image.png

الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي- ح4

Image result for الدكتور عبد الله حناكتب د. عبد الله حنا


* الدراسة المقدمة إلى مؤتمر المؤرخين العرب المنعقد في بيروت في آواخر نيسان 2019 *
*
* *** *
* الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية، التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي *
* *** *
* الحكومة العربية في دمشق *
* 1918 – 1920 *
* بل قل *
* الدولة العربية السورية *
* نقلة ملحمية نحو الدولة الحديثة العلمانية *
*************************************** *
****************************
***********
*****
**

درسا الشيخ رشيد رضا في الجامع الأموي 1908 وأبعاهما فيما يتعلق بالدولة العربية ويوم ميسلون في 24 تموز 1920.

قمع الشيخ رشيد رضا وأفكاره في الجامع الاموي، لها وشائج قربى مع هزيمة الدولة العربية الحديثة واستشهاد وزير حربيتها يوسف العظمة يوم ميسلون.. وسنتناولها بتوسع في حينها.
***

عاشت دمشق بعد بين إعلان الدستور في تموز 1908 وخلع السلطان عبد الحميد في نيسان 1909، فيما عُرف بثورة الاتحاد والترقي 1909، في اجواء قلقة واضطراب في النفوس. فقد انقسم المجتمع بين نُخب مثقفة (من ضمنها بعض أبناء الأعيان ورجال دين متنورين) عبّرت عن تطلعات الطبقة الوسطى وأيّدت ثورة الاتحاد والترقي، وبين الأعيان الإقطاعيين ومعهم أكثرية شيوخ الطرق الصوفية الساعين إلى عودة السلطان عبد الحميد فيما عُرف بـ"الحركة الإرتجاعية". وكانت صولة شيخهم أبي الهدى الصيادي، الساعد الأيمن لعبد الحميد وسنده الديني في استنبول، لها حضورها الواضح بين هؤلاء المشايخ القادرين على تحريك العامة بالاتجاه الذي يريدون، أي في الاتجاه المعادي لثورة الاتحاد والترقي وعودة الاستبداد السلطاني لعبد الحميد.
ألّف هؤلاء، كما ذكر المعاصر للأحداث الدمشقي فخري البارودي، "الجمعية المحمدية" واستطاعوا ان يجذبوا إليها كثيرا من العوام وراحوا يحاولون هدم ما أنشأه الأحرار العثمانيون من ترك وعرب وأرمن وغيرهم.
***
بُغية الوقوف في وجه القوى المُتستّرة بالدين لضرب الثورة المناهضة للاستبداد السلطاني، استعانت قوى التنوير في دمشق بالشيخ رشيد رضا المقيم في مصر ورئيس تحرير جريدة المنار الاسلامية. لبّى الشيخ رشيد الدعوة وقام بزيارة موطنه في تشرين الأول 1908، وألقى خطبا سياسية ودينية في طرابلس الشام وبيروت دون ان تحدث ردود افعال على خطه الديني التنويري الذي يسير تحت علم السلفية النهضوية.
أما ردة الفعل على دروس الشيخ رشيد فكانت في دمشق ساحة الاستقطاب الرئيسية بين القوتين المتخاصمتين أواخر اكتوبر 1908
حسب الإتفاق الجاري بين رشيد رضا وأصحابه من السلفيين النهضويين ومن ورائهم الشباب اليعربي على إلقاء درس في الجامع الأموي بعد عصر يوم الجمعة 24 تشرين الثاني 1908. وقد أكد الشيخ رشيد في درسه على الأمور التالية:
- الأخذ بالعلوم والفنون الرياضية والطبيعية والإقتصادية لأنه لا حياة لأمة في هذا العصر بدونها.
- يمكن للمسلمين أن يجمعوا بين الإسلام وبين جميع العلوم والفنون العصرية، إضافة إلى إصلاح طرق التعليم وغيرها.

لم يرق لقوى الجمود الممثلة – حسب تعبير رشيد رضا – "ببعض أصحاب العمائم الجاهلين الذين جعل لهم الحكم الاستبدادي رئاسة دينية، علموا أنها لا تلبث أن تمحى وتزول في عهد حكومة العدل والشورى " – هذا الدرس الجديد على دمشق فأخذت تستعدّ لمجابهته. إضافة إلى هؤلاء وجدت قوى سياسية رجعية، ووجاهات محلية ومن ضمنها أكثرية أعيان دمشق مناهضة للتقدم، أرادت استغلال درس رشيد رضا لإثارة فتنة تعيد السلطان عبد الحميد إلى عرشه.

بدأ الشيخ رشيد رضا درسه الثاني بعد صلاة العصر يوم السبت في 25 تشرين الثاني وفي مكان الدرس الأول (تحت القبة). وبسبب الازدحام أحضروا للشيخ رشيد الكرسي، الذي يقرأ عليه خطباء المسجد قصة المولد ونحوها من المواسم. فصعد الشيخ رشيد على الكرسي حتى يسمعه الجمهور، الذي قُدّر بالألوف.
وبينما كان الشيخ رشيد مستمرا في توضيح مقصده، فإذا بالشيخ صالح التونسي (المغربي) قد اخترق جمهور الواقفين حتى انتهى إلى دائرة القاعدين، وصاح، يا إخواننا المسلمين اسمعوا لي كلمتين، وشرع في الكلام. فاضطرب الناس، وكَثُر اللغط، وقام كثير من القاعدين.
ردّ الشيخ رشيد مبينا ما قاله سابقا، ولم يمهل الشيخ عبد القادر الخطيب، الشيخ رشيد لإتمام كلامه، بل صعد على الكرسي وأراد أن يتكلم محتجا على أقوال الشيخ رشيد رضا. وهنا صدّه عثمان بك العظم عن الكلام، وصعد الكرسي، واعلن إنتهاء المناظرة، وطلب من الشيخ رشيد ان يتبعه تجنبا للصدام. وأحاط بالشيخ رشيد جمهور كبير من المؤيدين لكلامه لحمايته من اعتداء الآخرين. وكان اللغط والضوضاء على أشدهما، حتى خرج الشيخ رشيد ومن معه من باب صحن الجامع، وأُُدخل الشيخ رشيد دار الشيخ اديب تقي الدين القريبة من المسجد للاستراحة، وتجنّب الاصطدام مع الجمهور الغاضب.
ثمة عدة روايات حول الوقائع، التي جرت في الدرس الثاني، وما تلاها من أحداث في مساء 25 – 11 – 1908، ومغادرة الشيخ رشيد لدمشق على جناح السرعة في صباح 16 – 11 – 1908، تجنبا لإعتداء الغوغاء عليه، في وقت لم تكن السلطة في دمشق قادرة على ضبط الأمور.

ونكتفي هنا بنقل رواية المحامي ظافر القاسمي، وهو ابن العائلة التي انجبت عددا من المتنورين والمثقفين، فقد نشر القاسمي عام 1965 مذكرات الشيخ جمال الدين القاسمي، التي كُتبت اثناء الأحداث. كما قدّم, بعد مرور أكثر من نصف قرن، تعليلا للحادثة، نابعا عن خبرة بأجواء دمشق، ومعرفة بتاريخها. كتب ظافر القاسمي:
" .. فلقد كان رشيد رضا يمثل في أنظار الحشوية والجامدين غازيا يفضح عيوبهم، ويهدم باطلهم... فليس في مصلحتهم ان يكون لهذا الفاتح الجديد قدم. فأجمعوا أمرهم، وأحكموا خطتهم، وفاجؤا السيد الإمام ( رشيد) في اليوم التالي بالفتنة التي أعدوها...

كانت هذه الحادثة ام الحوادث في دمشق، بعد إعلان الدستور 1908. استغل فيها الحشوية والجامدين شعور العامة السذج، وهيّجوا فيهم برئ العاطفة الدينية... كانت الحركة تحمل في مطاويها كثيرا من المعاني، لا تقف عند خلاف بين علماء الدين فحسب، وإنما كانت أغوارها أبعد من هذا وأعمق" وهو "نقمتها على العهد الجديد واصحابه. وكان سلاح منظمي الحركة مخيفا، لأنه استند إلى العامة، والعامة مساكين، يساقون بالألفاظ الفارغة، ويكفي ان يذكر الأسف على الدين، وأن يُندب على ضياعه، حتى ترى المآقي قد اخضلت بالدموع، وحتى ترى الهياج قد اعترى النفوس والرؤوس، من غير فهم للحقائق ...".
  (انتهى النقل عن ظافر القاسمي)

هذه الحركة رمت للمحافظة على "كابوس السلطان عبد الحميد"، الذي كان لا يزال على عرشه قبل خلعه في أوائل 1909.

***
لا يمكن حسب اطلاعنا فهم مجريات الدولة العربية وأسباب سقوطها داخليا دون العودة إلى "فتنة" الجامع الأموي ، التي بقيت أصداؤها تدوي أيام الدولة العربية. إضافة إلى ما سنرى من مجئ رشيد رضا إلى دمشق أواخر 1919 لنصرة القوى الشبابية اليعربية وحليفها الشيوخ المتنورين أصدقاء رشيد رضا والمدافعين عن الدولة العربية الفتية. فقد ترأس الشيخ رشيد المؤتمر السوري في أسابيعه الأخير، تعبيرا عن تحالف الشيوخ المجتهدين والشباب الوطني اليعربي.

ولنا عودة إلى الشيخ رشيد ودوره في إشادة الدولة العربية الحديثة، التي نحتفل اليوم بذكراها المئوية.
ونؤكد أن هيمنة الفقهاء وسير العامة وراءهم في فتنة الجامع الاموي عام 1908 ذات صلة وثيقة بازورار الفقهاء عن الدولة العربية الحديثة وبث الفوضى الفكرية في صفوف العامة، مما أجهض تحركها لنصرة يوسف العظمة يوم ميسلون في 24 تموز 1920. وهذا ما سنتناوله بعد االانتهاء من المقدمات. ولا يزال أمامنا بعد هذه المقدمة إلا حلقة أخيرة من المقدمات بعنوان:
فلاحو جبل الدروز ووجهائه في الثورة العربية..
ورفعهم علمها فوق سرايّ دمشق إيذانا بانتها الحكم السلطاني العثماني
وهم يهزجون:
عرش المظالم انهدم والعِزْ طبْ بلادنا
راحت عليكم يا عجم خوض المعارك دأْبنا
حنّا حماتك يا علم بارواحنا واكبادنا

عدد الزيارات
13153089

Please publish modules in offcanvas position.