خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (8)

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏بعد عزل السلطان مراد الخامس تم تتويج أخيه عبد الحميد الثاني (1842 - 1918) خليفة وسلطانا للدولة العثمانية، ولقد استمر حكمه 33 عاما، ومر هذا الحكم في أدوار متعددة...
وُلد السلطان عبد الحميد الثاني بتاريخ 21 ايلول في قصر "جراهام" بالعاصمة استامبول، أبوه السلطان عبد المجيد الأول، وأمه شركسية الأصل ماتت وهو في العاشرة من عمره، فتكفلت بتربيته ورعايته كبيرة محظيات القصر السلطاني، فأحسنت تربيته، وأتقن اللغة العربية والفارسية والفرنسية بالاضافة الى لغته التركية، وكان شديد الذكاء طموحا يميل الى التدين وكان صوفيا شاذليا وحفظ القراّن ودرس السنة النبوية الشريفة.
وفي شبابه مارس التجارة وأتقن صنعة النجارة وكانت نفسه تهواها، فصنع لنفسه كثيرا مما يلزمه من أثاث فاخر لقصره، وأيضا كان يمارس الرياضة على يد مشرفين مختصين وخاصة الفروسية..
تزوج السلطان عبد الحميد ثلاثة عشر مرة وله من الأولاد سبعة عشر منهم ثمانية ذكور ومن الاناث تسع...
أما حكمه فمر بمرحلتين، الأولى دامت حوالي سنة ونصف، أعلن خلالها الدستور وجرت انتخابات في كافة الولايات العثمانية وافتتح مجلس المبعوثان العثماني، وفي تلك الفترة استقال الصدر الأعظم رشدي باشا، فتم تعيين مدحت باشا الشهير بأبي الدستور صدرا أعظما بدلا منه.. ولقد لعب هذا الرجل دورا كبيرا في هذه الفترة وكان سببا رئيسيا في الميل الى الوقوف في وجه الأطماع الروسية في رومانيا وبلغاريا وتأييد الثورات في مختلف مناطق البلقان، وفي هذا الصدد تم الاتفاق مع الدول الأوربية في مؤتمر ترسانه على تحسين حالة النصارى في البوسنة والهرسك وفي بلغاريا وتحديد الحدود مع الجبل الأسود، ولما طلبت روسيا الاسراع في تلبية تلك المطالب من قبل السلطات العثمانية اعتبر العثمانيون من خلال مجلس المبعوثان أن هذا الأمر يعتبر تدخلا سافرا في شؤون الدولة، وعلم الروس بذلك الموقف فاعتبروه سببا كافيا للحرب مع العثمانيين، فاجتاحت جيوشهم بلغاريا ومن الشرق الأناضول وهددوا العاصمة استامبول وأصبحوا على بعد 50 كيلو مترا منها فقط، فأسرع السلطان عبد الحميد الى طلب التفاوض مع الروس، فكانت معاهدة "سان استيفانو" التي فرض فيها الروس شروطهم المجحفة على الدولة العثمانية.
وفي تفاصيل تلك الاتفاقية بنود واضحة لفوز الروس وتحقيق أحلامهم في الوصول الى المياه الدافئة وانهاء وجود العثمانيين في البر الأوربي، وهذا ما عارضته بريطانيا بشدة وأيضا النمسا، فقامت الدول الاوربية بالدعوة الى مؤتمر دولي في برلين بعد أربعة أشهر من تاريخ عقد معاهدة سان استيفانو (وهي ضاحية من ضواحي استامبول على شاطىء بحر مرمرة)، حضره ممثلو دول أوربا وروسيا القيصرية، وترأس ذلك المؤتمر المستشار الألماني "بسمارك" ودام 31 يوما وجلساته المثيرة كانت عشرون جلسة، تم فيها نسف أكثر بنود اتفاقية "سان استيفانو" وأمد هذا المؤتمر بعمر الدولة العثمانية 35 عاما، وفيه طلبات الى الدولة العثمانية بتحسين أحوال رعاياها من المسيحيين في البلقان وفي الأراضي الأرمنية.
وهنا ظهر ذكاء ودهاء السلطان عبد الحميد الثاني في التعامل مع الدولة العظمى بريطانيا وهي الأقوى عالميا، إذ بعثت باسطولها الى ميناء استمبول فتمركز فيه في رسالة واضحة الى روسيا بالموافقة والتراجع عن اقتحام أراضي الدولة العثمانية في شرق الأناضول وفي البلقان، مع الطلب بشدة من العثمانيين بالقيام بالاصلاحات المطلوبة في تفاصيل قرارات مؤتمر برلين الذي انعقد بتاريخ 13 تموز 1878 ودام شهرا كاملا..
بعد انتهاء الحرب وما حدث في اتفاقية سان استيفانو مع الروس، ثم مؤتمر برلين الدولي الذي تضمن بنودا كثيرة وفيها حصلت بريطانيا على ادارة شؤون جزيرة قبرص وكان هذا من أحلامها الاستراتيجية القديمة وقد نالته بدون حرب على طاولة مؤتمر برلين الدولي.....، أعاد السلطان عبد الحميد قراءته للمشهد المحلي والدولي وتذكر الصدر الأعظم مدحت باشا وجر الدولة الى الحرب مع الروس عن طريق مجلس المبعوثان وأيضا تحريض المدارس الشرعية على القيام بمظاهرات صاخبة تطلب فيها محاربة الروس ورفض تدخلاتهم في ولايات البلقان، فقرر تعليق الدستور الى أجل غير مسمى، وقد علق المستشار الألماني بسمارك على حل مجلس المبعوثان العثماني من قبل السلطان عبد الحميد بقوله: "إن لم يكن قوام الدولة شعبا واحدا، فإن ضرر مجلسها أكبر من نفعه"..
وللحديث بقية..
عدد الزيارات
15139393

Please publish modules in offcanvas position.