image.png

ليندا ابراهيم: حياة...

حياة...
لم الحلم... لم يعد ثمة متَّسع... الحلم بما هو متاح وفقط... عندها لا تكون الروح عرضةً للانكسار عند أول ظلامة تلامس هذا البلور الشفيف، تلك الشرنقة الحريرية التي من ضوء، التي نسجها القدير، وخلَّقها لتكون هي حياة...
ثم... من أسماها "حياة"؟ لربما التبس عليها الحلم بأنها تحب هذا الاسم في أية حيوات تأتي إليها؟ أو لربما عشقت هذا الاسم لأنها تحب الحياة؟...
هل قالت للتو تحب الحياة؟ ومتى كان ذلك...
لا تذكر، بل لم تعد تذكر هذه ال"حياة" متى بدأت تنسى أنها "حياة"... هي فقط تآلفت مع وجع مضنٍ لطالما طفا على صفحة روحها عبر هذه الـ"حياة" الأليمة، وتواشج مع أوجاع الحيوات الأخرى، لدرجة نسيت نفسها أنها "حياة"...
انتبهت لكأس الحليب أمامها، وأنها أعدَّته منذ وقت لكن كلما همت بشربه اختنقت بألم دفين يجعلها تدفع الكأس عنها...
تناولت كتابا كانت قد أشارت لسطور بعينها عليه، وقعت عيناها على عبارة وردت فيه:
"تعيش فرحتي في قصر منيع... وممنوع الدخول لأي كان إلى ذلك القصر العالي..."
هناك حيث تتردد أغنية "المنفيين" قديماً في سيرة شعب من الشعوب العريقة على هذه الأرض، حيث تذكرها بطل الرواية وهو ذاهب إلى منفاه – قدره الذي اختاره أخلاقياً وبملء الشجاعة والبسالة...
أخذ يترنم بها: "أنا أعرف أنه لن يأتي أحد لكي يزور قبري... ولكنَّ عندليباً سوف يغرِّد مطلع الربيع، سوف يغرِّدُ وسوف يصفر لحناً ثم سيطير بعيداً من جديد، بينما القبر الوحيد سيبقى قائماً كما كان من قبل..."
عندها فقط أدركت أن هذه الحياة تنفي محبيها، الجديرين بها، الصالحين لها فقط...
فسلاماً أيها الربيع... سلاماً لأرواح المنفيين المعذبين الجديرين بشيء واحد فقط اسمه "حياة".

*******
مخطئٌ هذا القلب، فقد ظنَّ أنَّه يستطيعُ بطيبته تغيير حقد العالم..
مثيرٌ للشفقة هذا القلبُ، فقد عرف الحبَّ، لكن عرف الظُّلمَ... أكثر
جبَّارٌ هذا القلبُ، صارعَ بكلِّ جبروت الحبِّ ليكتشفَ أنَّه إنَّما يصرعُ نفسَه...
**
تُرَى...
مَنْ سَيَهُشُّ علَى مَسَاكٍبِ الحبَقِ بيَدين مِن غَمَام...
مَنْ سَيُعَلِّمُ المَطَرَ تَعْوِيذَةَ السُّقْيَا..
مَنْ سَيَهَبُ أرضي الخصب..
مَنْ سيَذَكِّرُنِي بيمام الأموي..
وتمتمة الدروايش في تكايا دمشق..
وبسملة الياسمين في صباحاتها..
ورَجعِ التَّراتِيلِ في الأرواح المُضيئَة بالحبِّ:
إلَّاك...
***
وها قد أوثقتُ روحي القلقة إلى طود يقينك...
ها قد ألف قلبي دروب محبَّتك...
ها قد ذاقت نفسي حلاوة مشيَّتك...
وقد استكان ذئب وحشتي إلى خافقك الطافح بالحنين
فإنَّني أعلن بداية زمنٍ لا كالأزمنة...
زمنٍ ليس فيه إلا وجهك الكريم بالحب...
فاشهد على حنيني...
يا مولاي الذي بروحي
عدد الزيارات
13233040

Please publish modules in offcanvas position.