نور الدين محمد: في ذكرى رحيل الأديب والشاعر الغِرِّيد محمد جنيدي

    رحلَ الأديب و الشاعرُ الغِرِّيد "محمد جنيدي" ابنُ قريتي "حلبكو" منذ خمسين عاماً.
    رحلَ زارعُ الزيزفون وناثرُ الحُبّ والوفاء والتسامح والوطنية. أيةُ كلماتٍ تكفي لإعطاء ابن "حلبكو" البَّار حقّه؟
    رَجُلٌ حَمَل معه أريج الحَبَقَ لينثره في شوارع دمشق وأزقتها مع معزوفة: علم الجمال(1)
    في كلِّ رابيةٍ بكى عليه المرتكوش ، وزهرُالطيُّون، تحت كل شجرةِ سنديان تتلاقى أمواجُ الحديث بكتاب الله الكريم، مع بدائع نهجِ البلاغة التي كان الراحلُ النبيل يُرتّلُها بإتقانٍ أمامَ الأهل والأقارب والأصدقاء.

    أمسافِرٌ وهو المقيمُ بأرضنا
    أيُقِيْمُ وهو الظاعِنُ المتنقلُ
    .. هذي النسائم ما عسى تتَحمّلُ...(2)

    ما يزالُ صوتُه خالداً في ذاكرتي وهو ينقل إحساسَ قلبٍ يحترقُ لما حدث للوطن في حرب حزيران 1967:

    يا سامعَ الصوتِ أسمع صوتي الوطنا
    ذابَ الفؤادُ حنيناً وانتهى شجنا
    إنِّي لأعلم أنَّ الشامَ ما نهَدت
    إلى القتال وأنَّ الساحَ ما امتُحنا"3"

    تستريحُ قريتي "حلبكو" في أحضان جبل الناغوس تنعُمُ بالحنان والأمان... على ارتفاع 1000م عن سطح البحر.
    هذا الجبلُ كان المُلهم والصديق والأنيس والرفيق للشاعر الراحل. يا إلهي كم كان مولعاً بذلك الجبل...!
    كان يصفُه كعاشقٍ مُغرَمٍ متيَّمٍ حتى يكاد أن يتوحَّد به.. عندما تسمعُ حديثَه عن (الناغوس) لا تُصدِّق أنَّ هذا مجرد حديثٍ عابر... إنَّه تصويرٌ لأدق التفاصيل حتى لتكاد ترى طيورَ الحَجَل تكرجُ على روابي "الناغوس" وتشُمّ رائحةَ المرتكوش والطيُّون وأنت جالسٌ في بيت الشاعر في دمشق.

    ..بُوركتَ يا جبلَ الناغوس من جبلٍ
    حسبُ الذرى قبَسٌ من نور مشعله
    قد كان لي مجلسٌ في صدرِ منزلِه
    ما بين قصبةِ راعيه وجُلجُله
    وكنتُ أملأُ صدري من بنفسجه
    وكنتُ أملأُ عطفي من تدللّله
    وكنتُ أُبقي على أشواكه قدمي
    وكنتُ أمنَعُها عن مسِّ سنبُلِه.(4)
    رحلَ الشاعرُ في الأربعين من عمره... في ريعان الشباب.

    إن أردتَ السّرَ فاسأل عنه أزهارَ الخميله
    عمرُها يومٌ وتحيا اليومَ حتى منتهاه"5"

    "هيهات للَّحظة البديعة أن ترى لها غايةً خارج ذاتِها، حسبُها من الحياة أنّها تحيا ومن العطاء حسبها العطاء".(6)
    اللّحظةُ البديعةُ الخلاّقة كانت عندما استطاعت "حلبكو " أن تُرسلَ أستاذاً لمادة علم الجمال في جامعة دمشق قبل أن تصل إليها طريقٌ للسيّارات، وعندما كان المرءُ يضطّرُ للسير أكثر من ساعة مشياً على الأقدام للوصول لأقرب سيارة تنقلُه إلى المدينة.
    هل كان الشاعُر الراحل "محمد جنيدي" يرثي نفسَه عندما قال:

    لما رأيتُ بـيـوتَ الحيِّ ســاهمـةً
    تكادُ تنهارُ من عــليائها الــجُــدُرُ
    مددتُ كفَّي إلى صدري أُسائلُه
    هل يحمل القلب ما لا يحمل الحَجَرُ(7) ؟؟

    الشاعر محمد جنيدي أخاً وصديقاً وأستاذاً.
    لــروحــك الـــســـلام... لـــروحــك الـــرحـــمــة.

    هوامش : 1-كان الشاعر الراحل مدرساً لمادة علم الجمال في جامعة دمشق.
    2-من قصيدة للشاعر الراحل.
    3-من قصيدة للشاعر الراحل قالها في "موسكو" في رحلةٍ للعلاج.
    4-من قصيدة للشاعر الراحل.
    5- من قصيدة للشاعر مرسي جميل عزيز.
    6-7 من ديوان الشاعر : زارعُ الزيزفون.

    *** منقول من كتاب: "قوارير عطر" لنور الدين محمد

    عدد الزيارات
    14290428

    Please publish modules in offcanvas position.