الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي- ح3

    الدكتور عبد الله حنا:Image result for الدكتور عبد الله حنا

    * الدراسة المقدمة إلى مؤتمر المؤرخين العرب المنعقد في بيروت في آواخر نيسان 2019 *
    *
    * *** *
    * الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية، التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي *
    * *** *
    * الحكومة العربية في دمشق *
    * 1918 – 1920 *
    * بل قل *
    * الدولة العربية السورية *
    * نقلة ملحمية نحو الدولة الحديثة العلمانية *
    *************************************** *
    ****************************
    ***********
    *****
    **
    *

    الشيخ محمد رشيد رضا..
    ودوره قبل قيام الدولة العربية وأثناءها

    بعد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده برز الشيخ محمد رشيد رضا الشخصية الدينية الثالثة الداعية إلى التجديد الديني الاسلامي، فيما اطلقنا عليه تيار "السلفية النهضوية". وقد فسّر رضا آراء أستاذيه – الأفغاني وعبده – تفسيرا محافظا ولكنه تفسير متقدم بالقياس إلى من أتى بعده من دعاة الاسلام السياسي المنادين بالعودة إلى عصور بني عثمان.
    ارتبط اسم رشيد رضا بمجلة "المنار" وهي "مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران", صدرت في القاهرة في 15 آذار 1898 – 1315 هجرية لصاحبها السيد محمد رشييد رضا المولود في بلدة القلمون إلى الجنوب من طرابلس الشام . وهناك تتلمذ رشيد رضا على عدد من شيوخ طرابلس, وتأثر بالأفغاني ومحمد عبده وبمجلتهما العروة الوثقى. ثمّ هاجر عام 1898 إلى مصر وأصدر مجلة "المنار", التي استمرت في الصدور في القاهرة حتى وفاته عام 1935.
    ***
    كان غرض المنار كما ورد في المقال الافتتاحي من العدد الأول عام 1898 الموضوعات التالية: "الحثّ على التربية والترغيب في تحصيل العلوم والفنون, واصلاح كتب العلم, وطريقة التعليم ومجاراة الأمم في الأعمال المفيدة, وطرق أبواب الكسب والاقتصاد, والتنبيه إلى الخرافات التي مازجت عقائد الأمة, والأخلاق الرديئة التي أفسدت عوائدها, والتعاليم الخادعة, والتأويلات الباطلة التي ألبست الحق توكلا, ومعرفة الحقائق كفرا وإلحادا, وإيذاء المخالف في المذهب دينا, والجهل بالفنون والتسليم بالخرافات صلاحا, واختبال العقل وسفاهة الرأي ولاية وعرفا, والذلة والمهانة تواضعا, والخنوع للذل والاستبسال للضيم رضى وتسليما, والتقليد الأعمى لكل متقدم علما وإيقانا".

    تعكس هذه الافتتاحية الرائعة التنويرية بقلم رشيد رضا 1898 منهاج "السلفة النهضوية"، التي نتمنى ان تستعيد الحياة بعد أن عاش العالم العربي وكذلك الاسلامي عهودا من التراجع عن خط هذه السلفية النهضوية، التي سعت لاستعادة العقلانية الاسلامية في عصر المأمون وما بعده والمتمثلة بالمعتزلة وفكرها العقلاني ذي الجذور الاغريقية.
    ***
    ومعروف أن عقلانية المعتزلة الاسلامية قضى عليها فكر ظلامي غيبي محا عصور الازدهار الحضاري العربي الاسلامي. مثلما يقوم اليوم الاسلام السياسي المتزمت والمتحجر بإبادة أزاهير السلفية النهضوية والفكر العربي التنويري ساعيا لإعادتنا إلى عهود بني عثمان ومن قبلهم المماليك.

    ***
    ولا بدّ من الإشارة هنا إلى ان الفكر السياسي لرشيد رضا لم يسر في خط مستقيم متصاعد، بل سار في خط متعرج وكثيرا ما تراجع مع "مناره" إلى الوراء أو سار إلى الأمام. وهو مجتمعيا يندرج في عداد الطبقة الوسطى، وحمل أحيانا على "أصحاب الثراء".
    لا يمكن حسب اطلاعنا فهم مجريات الدولة العربية وأسباب سقوطها داخليا دون العودة إلى "فتنة" الجامع الأموي. إنها معركة فكرية بين تحالف تيار الاسلام السياسي النهضوي مع التيارات القومية والليبرالية الناشئة من جهة والقوى الارتجاعية الممثلة في قوى الاستبداد الحميدي وشيوخ الطرق الصوفية قائدة العامة.
    وقد أثار الفتنة في تشرين الثاني 1908، كما سنرى في الحلقة القادمة، شيوخ الطرق الصوفية احتجاجا على أفكار الشيخ رشيد الاجتهادية، وحماه الشباب النهضوي العروبي المؤيَّد من كثير من أبناء عدد من الأعيان. وتبع ذلك هياج العامة السائرة وراء مشايخها.. وجمرُ الحادثة كان لا يزال مشتعلا تحت الرماد أيام الدولة العربية وما بعدها
    ***
    الشيخ رشيد رضا وموقفه الطبقي
    الموقف الطبقي لمثقفي الطبقة الوسطى المعادي للأعيان (الاقطاعية) وحاشية السلطان عبد الحميد ومن يسير في ركابهم لم يكن مقتصرا على جريدة المقتبس الدمشقية، كما راينا، بل إنّ شخصية سلفية تنويرية كالشيخ رشيد رضا القى 1908 خطابا في طرابلس الشام عدّه المستمعون "إفراط في الحرية والشجاعة الأدبية".
    كما ألقى رضا خطبة أمام متصرف طرابلس التركي وكان من الأحرار حمل فيها – والكلام منقول حرفيا عن رضا - على "السراة وأصحاب الثراء الموروث، الذين "يحتقرون الطبقات الدنيا من الزراع والصناع".
    وعندما التقى رشيد رضا بعد هذه الخطبة مع جرجي يني صاحب مجلة المباحث، قال له: "من أين جئت بهذه الحرية المتطرفة في هذه البلاد المستعبَدة؟..".
    ***

    تحالف رشيد رضا مع القوى العربية القومية ضد الدولة العثمانية بقيادة حزب الاتحاد الترقي الطوراني، الذي انضم إلى حلف المانيا القيصرية والنمسا ضد تحالف بريطاني وفرنسا ومعهما روسيا القيصرية أثناء الحرب العالمية الأولى.
    وأثناء الحرب أدى الشيخ رشيد فريضة الحج سنة 1917 على متن باخرة عبرت البحر الاحمر من مصر إلى الحجاز وهي مثقلة بالحجاج، واصفا في جريدته حالتهم الصعبة.
    وفي منى ألقى الشيخ رشيد خطبة الحج مؤيدا الثورة العربية في الحجاز، ولكنه لم يبايع بالخلافة الشريف حسين بن علي، الذي كان يأمل أن يقوم الشيخ رشيد بهذه المبادرة. وقد نشر الشيخ رشيد في جريدته المنار تفاصيل وافية عن رحلة الحج ذهابا وإيابا. ونقرأ فيها خطبته في منى في جريدة المنار في 11 فبراير 1918 ص 282 - 288.
    ***
    كاتب هذه الاحرف كان يعتزم إصدار كتاب عن الفكر السياسي لرشيد رضا بعد أن أرْشَفَ ما يلزم المخطوط من جريدة المنار الصادرة في مصر بين عامي 1998 و 1936 والموجودة بأعدادها الكاملة في مكتبة المعهد الفرنسي بدمشق. ولاسباب عدة غضّ النظر عن مشروع الكتابة عن الشيخ رشيد، ولكنه أهدى جميع مادوّنه على دفاتره أو صوّر نسخا من المقالات الهامة إلى مركز الشرق الحديث في برلين بإدارة البروفسورة اولريكا فريتاك، التي سُرّت باقتناء مكتبة معهدها هذه الوثائق وغيرها. الشكر لها ولمعهد الشرق بحفظ هذه الوثائق، بعد أن جاوز صاحبها السابعة والثمانين من العمر، ولم يعد بإمكانه اتمام مشروعه عن عَلَم من أعلام السلفية النهضوية البارزين.

    الحلقة القادمة: درسا الشيخ رشيد رضا في الجامع الأموي 1908 وأبعادهما فيما يتعلق بالدولة العربية ويوم ميسلون في 24 تموز 1920.

    عدد الزيارات
    15524682

    Please publish modules in offcanvas position.