د. أحمد الخميسي: ســر الموهبة

أ أحمد الخميسيعادة ما نقول: فلان كاتب موهوب، ونقصد بذلك أنه يتمتع بقدرة خاصة، مبهمة، وهي ليست المهارة، لكنها شيء آخر غامض، نشعر به ولا نستطيع أن نحدد جوهره.
علامات الموهبة ظاهرة، لكن سرها دفين، إذ لا يدري أحد مصدرها، ولا يمكن الجزم بأنها عنصر وراثي، كما لا يمكن الجزم بأنها الدربة والتعلم. وقد تعرفت في حياتي إلى موهوبين كثيرين لم يكن في تاريخ حياتهم وعائلاتهم أي إشارة وراثية أو اجتماعية إلى الموهبة.
يحاول البعض رد تلك المنحة الغامضة إلى العمل والارادة والخبرة كما يقول د. أندرس إريكسون في بحث له: "إن كل خبير هو نتاج عشرة آلاف ساعة من التدريب الملزم". ويضيف: " لا يوجد نوع من الخلايا يملكه العباقرة ولا نملكه"! وهنا تبدو الموهبة ابنة الاصرار على العمل والممارسة، ولكننا نرى البعض ممن يعملون ليل نهار وينشرون الراويات التي نقرأها ثم نمصمص شفاهنا بعد ذلك قائلين: "نعم.. لكنه غير موهوب"! ليس الأمر في عدد ساعات العمل إذن. هل يكون مرد الموهبة إلى الوراثة؟ لكنك إذا نظرت إلى جذور كتاب عظام عندنا مثل نجيب محفوظ مثلا فلن تجد في عائلته من سبقه إلى الفن، والأكثر من ذلك أنك لن تجد في أسرته الصغيرة من واصل عمله بعد وفاته، فالمسألة إذن ليست وراثة، أيضا لم يظهر بعد الروسي العملاق ليف تولستوي كاتبا من نسله!
وقد أتاحت لي الدراسة في جامعة موسكو أن يكون حفيد تولستوي معلما لنا يدرس لنا اللغة اللاتينية، لكنه لم يحمل من جده العظيم سوى ملامحه الخارجية، وطول قامته، مع أدب أرستقراطي شديد، ولم يكتب حرفا واحدا مبدعا.
وقد تعرفت إلى جمال الغيطاني بالمصادفة مبكرا ونحن أقل من سن السادسة عشر، وحين أخذت أتردد على بيته في درب الطبلاوي، أدهشتني حياة أسرته التي لم يكن في تاريخها ما يشير إلى الموهبة أو الاهتمام بالفن. وحين سألت جمال: ما الذي جعلك تتجه إلى الكتابة والأدب؟ قال: "والله لا أعرف. كنت أمر بجوار سور كتب في الحسين فوجدت كتابا التقطته وفي اليوم الثاني اشتريت آخر، وهكذا". العقاد أيضا حالة مشابهة.
وبينما يبدو لنا أن تلك الملكة المذهلة تظهر فجأة من فراغ، فإنها تغمر البعض أحيانا بكرمها، كما في عائلة برونتي، حيث نجد الأخوات الثلاث الأديبات: شارلوت، إيميلي، آن، اللواتي نشأن في الريف بمقاطعة يوركيشير، وتمتعن جميعا بالموهبة الفذة.
أيضا غمرت الموهبة عائلة القاص العظيم أنطون تشيخوف، كان أخوه الأكبر الكسندر كاتبا، واخوه الأصغر رساما، وعندنا في عائلة التيمورية مثال آخر على كرم الموهبة في بعض الأحيان مع بعض العائلات.
والمؤكد أنه لا التدريب ولا الوراثة هما مهد الموهبة. وقد ساد الاعتقاد طويلا منذ ظهور نظرية داروين أن الموهبة ابنة البيئة والظروف المناسبة، لكن الواقع يكذب ذلك، ويؤكد أن هذا الظن يشبه الاعتقاد بأن البسكوت يأتي من الدقيق والسكر، لأنه ما من شيء يجزم بأن البيئة المناسبة الفنية أو الأدبية تلد الموهبة.
وإذا أخذنا مثالا واضحا فإن ابنتي أديبنا العظيم نجيب محفوظ لا علاقة لهما بالأدب، رغم النشأة والبيئة التي كان ينبغي أن تؤثر فيهما. ابنة الأديب العظيم يحيي حقي لا تمارس الأدب، ولم يعرف عن أبناء عظماء الأدب الأوروبي أنهم كانوا موهوبين. لا الوراثة، ولا التدريب والعمل، ولا النشأة والبيئة، ولا شيء من كل ذلك يفسر ظهور الموهبة لدي البعض، وغيابها عن البعض الآخر. تظل أسرار مولد الموهبة دفينة بعمق، ونظل لا نرى سوى زهورها حين تتفتح. لهذا كان أنطون تشيخوف يقول إن الموهبة تظهر لدي واحد في المليون.
ويقول في قصة له بعنوان مشاعر حادة إن الموهبة قوة أصيلة كالغرائز! يظل سر الموهبة غريبا، ودفينا، لكن المؤكد أيضا أن موهبة بلا عمل لا تساوي شيئا، ولا تقدم شيئا، لهذا فإن تسعين بالمئة من تاريخ الأدب هو تاريخ الجهد والاصرار والدأب، لهذا حرص الأدباء الكبار جميعهم على العمل المتصل، وكان تولستوي يردد: "إن العمل اليومي الروتيني أهم عندي من المستوى".
ولم يعرف تاريخ الأدب كاتبا عظيما إلا مقترنا بجهد عظيم، أما الموهبة فيبقى سرها معها.
 
جريدة الدستور المصرية - السبت 26 سبتمبر 2020
عدد الزيارات
15673050

Please publish modules in offcanvas position.