أيام الفقر وهذه الأيام: حكاية بنطالي الضيق وبنطال أخي الواسع!

     سأبوح لكم بسر، فأنا عشت في أسرة فقيرة ، كثيرة العدد، قليلة الدخل، فأبي كان موظفاً يعيل ستة أشخاص براتب شهري لا يتجاوز الثلاثمائة ليرة، وعليه أن يدفع منها أجرة بيت بحدود الخمسين ليرة.

    لم ألبس في طفولتي سوى ملابس أخي الأكبر محمد، فما أن تضيق عليه، حتى تحول لي، وعندما تضيق عليّ تحول لأخي الأصغر، ودائما الحظ مع الأخ الأكبر، فهو من يرتدي الجديد، ويستمتع به!

    في لحظة تاريخية مفصلية من حياتنا، أنا وأخي الأصغر فرج، قرر أبي أن يشتري لنا بنطالين جديدين، ولا أعرف حتى الآن الدافع الأساسي لقراره ذاك، ولكن أتذكر أنه أخذنا إلى سوق الحميدية، وهناك دخلنا إلى سوق فرعي، ثم صعدنا على درج إلى دكان الخياط (أبو وحيد الكجك).

    رحب بنا أبو وحيد، وكان دمثاً، يحب المزاح، فقام بأخذ قياسات البنطالين، وهو يسألنا عن الموديل، ويقترح علينا شكليهما، وحصل ذلك بعد أن انتقينا لوناً رصاصياً لقطعة قماش موجودة عنده، وقال الخياط، وهو ينظر إلى عينيّ اللتين تحدقان بأدواته المبعثرة:

    ــ بعد أسبوع تأتي وتأخذ البنطالين.

    ووعدني بثقة:

    ــ يوم الوقفة يكون كل شيء جاهزاً!

    كانت تلك الخطوة مثيرة لطفلين، أنا أكبرهما ولم أتجاوز العاشرة من عمري بعد، ورحت أتصور صبيحة العيد وأنا أرتدي بنطالي الرصاصي، وأحلم بعيد مميز غير أيام الأعياد السابقة.

    قررت أمي ترتيب قميصين مناسبين من قمصان أخي وقد ضاقا عليه، فوجدت واحداً أبيض خصصته لي، والآخر رمادياً، خصصته لأخي. قصّت أكمام القميصين، وسعت لأن يكون كل منهما مناسباً لجسدينا، وكان جسدي أكبر قليلاً من جسد أخي..

    ارتديت القميص ورحت أتصور البنطال الجديد من تحته، وكذلك فعل أخي، فالقميصان تحولا بمهارة أمي إلى قميصين جديدين بعد التعديلات التي أجرتها عليهما، وكان قد بقي على نهاية الأسبوع يومان.

    في صبيحة وقفة العيد، نهضتُ باكراً، وكذلك فعل أخي، فقد حان موعد جلب البنطالين من عند الخياط، نزلت بالباص باتجاه سوق الحميدية، فرحب بي أبو وحيد، وقال:

    ــ كل شيء جاهز كما اتفقنا.

    وأعطاني البنطالين وقد لفهما بجريدة الأهرام المصرية، وفي الطريق قرأت عناوين الصحيفة ودققت جيدا بالصور التي تظهر على طرفي الجريدة، وعندما وصلت كان أخي قد قام بتجهيز القميصين، فشرع كل منا بارتداء بنطاله. قرأ أخي اسمه على البنطال الأول وقرأت اسمي على بنطالي. وكانت المفاجأة، فالبنطالين لايصلحان أبداً، فبنطالي ضيق وبنطال أخي واسع، فإذا بأحلامنا تنهار دفعة واحدة، وكان علي أن أعود سريعا إلى سوق الحميدية محتجا على هذا الخطأ وسعيا وراء استداركه قبل أن يحل العيد.

    عندما وصلت إلى دكان أبي وحيد الكجك، وحكيت له ما حصل، ضحك، وقال:

    ــ هل جربتما تبديل البنطالين ؟! وأضاف:

    ــ يبدو أنني أخطأت في وضع اسم كل منكما على بنطاله!

    وعدت ضاحكاً إلى البيت، وحلت المشكلة، وفي صباح العيد ، ارتديت بنطالي الرصاصي وقميصي الأبيض، ولم أخبر أحداً بما حصل!

    عماد نداف

    باب الشرق

    عدد الزيارات
    14342613

    Please publish modules in offcanvas position.