خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (10)

    ازدادت كراهية الأرمن للسلطان عبد الحميد الثاني، لعدم تنفيذه أحد بنود اتفاقية عام 1887 التي تمت في برلين الخاصة بالمسيحيين، وفي تلك المعاهدة حصلت النمسا على البوسنة والهرسك، واضطرت الدولة العثمانية على الاعتراف باستقلال الأفلاق والبغدان (رومانيا) وبلغاريا والجبل الأسود وصربيا، وهكذا خسرت الدولة العثمانية في الربع الاخير من القرن التاسع عشر حوالي 80% من الأراضي الأوربية التي كانت تحكمها، بالاضافة الى جزيرة قبرص عام 1878 التي اّلت الى بريطانيا، ثم خسرت تونس عام 1882 التي احتلتها فرنسا، ومصر التي احتلتها بريطانيا..ةثم فازت روسيا القيصرية بضم باطوم وقارص وأردهان اليها..
    وتتابعت الأحداث المرعبة في الدولة العثمانية بالاقتتال بين الأرمن من جهة والأكراد والشركس من جهة أخرى بين عامي 1894 و 1896 والتي أرسل خلالها السلطان عبد الحميد ما سمي بالقوات الحميدية وقمع ثورة الأرمن بشدة وقسوة، وخاصة بعد قيام احدى المنظمات الأرمنية باثارة القلاقل في العاصمة استامبول ومحاولتهم تفجير بعض المنشاّت الحيوية فيها، وللوصول الى حقيقة ما جرى ينبغي على القارىء المهتم أن يراجع ويقرأ الروايات المخلتفة حول تلك الأحداث ..هناك مراجع ومصادر عثمانية مؤيدة لوجهات نظر العثمانيين، ومراجع ومصادر مؤيدة لوجهات نظر المنظمات الأرمنية، ولكن من خلال معرفة أهل بلاد الشام وما شاهدوه من هجرة الاّلاف من الأرمن من بلادهم الى بلاد الشام والعراق نتيجة لتلك الأحداث المؤسفة يدل دلالة واضحة على المعاناة الشديدة للشعب الأرمني من تلك الحروب والفتن الداخلية ، وباسم العمل السياسي كم ارتُكب من قتل وتدمير بحق الانسان.. أي انسان .!..
    وفي العام 1905 حاول الأرمن اغتيال السلطان عبد الحميد الثاني واستخدموا من أجل ذلك خبير بلجيكي اسمه "جوريس" ولكن الاستخبارات العثمانية استطاعت اكتشاف تفاصيل المحاولة بعد تفجير قنبلة كان من المنتظر أن تمر عربة السلطان عبد الحميد بقربها، ولكن شاءت الأقدار أن يعترض السلطان المفتي العام ليسأله عن أمر مستعجل، وانفجرت القنبلة بعيدا عن عربة السلطان ونجا.... وتم القبض على جوريس البلجيكي الذي استطاع السلطان كسب وده بالعطايا ثم جنده للعمل معه من خلال سفره الى أوربا وتنفيذ بعض المهام هناك لصالح الاستخبارات العسكرية..
    وتتابعت الأحداث بشكل دراماتيكي وخاصة في البلقان الذي لم يتبقى للعثمانيين منه الا القليل، وازداد نشاط جمعية الاتحاد والترقي الذي كان وراء تشكيلها الماسوني الألباني "ابراهيم تيمو" وانتشرت بشكل سريع في العاصمة وفي سالونيك وفي الشتات بين المعارضين العثمانيين الذين سكنوا القاهرة وباريس وبرلين ولندن، وأصدروا الصحف المعارضة..
    ومع مرور الوقت كثر أنصار الاتحادين وانضم اليهم كثير من القادة المدنيين والعسكريين.. وفي شهر تموز أعلنوا الثورة واحتلوا مدينة "مناستر" وانضم اليهم قائد الجيش الثالث "أحمد نيازي" ثم أشهروا شعارهم "إما الحرية أو الموت" ثم قويت شوكتهم بانضمام الوحدات العسكرية التي يقودها أنور باشا ومصطفى كمال، فأرسل اليهم السلطان عبد الحميد الثاني قوى عسكرية كبيرة، ولكنها انضمت الى الثوار مما اضطر السلطان يوم 23 تموز 1908 على اعلان العودة لدستور (المشروطية) عام 1876، وأصبح الحكم ملكيا دستوريا، والذي استمر حتى شهر 27 نيسان 1909م..
    نهاية حكم السلطان عبد الحميد الثاني:
    مع نهاية شهر اّذار 1909 قامت حركة مريبة بمظاهرات عارمة ادعت فيها أن الشريعة تنتهك، ثم تبعها بعض الاغتيالات لرجال هامين في السلطة وصحفيين يؤيدون جمعية الاتحاد والترقي وانضم اليهم عناصر من الجيش وبدون معرفة قادتهم من الضباط، فقام السلطان عبد الحميد باستدعاء قائد الجيش الثاني وأمره بالتعامل مع الفوضى وكبحها مع أن ظاهرها اعادة الاعتبار له وابعاد الاتحاديين عن مراكز الحكم / ولكنه رفض أن يطيعه ، فقام قائد الجيش الثالث بالتحرك من سالونيك وهو محمود شوكت باشا وهو من مواليد بغداد عربي الهوى ذو أصول شركسية.. تحرك بجيشه الى استامبول العاصمة واحتلها وأعلن حالة الطوارىء، فقام قائد الجيش الأول ناظم باشا بمقابلة السلطان عبد الحميد وطلب منه السماح له بالتصدي لمحمود شوكت باشا وجيشه الثالث وطرده من العاصمة، فرفض السلطان طلبه ومنع الاقتتال بين العسكريين العثمانيين وفضل التريث.. وقام محمود شوكت باشا بدمج مجلس المبعوثان والأعيان وسماهما "المجلس الوطني المشترك" الذي طلب من الصدر الأعظم توفيق باشا تبليغ السلطان عبد الحميد الثاني قرار خلعه بفتوى شرعية، فرض القيام بذلك، فقاموا بتكليف كل من: "عارف حكمت باشا" و "اّرام الأرمني" و "أسعد طوطاني" و "قره صو عمانوئيل اليهودي" وتمت قراءة فتوى خلعه، وتولية أخاه محمد رشاد بدلا منه ، ثمر اقتادوه الى القطار منفيا الى مدينة سالونيك مع أهله ....
    أخيرا أقول: للإحاطة بشكل مقبول بتلك الحقبة لا بد من قراءة مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني للاطلاع على وجهة نظرة، ثم قراءة بعض المراجع التي أرخت لتلك المرحلة ان كانت أوربية أو تركية أو عربية....
    وللحديث بقية
    عدد الزيارات
    15527309

    Please publish modules in offcanvas position.