image.png

د. عبد الله حنا: أفول شمس الانكشارية

أفول شمس الانكشارية تزامن مع بداية التنظيمات، أي الاصلاحات في الدولة العثمانية الهرمةنتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا"
أمام الفساد، وما أوجده من تبلبل وفوضى في حياة الدولة العثمانية، وما سببه من هزائم عسكرية لنظام اقطاعي لم يستطع الصمود أمام القوى الأوربية الرأسمالية المتسلحة بالحداثة، قرر السلطان سليم الثالث (1789-1807) إصلاح الجيش العثماني، والتخلص من تحكّم الانكشارية بإدخال ما سُمي "النظام الجديد"، أي إعادة تنظيم الفرق العسكرية العثمانية، وتطوير أسلحتها، وتدريبها على النمط الأوربي الحديث.
وقد خشيََ الانكشارية من هذا الإصلاح على وجودهم، فثاروا وخلعوا السلطان وقتلوه. ولمّا أظهر السلطان محمود الثاني (1808-1839م) تصميمه القاطع على إدخال النظام الجديد، تصدّى له الانكشارية مرة أخرى، إلا أن السلطان استعان بالقوات العسكرية الجديدة المؤمنة بالإصلاح، وبرجال الدين وبقوى شعبية، ولاسيما بعد أن أشعل الانكشارية النار في العاصمة، وسلبوا ونهبوا، فحاصرهم في ثكناتهم في اصطنبول في 16 حزيران 1826، وضربهم بالمدفعية في «الوقعة الخيرية» كما سُميت، وهي في الواقع مذبحة أبادت الإنكشارية، التي لم يأسف عليها أحد، بسبب ما ارتكبته من آثام وشرور.
وهكذا نرى ان تاريخ الإنكشارية بدأ بمأساة عندما قام السلاطين بانتزاع الأطفال والفتيان من بيوت أهلهم وعزلهم عن البيئة التي ولدوا فيها وتربيتهم تربية عسكرية لا تعرف إلا الولاء للسلطان، وانتهى بمذبحة 1926، التي سُميت بالوقعة الخيرية. بمعنى ان الخير سيأتي في اعقاب إبادة هذه العسكرية الانكشارية.
ولم تكن احوال الانكشارية تختلف في الولايات العربية عن احوالها في المركز. فالقوات العسكرية في الولايات تكوّنت بصورة عامة من أوجاقين أساسيين:
أوجاق من الفرسان (السباهية) وأوجاق المشاة وهو على الأغلب من الانكشارية. وتاريخهم معروف ويتلخص بسعيهم الدائم للحصول على مكاسب مادية باستنزاف خيرات البلاد وارهاب الرعية بالسيف واخضاع الولاة لمشيئتهم.
***
لم يكن محض صدفة اوحدث عرضي تسلط الانكشارية على الرعية والسلاطين، بل كان نتيجة لعزلة الانكشارية في ثكناتهم وقلاعهم، وعزلة السلاطين وعيشهم في قصور تضم حريمهم والجواري والحراس والخدم والعبيد منعزلين عن الشعب. ومنذ عهد السلطان سليمان القانوني (1520 – 1566) لم يعد السلاطين يتزوجون من عائلات عثمانية، بل من السبايا الجواري. فتأمل كيف يكون حال دولة يحكمها سلاطين لم يعرفوا الحياة الأسرية وأجواؤها الإنسانية وعاشوا في قصور تغص بالجواري والخصيان دون أن يحتكوا بالمجتمع ويتعرفوا عليه، ومن هؤلاء السلطان عبد الحميد.
***
{ الحلقة المقبلة: تاريخ السلاطين المخضّب بالدماء }
ينبّهني بعضهم بأن مقالات الفيسبوك تكون قصيرة، وأجيب أنّ "ضرورة الشعر" تقتضي أن يأخذ الموضوع حقّه. فالعثمانية الجديدة وسلطانها المتسربل بـ"المودرن" يغمض عينيه عن الصفحات السوداء في التاريخ العثماني طامسا إياها، وهو يتشدق بذلك التاريخ الذي يسميه مجيدا. ولذا فنحن مضطرون لهذه الإطالة لإزالة الغشاوة عن عيون المخدوعين، وما أكثرهم.

عدد الزيارات
13206407

Please publish modules in offcanvas position.