نصر شمالي: عن الصحافي رياض نجيب الريس والصحافية التي حاورته سعاد جروس

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٤‏ أشخاص‏في النصف الأول من التسعينيات، تعرفت إلى رياض نجيب الريس مباشرة، في كواليس دورة من دورات المؤتمر القومي العربي المنعقدة في بيروت..
    كانت المبادرة مني، فقد كنت أحمل في حقيبة يدي قصة قصيرة كتبتها، واعتقدت أنها ذات قيمة، وتستحق النشر، فتوجهت إلى رياض، بصفته ناشراً وكاتباً وصحافياً معروفاً، وقدمت نفسي، فسلم علي سلام من يعرفني تماماً معرفة مباشرة! وأعطيته القصة، لتنشر في مجلته الشهيرة "الناقد"، وإذا به يقول على الفور: "قصة؟ أنا أريد من نصر شمالي شيئاً آخر، غير القصص"!.. ورمى بالمخطوطة باستخفاف بين أوراقه من دون أن يلقي نظرة على عنوانها، ودعاني لزيارته في مكتبه، في دار النشر التي تحمل اسمه!.. فاجأني ذلك منه، بل صدمني في الحقيقة، وتركته غير راغب في لقائه مرة أخرى..
    لكنني، باختصار، زرته في مكتبه، فقد أثار فضولي الشديد معرفة ما يريده مني "غير القصص".. كما قال!.. كان عنده، في مكتبه، المرحوم حسين حلاق، فاستقبلني رياض كأنني معرفة مباشرة قديمة، بينما حسين الحلاق يتأملني باهتمام واضح.. وقال رياض، على الفور، أنه يتوقع مني عملاً سياسياً، لا قصص! وفهمت، من شرحه المختصر، أنه يريد مذكرات، أو ما يشبه المذكرات، أي أنه يريد أسراراً، من الفترة السورية، ١٩٦٦-١٩٧٠، التي كان لي حضور فيها!.. كنت غير مرتاح نهائياً لما قاله، وما طلبه، ولرفع الكلفة بتلك الطريقة، فلزمت الصمت، وقررت الانسحاب بعد احتساء القهوة، وعدم الاتصال به ثانية، مباشرة، وهو ما حدث فعلاً، كما أنه، من جهته، لم يظهر، في لقاءاتنا العامة التالية، في دورات المؤتمر القومي العربي حصراً، أية رغبة في تبادل الحديث معي!
    واليوم، بعد السنين الطويلة، ها هي الإعلامية، الأديبة، الصديقة سعاد جروس، تهديني نسخة من كتابها الجديد (صحافي المسافات الطويلة) المتضمن حوارها مع رياض نجيب الريس، وهو الحوار الذي يغطي رحلة عمره المهنية، كصحافي، وأديب، وكاتب، وناشر.. وقد عكفت على قراءة الكتاب، وإذا بي، منذ الصفحات الأولى، مشدوداً إلى أحداثه، أتابعها بسرعة، وبلهفة، من دون ملل ولا عناء، فالحياة المهنية لرياض حافلة، وثرية، ومثيرة، بخاصة وقد نجحت سعاد في صياغة الحوار معه، بطريقة عملية، جعلت كل كلمة تنبض بالحياة، ولا تحتاج لأي تزويق أو تسويق.. الكتاب، في حواره الممتع، هو سيرة الحياة المهنية الحافلة، المتميزة، لرجل يعشق مهنته الصحافية عشقاً فروسياً، مثل فرسان القرون الوسطى وعشيقاتهم الفاتنات الملونات، بحيث هو يقدم مهنته على كل شيء آخر في حياته، ولا يتردد في الطواف في العالم، حيث المخاطر، لصالحها، ولا في خوض أغرب وأصعب المغامرات في سبيلها!.. وبالفعل، فقد خاض مغامراته الصحافية، بروح العاشق المتيم، معتبراً، في حواره الطويل، أن هذه المغامرات هي حياته الأساسية كلها.. حياته التي "عاشها بالطول والعرض" كما يقال!..
    لقد ساعدني كتاب سعاد جروس على فهم ما خفي عني من تركيبة شخصية رياض نجيب الريس، حين التقيته، وتحدثت إليه مباشرة في بيروت، في كواليس المؤتمر، وفي مكتبه، فالرجل لا يهمه أن تتفق معه، أو تختلف معه، حول قضايا عامة، بقدر ما يهمه أن يخدم موقفك منه، ومعه، عشقه الفروسي، المزمن، لمهنته!..
    حياة رياض الريس المهنية، الصحافية، الحافلة، وأحاديثه الجذابة الثرية عنها، ذكرتني بالحياة الصحافية الحافلة للأديب الأميركي الإنسان، أرنست همنغواي، وبأحاديث همنغواي عنها.. ولقد كان من حسن طالع رياض، أن والده هو الصحافي العلم نجيب الريس، وأن ظروفه، منذ نشأته الأولى، جاءت متفقة مع ميوله الفطرية، فمضى مندفعاً في الاتجاه الذي اختاره مبكراً جداً، بلا عوائق أولية تستحق الذكر، ومذللاً العوائق التي كان يمكن أن تحول دون استغراقه التام، في قصة عشقه مدى العمر، لمهنته الجميلة.. مهنة المتاعب الرائعة!..
    في الحقيقة؟.. أنا أغبط رياض نجيب الريس على حياته المهنية التي عاشها، بخطئها وصوابها، وبفشلها ونجاحها، وبمرها وحلوها، فهي جميلة بمجملها.. وأغبط السيدة الكريمة، الصديقة الأديبة، سعاد جروس، على تنظيمها وإعدادها لمثل هذا الحوار الطويل، الصعب، إنما السلس، الممتع.
    عدد الزيارات
    15507010

    Please publish modules in offcanvas position.