تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 64

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
 
لم يتوقف القاضي العقاري عن محاولاته عرقلة نشر التحقيق بكل الوسائل الممكنة.. كنت اجلس مع عدد من الزملاء المحررين في القسم عندما رن جرس الهاتف. كان المتصل ابن عمي أحمد دعبول المستشار القانوني في مجلس الشعب..
سألني "أبو مروان" وهذا هو لقبه ان كنت أمتلك الوقت للقيام بزيارته في المجلس. فاخبرته بأني سأكون عنده خلال نصف ساعة.
اعتذرت من الزملاء وقلت لهم يبدو أن القاضي (ا. ص) ولسوء حظه وصل للعم أبو مروان.
قد تستغربون أن اعتبر وصول القاضي إلى العم أحمد دعبول ضربا من سوء الحظ. فأغلب الاصدقاء لا يعرفون تاريخ هذا الرجل الذي كان قمة في نظافة اليد والسريرة. وكذلك قمة في الجرأة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الخطأ والفساد بغض النظر عن قوة واهمية مرتكبيه. وبسبب تمتعه بهذه الصفات فكان من المؤكد أن تفشل مهمة القاضي في استمالة ابن العم فشلا ذريعاً. ولذلك اعتبرت أن القاضي كان سيئ الحظ.!؟
وصلت إلى مجلس الشعب. أرشدوني إلى مكتبه. كان القاضي "المنحوس" يشرب فنجان قهوة. فور دخولي وقف متخيلا اني ساصافحه. تجاهلته ومشيت باتجاه العم فصافحني ودعاني للجلوس قربه.
سألني العم أن كنت أفضل القهوة أم الشاي. فاعتذرت عن تناول الاثنين لاني ادعيت اني جد مشغول. وعلي العودة إلى الجريدة بسرعة.
فورا دخل العم بالموضوع. وقال لي:
بالطبع انت تعرفت على هذا الرجل. انا الان تعرفت عليه. وهذه هي المرة الأولى التي أراه فيها. لقد أرسله لي صديقنا في الشرطة العميد رضا الخطيب. وهو ايضا لا يعرفه فهناك من ارسله له. وأضاف العم قائلا:
لقد ادعى هذا القاضي انك ستنشر تحقيقا في الجريدة سيتسبب بالحاق الأذى به دون وجه حق. وأنه مظلوم ولم يرتكب أي خطأ وأنه لم يخالف القانون طيلة حياته المهنية. فإذا كان ما يقوله صحيحا او كان لديك أدنى شك بأن التحقيق سيظلمه فإني أرى - كحقوقي - ان لا تنشره ليس حرصا عليه. بل حرصا وغيرة عليك وعلى مصداقيتك وعلى مستقبلك المهني. وإن كنت متأكدا من أنه مرتكب او فاسد. فلا ترحمه..!؟
مباشرة اتخذت وضعية الوقوف وقلت للعم.
- والله ياعم لن ارحمه..
صاح القاضي:
- لا يا استاذ انا مظلوم.. ثم التفت الى العم وقال: قل شيئا يا استاذ أحمد. . اجابه العم.
- انا قلت كل ما لدي.. انتهت الزيارة ويمكنك المغادرة..!؟
ودعت العم الذي علت وجهه ابتسامة عريضة. وعند وصولي الى باب المكتب قال لي بصوت مرتفع.. موفق يا عم..!؟
لوحت له بيدي وخرجت.
هل عرفتم الآن لماذا اعتبرت القاضي سيئ الحظ عندما علمت انه وصل إلى العم أبو مروان. كنت أتوقع للقاضي هذا المصير!؟
في مساء ذات اليوم كنت وحيدا في المكتب. وبينما انا منهمك في الكتابة سمعت من يلقي علي التحية..!؟
- السلام عليكم.
رفعت راسي.. كان القاضي بذاته يقف عند باب المكتب!؟
صدمت من المفاجأة وصرخت في وجهه:
- كيف دخلت إلى الجريدة. من سمح لك بالدخول .. اجاب وهو يتصنع خفة الدم.
- الحاجة أم المخترعات. !
اتصلت بالاستعلامات وسألت الموظف
- من سمح ل ( ا . ص ) بالدخول إلى الجريدة..
قال :
- لماذا ..هل جاء إلى مكتبك. لقد ادعى انه قادم لزيارة الصحفي فلان وهو من سمح له بالدخول. والمفترض أن يكون الآن في مكتبه وليس في مكتبك..!؟
قلت لا بأس. سجل عندك.. هذا الرجل ممنوع من دخول الجريدة حتى لو جاء لزيارة المدير العام ثم التفت الى القاضي وقلت:
- وتريد أن أصدق انك لست محتالا؟
قال.
- سامحك الله يا استاذ!؟
قلت له بعد ان تصنعت الهدوء:
- ماذا تريد. لماذا قمت بهذه التمثيلية؟!
كان يحمل في يده حقيبة سمسونايت. اقترب ووضعها على الطاولة وفتحها. . كانت الحقيبة مليئة برزم من النقود. قال كل هذه النقود لك..!؟
أصبت بالذهول. فقد نجح القاضي في أن يتسبب لي بصدمتين كبيرتين خلال خمس دقائق. ولكني تماسكت و أجبته ببرود:
- شوف يا سيادة القاضي. أستطيع الان أن احجزك انت ونقودك وان أنادي رجال الشرطة ليقبضوا عليك متلبسا بالجرام المشهود. ولكن عقوبة الرشوة لن تشفي غليلي. أعدك يا سيادة القاضي أن امسح بك كل أراضي سورية بقوة القانون. بدءا من الرقة وانتهاء بها..
اتصلت بغرفة المستخدمين وطلبت من الآذن "أبو اكرم" أن يأتي الي فورا..
اغلق القاضي الحقيبة. فطلبت من ابو اكرم أن يحملها وان يوصل القاضي إلى باب الجريدة وان يعطيه الحقيبة هناك ويعود.
حاول القاضي الاحتجاج فقلت له:
- طلبت من الآذن أن يوصلك إلى الباب. إذا لم تخرج الآن وبسرعة ساطلب منه أن يرميك مع الحقيبة من الشباك . فخرج
فورا وهو يقول:
- وهل تعتقد اني مقطوع من شجرة؟
قلت له:
ان لم تكن مقطوعا من شجرة. فأنا من سيتولى القيام بهذه المهمة.
بعد ذهابه توجهت الى مكتب رئيس التحرير. ورويت له ماحدث. بالتفصيل فأبدى استحسانه بما فعلت..!
لم أكن أسعى للحصول على استحسان رئيس التحرير. كنت أسعى للحصول على إجابة على السؤال الذي وجهته لرئيس التحرير وهو:
- والآن أستاذ عميد ما هي الخطوة التالية الواجب اتخاذها..؟
اجاب:
- لقد قمت بما يتوجب عليك القيام به. أهنئك!؟
بذلت جهدا حتى تمالكت أعصابي وسالته:
-وهل تعتقد أن ذلك يكفي.!؟
قال:
- تميم. اعرف الى ماذا تلمح. لن انشر هذا التحقيق. على الأقل في مثل هذه الأيام!؟
نهضت وتوجهت الى باب الصالة وقبل خروجي مباشرة التفت اليه وقلت:
- اليوم حاول القاضي معي.. وغدا لا نعرف مع من سيحاول. وخرجت من المكتب!!
في صباح اليوم التالي. حضر الزميل والصديق والشاعر إبراهيم الجرادي الذي يعمل في جريدة الثورة لزيارتي.. لم يطل به الوقت حتى قال لي:
- جئتك مكلفا بمهمة..!؟
قلت:
- هات لنشوف.
قال:
- أولا أعطني الأمان!!
لم يعد لدي أدنى شك أن المهمة مرتبطة بالقاضي (ا. ص). فقلت له:
- عليك الأمن والامان!؟
قال:
- القضية يا أخا العرب.. إن القاضي فلان روى لي حكايته معك من طأطأ وحتى تطورات ليلة أمس. وكلفني أن أقدم لك عرضا جديدا..
قلت:
- والذي هو؟
قال:
- لا تنسى انك اعطيتني الأمان.
قلت:
- لن أنسى
مشى إبراهيم باتجاه باب مكتبي ثم التفت نحوي قال:
- يقول لك القاضي إنه يملك بيتا في المزة في منطقة فيلات غربية مساحته 147 م وهو مستعد لأن يعطيك اياه بموجب عقد بيع قطعي. مقابل أن لا تنشر التحقيق.. واضاف ابراهيم وهو يضحك. ولا تنسى انك اعطيتني الأمان والا سألوذ بالفرار!؟
قلت لابراهيم:
- معقولة يا إبراهيم أن تقبل بنقل هذه الرسالة من هذا القذر لتميم دعبول.. لقد اهنتني!؟
أجابني ابراهيم وعلامات الحرج والغضب والخجل ظاهرة على وجهه:
- انا قلت لابن هال "....." بأنك "ستبهدلني" واضاف: اعتذر منك على فعلتي هذه. لقد احرجني وانت تعرف طبيعة العلاقات العائلية والعشائرية السائدة في الرقة.
قلت:
- لا باس ابراهيم.. انس الموضوع.
غيرت مجرى الحديث لاخرج الصديق ابراهيم من حالة الاكتئاب التي اعترته نتيجة شعوره بالذنب.
بعد نصف ساعة طلب إبراهيم الاذن بالانصراف. وقبل أن يخرج سالني:
- ماذا تريد أن اجيب إبن "...... "!؟
اجبته:
- قل له: يقول لك تميم إن رأسك قد أينع وحان وقت القطاف..!؟
قال ابراهيم:
ساشمت به كثيرا..!؟
فور انصراف إبراهيم، توجهت إلى مكتب رئيس التحرير.
كنت دائما استفسر من السكرتيرة عما اذا كان رئيس التحرير مشغولا. أو أنه يستضيف أحدا ما. ولكن في هذه المرة دخلت إلى مكتبه دون "احم او دستور". وبدون مقدمات قلت له بلهجة حاسمة.
- يجب أن ينشر التحقيق غدا. لن انتظر بعد الآن!؟
قال:
- خير . طول بألك لافهم. ماذا طرأ من مستجدات..!؟
رويت له ما حدث مع الزميل إبراهيم الجرادي. وأضفت:
- البارحة نقود واليوم شقة سكنية. أمس والبارحة حاول معي وغدا لا أعرف مع من سيحاول.. يجب أن نضع حدا لهذه العربدة.
قال الأستاذ عميد: انا اقدر موقفك. ولكنك تعرف حساسية نشر مثل هذه الموضوعات في مثل هذه الأيام . التحقيق خطير يا تميم ولا أستطيع تحمل مسؤولية نشره.
قلت له:
لدي فكرة.
سأل:
- ماهي؟
قلت:
- أصدر الان قرارا بتكليفي للقيام بمهمة المحرر المناوب هذه الليلة. وعندما تغادر الجريدة مساء ادفع انا بالتحقيق للطباعة والنشر. وإذا سئلت غدا من قبل اية جهة كانت أبرز لهم كتاب التكليف. وقل لهم انك ذهبت إلى البيت وان المحرر المناوب هو من نشر الموضوع.. وأنا جاهز لتحمل كامل المسؤولية!؟
أجابني رئيس التحرير:
- بساويها والله.
قلت:
- ارجووووك ساويها..!؟
اتصل عميد بالأستاذ برهان سمعان مدير الشؤون الإدارية وطلب منه أن يصدر أمرا إداريا بتكليفي محررا مناوبا..
كدت أطير فرحا. ونقلت الخبر للزميل مصطفى عتيق وبقية الزملاء. قمت ومصطفى بإعداد الصيغة النهائية للنشر. ووضعت له عنوانا رئيسيا مثيرا على كامل عرض الصفحة لم أعد أذكره بحرفيته.. ولكن كان بما معناه.. بعد 20 عاما من التغني بحصول الفلاحين على حقوقهم.. قاضي عقاري يبيع قرية رقاوية بكامل أراضيها ومنازلها ومرافقها وسكانها ويطالب الفلاحين بالاجرة.
دفعت بالجزء الاول الذي شغل الصفحة باكملها الى المطبعة مع اشارة تفيد بأن بقية التحقيق ستنشر غدا..
في الواحدة بعد منتصف الليل دارت عجلات المطبعة. وعندما وجدت أن كل شيء يسير على ما يرام، طلبت من السائق ان يوصلني الى بيتي.
تمددت على السرير والسعادة تغمرني فقد تمكنت من الوصول الى النتيجة التي سعيت للحصول عليها..
كان أمامي وقتا محدودا لارتاح فيه قبل هبوب العاصفة..
بالفعل .. بعد سويعات وكما توقعت... هبت العاصفة.!؟
"يتبع"
 
عدد الزيارات
15139160

Please publish modules in offcanvas position.