاثة أيام. وهكذا بقيت على هذه الحال لمدة شهر و أنا منقوع في فندق بلودان!؟
قلت له:
- وما الضرر في ذلك؟
قال:
- أنا جيت هنا علشان اشتغل مش عشان اتفسح!؟
عاجلته بالسؤال:
- وبعدها حصل ايه.. ما انت دوختني يا راجل!؟
أجابني:
- إذا أنت دخت. امال انا صار فيا ايه!؟
قلت:
- هوا أنا عارف؟
قال:
- بقي الأمر عل حاله لغاية اليوم الصبح. يعني لقبل ساعة من دي الوقت.. اليوم رحت مبنى البريد اللي هنا بجانبكم. قلت للموظفة أريد أن ابعت تلغراف إلى الرئيس. فرحبت بي الموظفة وطلبت مني نص التلغراف فقلت لها اكتبي ورايا. فأتت بورقة وقلم. وقالت لي تفضل. هات لنشوف.
قلت لها اكتبي.. السيد رئيس الجمهورية أبو سليم.. قالت لي:
- ولكن اسم رئيس الجمهورية أبو سليمان وليس أبو سليم.
قلت لها:
- انت لا تعرفين. اسم رئيس الجمهورية عندكم أبو سليم وليس أبو سليمان.
قالت لي: بل اسمه أبو سليمان فقلت لها بل أبو سليم.. أبو سليمان. أبو سليم. تجادلنا فغضبت وارتفع صوتها. وحضر مديرها فورا واستفسر عما يحدث. فروت له القصة.
التفت المدير الي وقال:
- يا سيد اذا اردت كتابة تلغراف للرئيس فيجب أن يوجه باسم الرئيس حافظ الأسد أو باسم الرئيس أبو سليمان. وإلا فلن نرسل لك أي تلغراف؟!
هنا انتهت رواية الرجل لما حدث معه في مبنى البريد. فأصبت بنوبة ضحك وسألته:
وماذا عملت بعدها؟
قال:
ألغيت فكرة التلغراف وطلبت منهم أن يدلوني على أقرب جريدة من مبنى البريد فدلوني عليكم. فجئت اليكم عسى أن تدلوني على طريقة تمكني من الوصول إلى الرئيس الأسد!؟
اعتذرت من الرجل لاني غير قادر على تلبية طلبه. فشكرني وخرج بعد أن أبلغني إصراره على الوصول إلى الرئيس.
عندما وصل الأخ إلى باب مكتبي التفت الي وقال:
الرئيس عندكم اسمه أبو سليم.. ولا ايه..؟
وخرج.. وخرجت من فمي ضحكة مجلجلة..!؟
بعد خروجه اتصلت بأبي سليم و أخبرته بما حدث واستفسرت منه عن قصة الرجل.. ضحك أبو سليم وأخبرني بأن ما رواه الرجل وقع فعلا. ولكن شكوكا وشبهات كثيرة تدور حوله وان الأجهزة الأمنية تتحقق من شخصيته.
بعد عدة أيام اتصل بي أبو سليم وأخبرني أن الرجل اختفى بعد أن استلم معلومات من مصر تفيد بأن أجهزة الأمن السورية تحققت من شخصيته وعلمت انه ضابط استخبارات دسته الأجهزة المصرية للتجسس على القيادة السورية. ويرجح انه غادر تهريبا من بلودان الى لبنان!؟
أما المفاجأة الأكبر. فحدثت بعد ذلك بحوالي ثلاثة أسابيع.
كنت في مكتبي أتصفح مجلة روز اليوسف المصرية التي كانت تأتيني نسخة منها مع بقية الصحف العربية. وإذ بمقال يظهر أمامي مغفل من اسم كاتبه. كان المقال يتحدث بسلبية وعدائية عن القيادة السورية ومن جملة ما هو مذكور فيه ومنقول عن مصادر مطلعة وعليمة أن حافظ الأسد لايحكم سورية. و إن من يحكمها فعليا شخص اسمه أبو سليم..!؟
كانت بصمات ذلك الرجل الاستخباراتي واضحة في مقال مجلة روز اليوسف..!؟
تذكرت تلك الحادثة وضحكت في سري بينما كانت الطائرة تتابع رحلتها إلى تونس الحبيب بورقيبة، الذي اتهمه جميع العرب بالخيانة العظمى ثم طلبوا منه أن يحتضن مقر.
عدد الزيارات
16176059

Please publish modules in offcanvas position.