image.png

أولياء العهود العثمانيين عاشوا في (أقفاص ذهبية) قبل اعتلائهم العرش

نتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا"كتب الدكتور عبد الله حنا

ولاية العهد عرفتها معظم الدول والأسر الحاكمة فيها، بغية تثبيت دعائم حكم السلالة الحاكمة. وأول من استحدث ولاية العهد في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، عندما دفع علية القوم، بالرضا أو بالسيف، للبيعة لإبنه يزيد. واستمرت ولاية العهد في الدول الإسلامية بما فيها الدولة العثمانية حتى زوالها.
وكثيرا ما ادى نظام ولاية العهد إلى كوارث، ولم يتجنب درء المفسدة كما افتى بعض الفقهاء بقتل المعتلي العرش إلى قتل إخوتهم أو سجنهم في قصور مسوّرة.
وولاية العهد كانت تتم إما بشكل رأسي بتولية كبير العائلة الحاكمة أو بشكل أفقي بتولية أبناء السلطان.

حاول السلطان عبد الحميد، كما ذكر في مذكراته "تغيير المتعارف عليه في وراثة العرش وجعله مشابها لما عند أمراء أوروبا"، "ولكن شيخ الإسلام لم يرض ان يتحمل مسؤولية النتائج التي يمكن أن تترب على هذا التغيير".
ويتابع السلطان عبد الحميد ذاكرا بالحرف: "إن عادة وراثة كبير العائلة للعرش التي ينص عليها القانون التركي كانت شؤما على عائلتنا، والصفحات الدامية في تاريخنا تثبت ذلك... ان ابن السلطان هو الذي يجب أن يكون الوريث وليس كبير العائلة. المنافسة بين الإخوة وأولادهم أدت إلى تذكية نار الضغينة بين أفراد العائلة انفسهم, ومؤامرات بعض الباشوات الطامعين ولدت كثيرا من المساوئ. وكم كنتُ تعيس الحظ عندما ابعدوني عن الدنيا ومنعوني من تعلم أي شيء في شبابي خشية أن أكون يوما منافسا خطيرا لولاية العهد". {انتهى النقل الحرفي عن السلطان عبد الحميد}
يتبين من هذه الفقرة المنقولة من مذكرات السلطان عبد الحميد الأمور التالية:
- التنافس بين أفراد الأسرة العثمانية للوصول إلى سدة العرش أدت إلى مذابح ومآسي انسانية.
- إبعاد ولي العهد (إذا لم يكن ابن السلطان) وعزله في سجن ذهبي ومنعه من تلقي العلوم والتأهيل للمنصب الرفيع، الذي سيتسنمه.
- لم تقتصر مؤامرات الوصول إلى العرش على أفراد السلالة الحاكمة بل تعدتها إلى البطانة الحاكمة من "الباشوات الطامعين" في تنصيب سلطان يسير وفق أهوائهم ومصالحهم.

وهذا ما دفع، كما ذكرنا، عبد العزيز جاويش إلى كتابة مقالة في المقتبس الدمشقية تحت عنوان: "آفة الإسلام أمراؤه.. كيف يُربى أولياء العهود"

ولنتابع كيف حكم سلاطين عاشوا "مرارة الحياة" (على الرغم من حلاوتها في العيش في أحضان الجواري وتناول أقداح الخمور من أيديهنّ) في قفصهم الذهبي وانتقلوا منه لحكم امبراطورية مترامية الأطراف:
- السلطان محمود الثاني (1808 - 1839) تولى الحكم وعمره أربع وعشرون سنة. وقبل توليه الحكم سكن في الإقامة الجبرية في أحد القصور السلطانية. ولم يكن مسرفا في شرب الخمرة ومعاقرة النساء كغيره من أولياء العهود المسجونين في القصور. ولعل ذلك أحد أسباب سيره في الإصلاحات والخلاص من الانكشارية.
- السلطان عبد المجيد بن محمود (1839 - 1861) لم يُقِمْ في السجن الذهبي كغيره من أولياء العهود. وكان حرّا طليقا اهتم به والده وأهله لتلقي العلوم الأوروبية الحديثة وتعلّم اللغة الفرنسية. وعندما تولى الحكم وعمره17 سنة سار على نهج والده في الإصلاح. ولا شك أن لنشأته خارج القفص الذهبي دور في سعيه إلى الإصلاح.
- السلطان عبد العزيز (1861 - 1876) عاش في "القفص الذهبي"، أي الإقامة الجبرية في أحد قصور السلاطين، مدة عشرين سنة واكتسب نفسيّة أولياء العهود وعُقَدِهم وخواء فكرهم. وفرّج عن هذه العقد النفسية بالبذخ والترف عندما تولى الحكم خلفا لأخيه عبد المجيد. ولم يقتل أبناء أخيه بل حجز عليهم في قصر دولمة بهجت وشدد الرقابة عليهم، ليمنع انقلابهم عليه. وزيادة في الحيطة كان السلطان عبد العزيز يصطحب معه في رحلاته إلى أوروبا ابن اخيه ولي العهد الأمير مراد. وحاول عبد العزيز تغيير قواعد ولاية العهد لتنصيب ابنه سلطانا ففشل بسبب الصراع الروسي الفرنسي.
- السلطان مراد هو الابن الأكبر للسلطان عبد المجيد وهو الأخ الأكبر لعبد الحميد وكان يشتكي من حجزه في القصر ومنعه من الاتصال بالناس. ولم يجد مهربا من سجنه في قفص ذهبي سوى الإكثار من شرب الكونياك والشامبانيا والتنقل من موائد الخمور الى مخادع الحريم فاثّر ذلك على قواه العقلية، وسرعان ما انهار نفسيا عند اعتلائه العرش. وبعد خلعه في 31 آب 1876 واعتلاء شقيقه عبد الحميد العرش حجز عليه في قصر (قفص ذهبي) بقي ملازما له حتى وفاته 1904.
***
*
- السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد (1876 – 1909) جاء به إلى سدة الحكم المصلح مدحت باشا، وذلك بعد انتحار السلطان عبد العزيز وتولية مراد وخلعه بعد مدة وجيزة بسبب مرضه النفسي. وعلى الرغم من الوعود، التي قطعها لمدحت باشا في السير بالإصلاحات (التنظيمات) قدما، إلا أنه تنكّر لوعوده وحلّ مجلس المبعوثان وجمّد الدستور وخالف سيرة أخيه وأبيه وعمّه في انتهاج الاصلاح وسار في طريق الحكم الاستبدادي. وبعد شفاء أخيه مراد من مرضه سجنه في أحد القصور السلطانية حتى وفاته، كما سجن شقيقه الثاني محمد رشاد. وقد انعكست أيضا نفسية أولياء العهود المحتجزين في "أقفاص ذهبية "وعُقُدهم النفسية في السلطان عبد الحميد الشكّاك الحذر والمنطوي على نفسه والخائف من الاغتيال والحاقد على مسيرة الإصلاح، وأهم من ذلك إيغاله في الإستبداد وقهر الخصوم دون رحمة. ويبدو أن معاملة أبيه عبد المجيد له معاملة سيئة وقاسية لأسباب يقول عبد الحميد في مذكراته بأنه يجهلها لعبت دورا في نفسيته وسياسته عندما أصبح سلطانا.

- محمد رشاد بن عبد المجيد، ولد 1844 وكان شبه طليق في عهد عمه السلطان عبد العزيز. وبعد تولي شقيقه السلطان عبد الحميد الحكم "حَجَرعليه كما حجر على عموم أهل البيت المالك, وذلك الحجر هو التزامه في قصر لا يخرج منه إلا وطائفة الجواسيس محدقة به ملتفة حوله, وإذا عاد إلى قصره لازمه الجواسيس كظله, فلايجرأ ان يتصل به أحد من العثمانيين, وظل على تلك الحالة السيئة مدة حكم عبد الحميد الطويلة".

بعد خلع عبد الحميد نودي بجلالته خليفة للمسلمين وسلطانا للعثمانيين. وقد أثرت العزلة الطويلة على نفسية محمد رشاد فأصبح شبه فاقد لعقله وأشبه بالمعتوه. ولهذا وجدت جمعية الإتحاد والترقي، التي خلعت السلطان عبد الحميد عام 1909 ضالّتها في ولي العهد محمد رشاد، فنصّبته خليفة للمسلمين وسلطانا للعثمانيين دون أن يكون له من أمر هذين المنصبين نصيب. وهكذا انتقل محمد رشاد من قفص أخيه الذهبي إلى قفص ذهبي أخر يرعاه حكام جمعية الاتحاد والترقي، التي هيمنت على مقاليد السلطة في الدولة العثمانية من 1908 إلى 1918 نهاية الحرب وانهيار الدولة العثمانية.
ويحلم اليوم كثير من المسلمين بإعادة الحياة إلى هذه الدولة "الرجل المريض"، الذي فارق الحياة قبل قرن من الزمن.
***
وسنرى في حلقات قادمة نهوض أول دولة عربية حديثة 1918 – 1920 في دمشق الشام، التي كانت حقبة من الزمن قلب العروبة النابض.

عدد الزيارات
13154077

Please publish modules in offcanvas position.