nge.gif
    image.png

    شيخ النقاد العرب الراحل: إحسان عباس (في مئويته)

    إحسان عباس ناقد ومحقق وأديب وشاعر، ولد في فلسطين في قرية عين غزال بحيفا سنة1920 وأنهى فيها المرحلة الابتدائية، ثم حصل على الإعدادية في صفد، ونال منحة إلى الكلية العربية في القدس 1937( - )1941، وكانت الشهادة المتوسطة التي نالها تؤهله لأن يكون مدرساً في الثانويات. إلا أنه تابع تحصيله فنال، عام 1946، الليسانس في الأدب العربي من القاهرة عام 1948، ثم الماجستير، عام 1952، والدكتوراة عام ,1954 وهو من أبرز نقاد الأدب العربي في القرن العشرين.
    كان إحسان عباس - رحمه الله - موسوعة معرفية هائلة، وطاقة بشرية فذة، اتسمت بالجَلد والصبر، وشخصية نادرة أخلصت للعلم والمعرفة أيما إخلاص، فأنتجت ما يربو على ثمانين كتاباً. وهو ـ إلى ذلك ـ حائز سمات العالم الحق، من موضوعية، وتواضع، وتجرد: إذ كان عقلاً منفتحاً مستقلاً، ولم يركن إلى منهج من المناهج الناجزة المعرفة، وإنما كان موسوعياً في معرفته المناهج النقدية، يتفيد منها في سبك منهجه الخاص المميز. وقد أخذه البحث الجاد والإنتاج النقدي الغزير من ساحة الشعر والتفرغ له. وأخرج كماً هائلاً من النصوص التراثية في مجالات التدوين الثقافي العربي القديم شتى. ثم إنه أرسى الكثير من التقاليد في حقول البحث والمعرفة، وترك وراءه سيرة أستاذ من أساتذة القرن العشرين البارزين.
    وإن المتأمل، اليوم، في مؤلفات إحسان عباس يجدها متنوعة في موضوعاتها، تتوزع بين النقد والأدب والتاريخ والسيرة، حتى إن المحور الواحد تراه متشعباً: ففي النقد نجد له خطرات في النقد، ودراسات نقدية متنوعة، ودراسات نقدية تطبيقية: وفي التاريخ تجده يبحث في تاريخ الأدب الأندلسي في عصر سيادة قرطبة مرة، وعصر الطوائف مرة ثانية، وتاريخ الأنباط ثالثة، وتاريخ ليبيا رابعة. لكن السمة التي تشترك فيها هذه المؤلفات كلها هي حسن استخدام اللغة في التعبير عن موضوع كل مؤلف منها: ففي كتب النقد يستخدم لغة نقدية مصبوغة بصبغة جمالية: فنقده لم يكن صدى مدرسة أو اتجاه أو منهج، بقدر ما كان نتاج رؤيته وتجربته وممارسته.
    وما من شك في أن اللغة هي المجال الأول للتجديد، سواء في وظيفتها الدلالية والجمالية أم الميل في استقائها من المعاجم والقواميس، وهذا ما فعله إحسان عباس عندما خط لنفسه منهجاً لغوياً كان قاسماً مشتركاً لجميع أعماله، سواء أكان ذلك في كتب السيرة الذاتية أم في الكتب النقدية، حيث كان بناؤه اللغوي منطقياً ومبوباً: فكان، في دراساته الشعرية، يجمع مزايا الشاعر الشعرية ثم يصنفها ويقسمها إلى محاور كبرى ليشرع ـ من بعد ذلك ـ بدراستها وتحليلها. ومن ميزاته في الجماليات اللغوية ميزة التسلسل اللغوي المنطقي الذي ينم على تسلسل فكري منطقي أيضاً: فنراه يصنع مقدمات تفضي في النهاية إلى استنتاجات ونتائج تكون، أحياناً، بمثابة نصائح. وإلى جانب الوضوح والبساطة في الاستخدام اللغوي، نلحظ ـ أيضاً ـ الصراحة والتلقائية وعدم التصنع في البناء اللغوي المعبر عن آرائه، فلغته مفهومة يسيرة إلى درجة الوضوح التام. وأما أسلوبه فيتسم بالوضوح، والقوة، والجمال. وهذه المقاييس لا تظهر إلا عند إنسان امتلك كل صفات الإبداع الحقيقي.
    وأما بالنسبة للتجربة الشعرية الحديثة، فيراها إحسان عباس وليدة تجربة لغوية جديدة، وتعاملاً مغايراً مع الفضاء اللغوي، لخلق بناء فني ينسجم وطابع الطرق التعبيرية الحديثة التي سلكها الشاعر العربي الحديث، وأن لغة الشعر الحديث تكون اللفظة فيها عملاً ليس له ماض مباشر، وأن اللغة ليست بريئة، أبداً: فالكلمات ذات ذاكرة ثانية تلح على مثولها من خلال المعاني الجديدة، والكتابة هي هذه المصالحة بين الحرية والتذكر. وفي ضوء ما أنجزه الدكتور إحسان، باحثاً في الأدب العربي يكاد يتخصص في نقد الشعر، سوف يبقى له أنه من أوائل النقاد الكبار الذين وقفوا إلى جانب حركة الشعر الحديث. وقدم الذين أصبحوا بعد ذلك من أعلامها في دراساته الباكرة عن البياتي ونازك والسياب وسواهم.
    وحينما أصدر إحسان عباس كتابه "فن السيرة"، عام 1956، كان أول ناقد عربي يقف على أصول هذا الفن وقواعده، وأنبأ ذلك الكتاب عن مقدرة فذة وبصيرة نافذة في الكشف عن جذور فني: السيرة، والسيرة الذاتية في التراث العربي والآداب الأوروبية، من خلال إظهار معالمهما، هنا وهناك، في قراءة تقرن التاريخ والتحليل بقران واحد، وتظهر القديم إلى جانب الحديث، في تلك الحقبة من عمر الثقافة العربية التي بدأ ثلة من الأدباء والساسة الالتفات إلى ذينك الفنين، لا سيما السيرة الذاتية التي ذاع شأنها بعد أن أخرج طه حسين كتابه الشهير "الأيام"، فتنادى نفر من الأدباء والصحفيين والساسة إلى تدوين مذكراتهم وسيرهم الذاتية.
    وبرغم أن أصعب أنواع النقد هو نقد الذات وتشريحها وتسقط عوراتها، إلا أن إحسان عباس ـ في سيرته الذاتية "غربة الراعي" ـ كان ناقداً جليلاً، ولم يجد الرجل غضاضة في مؤلفه الجميل من أن يقول ما يواريه الآخرون، ويتمنون أن يدفن مع جثثهم. فهو يعترف ـ وهذا يجب أن يسجل له ـ أنه لم يتمكن، وزميل عمره الناقد محمد يوسف نجم، من أن يلحقا بركب الثورة الحديثة في النقد الأدبي، وما حملته البنيوية والتفكيكية والحداثة وما بعد الحداثة: لأن هذا كله قد جدّ بعد الفترة التي كانا من روادها ومعاصريها.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المصدر: صحيفة الدستور/ عن موقع مؤسسة فلسطين للثقافة ـ تاريخ النشر: 29-6-2020

    عدد الزيارات
    13951330

    Please publish modules in offcanvas position.