ليندا ابراهيم: حدائقُ النُّور

لا يتوفر وصف للصورة.بهذا العنوان المنحاز لجذوة الخير والحق والكمال والنور في مخلوق هو الإنسان، هذا العنوان الذي يربكك في البدء، فلا يجعلك تتحمَّسُ لمضمونٍ بعينه، فهو مطروق كثيراً، وبالوقت عينه لا يشي بالمضمون أو الحقبة أو الشخصيات أو تواريخها، لكنَّك ما أن تبدأ به حتى تنتقل فجأة إلى عالمه حيث البدء "بابل" و"دجلة" ورائحة أرض ومسيرة رجل طبيبٍ رسَّامٍ رسول، ولد ونشأ وترعرع فكان إضافة لشخصيات كثيرة سبقته فنهل منها "زرادشت ... بوذا.."، أو عايشته فخلدت بذكره، فظلمته أو ناهضته أو أعلت من شأنه، ليكون هو الاسم والعلَّم علم زمانه وحقبته...
هو مع الناس، متسوِّلٌ اختار حياة التشرُّد والطرقات، لا بيت يؤويه ويملكه سوى ظل شجرة يفيء إليه إلى نفسه ليرى الحقائق ويتابع تدوين التعاليم والرسالة التي يوحي له بها "توأمه" السماوي، وهو خيار الملوك ليكون مرشدها وناصحها، بل ورسولها الذي لا تتردَّدُ في اعتناق رسالته، فيما لو....
إنَّه "ماني" ابن "بارتيغ" من سلالة "البارتيين" الأشاوس النبلاء، بابلي الأصل والنشأة والمولد، وعالمي النزعة إنساني الفطرة، كوني الرسالة، مسالم مخلص، حتى التعذيب والسجن والطرد، لجذوة النُّور التي أنسها في نفسه يافعاً، كما أنس بـ "توأمه" الآخر، شبيهه، صورته، حيثُ التقاه وأعلن عن نفسه له وبه ذات يوم مشهود في انعكاس صورته بمياه "دجلة"...
يستهلُّ المؤلِّف الروائي الشَّهير "أمين معلوف" كتابه بنص من "المزامير": "الحجرُ الذي رفضه البنَّاؤون، هو الحجرُ الذي سيكون حجر الزاوية"، ولكي ينقل القارئ بالتدريج من باب إلى باب أوضح يشي بحقيقة شخصية بطله، ومسيرته العظيمة، وليوالف ويقابل في مستهلِّ تمهيده، بين بطله "ماني"، وبين "دجلة" قائلاً: "دجلة نهر وحيد الوجهة، على عكس النيل الذي في وسع المرء أن ينحدر فيه مدفوعاً بالتيار أو يصدَّ حسب مشيئة الأشرعة، ففي بلاد ما بين النهرين، تنساب الرياح فقط، شأنها شأن المياه، من الجبل إلى البحر، ولا تفعل ذلك قطُّ باتجاه الأراضي الداخلية..."
هذه حقيقة تماهٍ بين الإنسان وطبيعة أرضه، الإنسان الصَّلب ذي الإرادة والرسالة، ذي الاتجاه الواحد في السيرة والسريرة والحياة ذي الوجه الواحد والسلوك الراسخ المستقيم أمثال "ماني".
من جو الرواية نفهم أن القصة تبدأ أحداثها في فجر العهد النصراني، بعد أقل من قرنين على استشهاد السيد المسيح، وفي أرض بابل، والتي كانت عاصمتها آنذاك تدعى "المدائن"، حيث حكم الإمبراطورية "السَّاسانية" وملوكها "أردشير" وابنه "شاهبور" ثم "هرمز" وانتهاء الرواية وحياة البطل "ماني" بحكم "بهرام"...
لن أسهب كثيراً، في تفاصيل قد تقتضي ذكر تفاصيل أكثر، فأقع في خانة الإطالة السردية، بل أردتها قراءة مكثفة شمولية، حيث تقع الرواية في أقسام أربعة:
القسم الأول: وعنونه بـ "بستان النخيل" أصحاب الملابس البيضاء، وهم جماعة متطرفة كانت تعتزل الحياة العامة وتقاليد وعقائد ذلك العصر وتعيش حياة ومعتقدات وأساليب متشددة لجهة سلوك الإنسان مع خالقه ومع مأكله وامرأته وبنيه، حيث اجتُذِبَ والدُ "ماني"، "باريتغ" إلى هناك بكلمة مفتاحية من سيد بستان النخيل "سيتابي" ومتزعم جماعته، وهي "البحث عن الحقيقة"، ولينتزعه من بيته وملكه ومحيطه وزوجه "مريم" الحامل بابنه الذي لاحقا سيكون "ماني" والذي بعد مولده بسنوات، بقدر سنوات الفطام، سيُنْتَزَعُ هو الآخر من محيطه وصدر أمه، ليأتي للعيش بقوانين "بستان النخيل" ذوي الملابس البيضاء "حلة حوارة"، تمتد أحداث هذا القسم على ستة فصول، تعاين فترة عيش "ماني" بجانب "والده بارتيغ" في هذه البقعة من الأرض على ضفاف "دجلة" بقوانين هذه الجماعة الصارمة، وليبدأ يفاعته بحبه للقراءة والكتب والرسم والنقوش واستكشاف ذاته وخلوته فيهم وبعيداً عنهم إلى أن يلتقي "توأمه" السماوي الذي يرافقه وحياً وحضوراً وتنبؤاً وإرشاداً طوال فترة حياته منتهياً إلى الإذن له بإشهار وإعلان "رسالته"، ومغادرة بستان النخيل مودعاً باللعنات والرجم والتلطيخ بالطين متهماً بإهانته معتقدهم، وخروجه عنهم بالخيانة غارقاً بدموعه مؤكداً لنفسه :
"أجل هكذا يا "ماني"، يا ابن بابل، إنك وحدك خالي الوفاض منبوذ من ذويك، وأنت راحل لغزو الكون، وبهذا تعرف البدايات الحقيقية"
القسم الثاني: وعنونه الكاتب بـ "من دجلة إلى السند"، حيثُ يبدأ مشوار رسالته من بلدته المدائن، فينذر بالطرد ويؤمر بمغادرة المدينة، لتقله الأمواه إلى بلاد السند حيث "دَب" ليلتقي فيها "هرمز" حفيد "أردشير" ونجل "شاهبور"، وليأسره قلباً وفكراً وروحاً وعقلاً إلى نهاية حياتيهما، وليكون على الملأ حاميه، حيثُ إثر حادثة بعينها يقوم فيها "ماني" الطبيب البابلي بشفاء ابنة "هرمز" ليتخذه بعدها خليلاً ومستشاراً وناصحاً ومرشداً لدرجة المجاهرة بأنه سيعتنق ديانة "ماني" مدى الحياة.
وليعود في آخر هذا القسم المكون من فصول ستة، محملاً بالنصر والفخار وكتاب تقديم وتبشير إلى والده ملك الملوك "شاهبور" موصياً بـ"ماني"، لتبدأ رحلة أخرى أكثر مجداً وطموحاً وعملا وأثرا وهو في كنف ملك الملوك "شاهبور"
القسم الثالث: وعنونه "بجوار الملوك"، وليفد على ملك الملوك مزوداً بكتاب نجله "هرمز" ذلك اللقاء الذي هو بمنزلة منازلة بينه وبين خصومه والذي يخرج منه "ماني" رسولاً محمياً بقرار وكتاب وختم الملك لنشر تعاليمه السمحة ورسالته السماوية في كافة أصقاع الإمبراطورية الأربعة وليكون لاحقا ولسنوات صفيه وخليله ونديمه وكاتم سره ومرشده ومعينه على الداخل وقرار الخارج يوصي بالسلام والمهادنة والسلام والسماحة ولكن إلى حين... رافضاً اتجاه الحرب وإزهاق الأرواح وسفك الدماء أو المشاركة في قراراتها منصرفاً "في الكتابة بحمية تقارب الجنون، مئات الرسائل التبشيرية وأناشيد ومزامير وكتبا لم يكن يكتفي بخطها بيده بل كان يزخرفها ويزينها بالرسوم ويذهبها وكان التذهيب الفرصة الوحيدة التي تتنازل فيها أصابعه لجس الذهب"، "وإلى هذه الحقبة يرجع أحد أعجب المؤلفات في كل العصور، كتاب كان ماني قد عنونه ببساطة "الصورة" وفيه شرح مجموع معتقداته في سلسلة من الرسوم من غير استعانة بالكلمات..."
لينتهي هذا القسم بفصوله الستة أيضاً على قرار الحكيم ماني بعدم مباركة مسيرة الحروب والمشاركة في الحكم بل اكتفى برسالته السمحة، ولينتهي على خلاف وجفوة مع ملك الملوك "شاهبور"
القسم الرابع والأخير بعنوان "طرد الحكيم"، حيث يتابع "شاهبور" فتوحاته ما بين نصر وهزيمة وكر وفر مع الرومان إلى أن يغلبه الرومان، فيقرِّعَ ماني ويتهمه بخيانة صداقته معه وأنه ما كان يجب أن يتركه للآخرين من الحاشية الراغبين بالحرب، ويتوفى "شاهبور" موصياً بالحكم لابنه "هرمز" صديق وحامي "ماني" والذي يقتل بسم يدس له في مراسم تتويجه، وليأتي أخوه "بهرام" خصم ماني، إلى الحكم كرابع ملك من ملوك الساسانيين، معتقلاً ماني موبخا ًله متهماً إياه بالخيانة وتشويه دياناتهم ومعتقداتهم، ويتركه للتعذيب على مرأى من تلامذته ومريديه مسلماً هذا الأخير روحه باسماً نقياً صافياً بين يدي "فتاته ديناغ"، وقد أتم رسالته، راضياً مرضياً...
هنا في هذه الرواية الصراع على أوضح صوره بين الرسالة الإنسانية وحملة العقائد والرسالات من جهة، وبين ذوي السلطة والحكم والسياسة من جهة أخرى، وقد اختار ماني قطعة النور التي فيه على كل شيءٍ، مخلصا لها ولرسالته وللنور الذي غذاه وحاكاه وضارعه في أفئدة وعقول ونفوس الناس ممن عرفوه...
الكتاب كتب باللغة الفرنسية من قبل الروائي أمين معلوف، ترجمه إلى العربية د.عفيف دمشقية، صورة الغلاف للفنان فارس غصوب، عن دار الفارابي 2001 في 300 صفحة من القطع المتوسط.
"هامش هام: لم أشأ الإسهاب ، ولا طرح المضمون كمقاربة لفحوى رسالة ماني، فأنا لا أثير مناقشة المعتقدات والأديان، بقدر ما يحمل الكتاب-الرواية من عبر وعظات استخرجها المؤلف من التاريخ بجهد متميز وبأسلوب رائع مسلطا ًالضوء على إشكاليات عميقة وكثيرة في الفكر والسياسة والعقائد والتاريخ تاريخ الشعوب والإنسانية".

عدد الزيارات
15672830

Please publish modules in offcanvas position.