الثورة الوطنية لـ"أهل القرى" بقيادة إبراهيم هنانو بين سندان الإقطاعية العثمانية ومطرقة الاحتلال الاستعماري

كتب الدكتور عبد الله حناالشيخ وهبة الزحيلي في محيطه الديرعطاني وفضائه الإسلامي -د. عبد ...:

محاضرة أُلقاها المؤلف في "مهرجان الزعيم إبراهيم هنانو" في إدلب في 23 – 11 – 2009.

وهي تلقي أضواء على ثورة هنانو، إضافة إلى ما ذكرناه في الحلقات السابقة وجري تكراره هنا كي تتستقيم الدراسة.

***

واجهت ثورات الشمال مشكلة شائكة أربكت جمهورها والقائمين عليها. فالنضال ضد الاحتلال الاستعماري الفرنسي أمر مشروع ومفهوم شاركت فيه بنسب متفاوتة أعداد من المجاهدين، الذين رفعوا راية النضال. ولكن المشكلة الأساسية كَمُنت في تحديد مستقبل البلاد وطبيعة النظام بعد طرد الاستعمار؟.. فما العمل بعد التحرر من الاستعمار؟.. هل يعني ذلك عودة الحكم العثماني وتفرعاته وعودة الفوضى وتسلط قوى الإقطاع والدولة العثمانية المريضة؟.. أم أن القوى الكمالية الأتاتوركية الناهضة في الأناضول ستسد الفراغ؟

{ ذكر مؤلفا كتاب "المجاهد مصطفى حاج حسين وثورة جبل الزاوية" إن المستعمر الفرنسي أتى في أعقاب "أربعمائة عام عثماني إقطاعي" خيّم على جبل الزاوية. ص 23 }.

وما الموقف من الدولة الوطنية العربية الناشئة في دمشق, بمنطلقاتها القومية العربية والعلمانية, هل كان لها رصيد في أوساط الثوار؟.. أم أنّ إيديولوجية الجامعة العثمانية كانت هي السائدة في عقول معظم الثائرين؟.. وكانت الطامة الكبرى ان هذه الإيديولوجية "العثملية" المنهزمة في الحرب كانت القوى الكمالية الأتاتوركية قد حفرت قبرها في قلب الأناضول. ولهذا لم يكن مستغربا الفراغ الحاصل في هذه المرحلة الانتقالية في عقول أكثرية الثوار. فعلى الرغم من أهمية الإسلام ودوره في شحذ همم المجاهدين، إلا أن الظروف الزمانية والمكانية لم تسمح لقادة الثورة في رسم برنامج واضح يضم الجميع تحت لوائه.

هكذا فإن المشكلة الشائكة كمُنت: في أي الاتجاهات سيسير الثوار وعدد كبير منهم لا يزال مرتبطا "روحيا" بالماضي العثماني المحتضر؟.. ومن هنا ندرك عدم وجود برنامج أو أهداف واضحة لدى ثورات الشمال ولم يمهلها الزمن لالتقاط أنفاسها. لقد كانت تلك الثورات تتلقى الضربات المتلاحقة من مطرقة الاستعمار الفرنسي على سندان نظام فكري إقطاعي عثماني متخلف. وهذا النظام العثماني أمعن, فيما مضى, في استغلال سكان المدن وفلاحي الأرياف باسم "الدولة العلية" المتسترة خلف الدين والمستغِلّة له للاستمرار في الاستثمار والاضطهاد والقهر لصالح رجال البلاط ومن يسير في ركابهم. من هنا نفهم معاناة القوى الواعية في الثورة وعلى رأسها إبراهيم هنانو, الذي اختار في النهاية الانسحاب سائرا في مجاهل البادية ورافضا الذل والهوان.

***

وتحت وطأة هذه الظروف الناشئة في العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية تقدم الاستعمار الفرنسي ليدق المسمار الأخير في نعش الدولة العثمانية الآيلة إلى الزوال منذ زمن بعيد. ومن هنا ندرك عمق المشكلة التي واجهت ثوار الشمال الواقعين تحت وطأة الحكم الاقطاعي العثماني, ونار الغزو الامبريالي الفرنسي من جهة أخرى.

في أجواء تلك الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية وما امتزج بها من مؤثرات تراثية إسلامية وما أحاط بها من عوامل خارجية قاد إبراهيم هنانو ما عُرف باسم ثورة الشمال, وبذل كل ما يملك في سبيل نقائها ونجاحها.

الضابط الوطني إبراهيم الشغوري الذي اصطفاه هنانو لمرافقته وجعله أمين سر قيادة الثورة, قاد في نيسان 1920خمسين فلاحا مجاهدا وحاصر قلعة حارم, التي تحصن فيها الجنود الفرنسيون. ويشير الشغوري في مذكراته إلى محاولات بعض الغوغاء من العرب السيّار

 }في سائر الأصقاع السورية كان يُطلق على البدو إسم العرب. والعرب السيّار هم البدو المترحلون بحثا عن الكلأ والمرعى، وكثيرا ما اعتدوا على الفلاحين بهدف السلب والنهب.}

الضاربة بيوتها في أطراف حارم الاستفادة من الخلافات المحلية وظروف الثورة فامتدت أيديهم إلى أموال الأهلين بالنهب، فما كان من قيادة الثورة إلا أن جردت دوريات لمنعهم. ومعروف أن الثورات في كل زمان لم تعدم من يستغلها ويقوم بالسلب والنهب. فيوسف السعدون ذكر في مذكراته أن جماعة أحمد بك مرسل لم يكن لهم هم إلا السلب والنهب. ويطلق السعدون على هؤلاء تعبير "الدخلاء على الثورة".

يسمي نجيب عويد, الساعد الأيمن لهنانو, أعمال السلب والنهب بـ"الأعمال السافلة", وكان شديد الوطأة على النهّابين. فعندما دخل الضابط التركي عاصم بلدية معرة النعمان وسلب المال من صندوقها اتجه إلى قرية الصقيلبية المسيحية ونهبها. وعلى أثرها "ارتأينا"، كما ذكر عويد، "أن ندعوا أهل القرى وتقرر ردع عاصم". وبعد جهود جبارة تمكن نجيب عويد ومن معه من قتل عاصم وإراحة الناس من شروره.

***

لم يتزعم إبراهيم هنانو الثورة من منطلق عشائري أو طائفي. فهو لم يكن صاحب عصبية قبلية أو طائفية, على الرغم من تحدّره من فئات ملاك الأرض. ويبدو أن إتمام دراسته في استنبول وجولاته في مناطق عديدة كوّنت لديه مفاهيم جديدة, وجعلته على اتصال بالأفكار القومية العربية, واطلاع واسع على بعض جوانب الحركات الثورية العالمية.

لقد استهل هنانو بيانه الأول بإعلان الثورة بعبارة "من العرب إلى العرب". وفي هذا إشارة واضحة إلى قومية المعركة، مع العلم أن هنانو تحدّر من عائلة كردية.

وفي الأيام الحالكة من أوائل صيف1921 وبعد أن تبيّن أن الثورة تجتاز أيامها الأخيرة دعا هنانو لمؤتمر عام للبحث في أفضل الطرق الواجب اتباعها. وعندما اقترح نجيب عويد الالتجاء إلى الأراضي التركية المتاخمة ردّ هنانو بقوله:

{ نقلا عن مذكرات يوسف السعدون وهي مخطوط موجود في مركز الوثائق التاريخية بدمشق, القسم الخاص اضبارة 128 ص 36.}

" والله لو خُيّرت على أن أكون مسلما تركيا أو مسيحيا عربيا لاخترت الثانية، ولذا فإني أفضل اجتياز الصحراء الشاسعة إلى شرقي الأردن لأعيش في كنف حكومة عربية"

ويبدو بوضوح أن إبراهيم هنانو كان عن طريق تركيا على اطلاع على مجريات ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا، وله كما ذكر يوسف إبراهيم يزبك عدة مراسلات مع لينين.

{ يوسف إبراهيم يزبك: "حكاية أول نوار في العالم وفي لبنان" بيروت 1975, ص 23.}

يدلّ على ذلك أيضا بيانه المؤرخ في أيلول 1920 والموجه إلى قناصل الدول الأجنبية، والذي جاء فيه:

{ مذكرات إبراهيم الشغوري في مركز الوثائق التاريخية بدمشق. إضبارة رقم 128 وشرح الشغوري كلمة نتبلشف بكلمتي: نصير شيوعيين.}

" إننا لا نقصد من قيامنا هذا إلا حفظ استقلالنا ليمكننا تأسيس موازنة عادلة على أسس الحرية والمساواة بين جميع الطوائف... هذا وإنّا لا ننفك ندافع عن أوطاننا حتى الموت, فلسنا بمسؤولين عمّا يسفك من الدماء في غايتنا المشروعة نحن السوريين نموت ونتبلشف (أي نصير شيوعيين، حسب تعبير الشغوري) ونجعل البلاد رمادا ولا نخضع لحكم الظالمين".

لقد أحاطت جملة عوامل وظروف فجعلت من إبراهيم هنانو المثقف والبعيد عن العشائرية والطائفية قائدا وطنيا بامتياز.

ولكن ثمة أمر حدّ من نشاطات وإمكانات إبراهيم هنانو وهو القاعدة الاجتماعية, التي اشتركت في الثورة والمؤلفة عموما من فلاحين غارقين آنذاك في غياهب الجهل والأمية وخاضعين لجملة عوامل كانت تتحكم في الريف السوري في عهد السيطرة الإقطاعية العثمانية, التي فرضت على الفلاح نمطا من الحياة والتفكير والمفاهيم الغيبية, التي تعرقل انتشار الروح الثورية وتهيئ أرضية صالحة للعناصر المتخاذلة والفوضوية الراغبة في التعاون مع المستعمر المحتل.

ومعنى ذلك أن إبراهيم هنانو ومن التفّ حوله من نواة وطنية فلاحية واعية نسبيا لم تكن قادرة رغم جهودها الجبارة، على تنظيم الثورة تنظيما دقيقا صارما يمنع أعداءها من استغلال نواقصها لضربها من الداخل.

وعلى الرغم من إشكالية الحامل الاجتماعي للثورة, فإن الفلاحين حملوا العبء الأكبر من النضال الوطني في الفترة الأولى من الاحتلال الاستعماري الفرنسي. ومن أدلة المكانة الرفيعة التي تمتع بها الفلاحون داخل الحركة الوطنية, النداء الذي أذاعه إبراهيم هنانو في 6 كانون الثاني 1921, والذي ابتدأ بمخاطبة الفلاحين والقرويين بـ(أهل القرى) وحثهم على الجهاد. لقد افتتح النداء بالعبارة التالية:

{ نقلا عن مذكرات يوسف السعدون وهي مخطوط موجود في مركز الوثائق التاريخية بدمشق, القسم الخاص اضبارة 128 ص 18.}

" أيها الفلاحون والقرويون يا بني وطني... ويا أبناء سورية الأشاوس".

لقد خصّ إبراهيم هنانو الفلاحين بندائه في الأيام الأولى من عام 1921 بعد أن انحازت القوى الإقطاعية إلى جانب المستعمرين، أو اتخذت موقفا مهادنا منهم.

وبعد أن فقدت ثورة إبراهيم هنانو مقومات النجاح انسحب هنانو مع ستين مجاهدا، كما رأينا في حلقة سابقة، باتجاه البادية بهدف الالتجاء إلى شرق الأردن. وبعد إقامة قصيرة في عمان انتقل إلى فلسطين كطريق للوصول إلى أوروبا. ولكن سلطات الاحتلال البريطاني سلّمته إلى الفرنسيين, الذين أحالوه إلى محكمة عسكرية فرنسية في حلب. وقد جرى سجنه في حلب في آب 1921 في خان استنبول.

{ جاء في مذكرات فتح الله الصقال أن النائب العام الفرنسي سأله: من تريد أن يكون محاميك؟.. فأجاب هنانو: انصحني أنت بالمحامي. فأجابه النائب العام الفرنسي: ضع فتح الله الصقال يجيد الفرنسية وهو محام قدير. فوافق هنانو فورا. (واضح من مذكرات الصقال أن المدعي العام الفرنسي كان متعاطفا مع هنانو وساعيا لبراءته) }

وبعد اعتقال هنانو بفترة وجيزة سمح النائب العام العسكري الفرنسي لمحامي هنانو بمقابلته في ايلول 1921. وبدأت محاكمته في 15 آذار 1922 حيث تولى الدفاع عنه المحامي الحلبي القدير, الذي يجيد الفرنسية, فتح الله الصقال. وقد اثبت الصقال بالوثائق أن هنانو كان تابعا من الناحية العسكرية للجيش النظامي التركي.

وعندما أعلنت المحكمة العسكرية بالأكثرية براءة هنانو كان أكثر من ثلاثين ألف إنسان ينتظرون, خارج المحكمة في الشوارع, نتيجة الحكم. وبعد إعلان براءة هنانو أخذت الجموع تهتف: "فليحي العدل, فليحي إبراهيم هنانو, فليحي المحامي الصقال, فلتحي فرنسا"...

{ الهتاف لفرنسا نابع من المشاعر الصادقة للجماهير المنذهلة بعدالة القضاء الفرنسي وريث الثورة الفرنسية وليس الاستعمار الفرنسي، مقارنين هذه العدالة النابعة من أهداف الثورة الفرنسية، مع الاحكام القراقوشية للقضاء العثماني.

وهذا يذكّرنا بمؤرخ مصر أيام المماليك عبد الرحمن الجبرتي، الذي قارن بين إجراءات القضاء الفرنسي البورجوازي، أثناء احتلال نابليون لمصر، بعد اغتيال سليمان الحلبي للجنرال كليبر نائب نابليون، وأحكام المماليك.

يعلّق الجبرتي مؤرخ مصر مندهشا: هؤلاء الكفار يجرون محاكمة عادلة لقاتل رئيسهم، واؤلئك المماليك المسلمون كانوا يقتلون دون محاكمة}

***

بعد براءة هنانو زار الصقال في بيته وفد حلبي شاكرا صنيعه برئاسة الشيخ رضا الرفاعي, الذي ناول الصقال منديلا من الحرير وقال له: هذه "صُرّة عرب" أرسلها لك الحاج فاتح المرعشي, وهو الصديق الحميم لهنانو وممول الثورة. وكانت الصرّة تحتوي على 300 ليرة ذهبية أجرة أتعاب الصقال.

{ انظر التفاصيل في كتاب فتخ الله الصقال: "من ذكرياتي في المحاماة في سوريا" الصادر عن مطبعة الضاد في حلب 1958.}

عدد الزيارات
15066184

Please publish modules in offcanvas position.