nge.gif
    image.png

    د. عبد الله حنا: الدولة العثمانية

    نتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا"عاشت الدولة العثمانية قرابة ستمئة سنة من عام 1300 إلى 1922، وشهدت في عمرها الطويل مرحلتي الصعود المذهل المترافق مع الزحف العسكري والهبوط، الذي استغرق مدة طويلة. وفي عصر الصعود كانت الدولة تنتقل من نصر إلى نصر، ومع فتح القسطنطينية عام 1453 اصبحت دولة عظمى وتحولت إلى إمبراطورية بسطت سلطانها من مكة المكرمة إلى أبواب فيينا.
    استندت هذه الامبراطورية في عصر صعودها على فن الحرب القائم على الجيش الإنكشاري، الذي سنتحدث عنه، وعلى التعبئة الدينية ودور رجال الدين فيها، كما استخدمت الدبلوماسية بحنكة
    وقطعت شوطا في ترسيخ تقاليد الحريم في قصور الأمراء والسلاطين. وعوامل الصعود هذه تحولت في زمن الهبوط بعد عام 1800 إلى عوامل ضعف وتفكك.
    هذه الدولة العظمى نشأت من إمارة صغيرة في غرب الأناضول محاذية لحدود التماس مع الدولة البيزنطة. فقد أقطع السلطان السلجوقي زعيم هذه الإمارة ارطغل منطقة في الزاوية الشمالية الغربية من سلطنته في الأناضول على الحدود البيزنطية. وهذا ما جذب إليها كل راغب في الجهاد أو طامع في الحصول على الغنائم، لأن هذه الإمارة كانت تشن الغزوات على الإمبراطورية البيزنطية وتتوسع على حسابها. هذه الإمارة الصغيرة استمدت قوتها البشرية من قبائل تركية رعوية كانت انظارها تتجه إلى الغرب الغني بحقوله الخصبة وسكانه الوادعين من الحرفيين في المدن والفلاحين في الارياف.
    خلف ارطغل في الإمارة ابنه عثمان، ومنه استمدت الإمارة وبالتالي الدولة اسمها. لم يكتف عثمان بما حققه من انتصارات على البيزنطيين في غرب الأناضول بل مدّ بأبصاره إلى القسم الأوروبي من ممتلكات الدولة البيزنطية. وقد شجعته الانتصارات السهلة في البلقان والتوسع في سائر الاتجاهات والإحاطة بالقسطنطينية من الغرب وتضييق الخناق على عاصمة امبراطورية كان لها صولة وجولة في أواخر العصور الوسطى.
    ***
    هذه الامبراطورية البيزنطية، وريثة الدولة الرومانية، تلقت ضربة قاسمة بعد هزيمتها على يد السلاجقة الأتراك في معركة ملاذكرد 1071، وجاءت الضربة الثانية باحتلال الحملة الصليبية الرابعة لها عام 1204 وتأسيس دولة لاتينية فيها. ومع أن البيزنطيين استعادوا القسطنطينية من اللاتين عام 1261، إلا أنّ دعائم هذه الدولة اصبحت متصدعة بسبب الخلافات الداخلية فيها وضغط الإمارة العثمانية الفتية عليها. وفي عام 1453 سقطت القسطنطينية في يد محمد الفاتح، الذي اتخذ منها عاصمة له باسم استنبول.
    وهكذا تمكّنت هذه الإمارة الصغيرة العثمانية من التحوّل إلى أعظم امبراطورية، بعد الامبراطوريتين الرومانية ووريثتها البيزنطية. فقد حكمت أوروبا الشرقية وآسيا الغربية ومعظم المغرب، وامسكت بزمام شعوب متنوعة: يونان، صرب، بلغار، رومانيين، أرمن، عرب، أتراك، أكراد. وكانت هذه الشعوب تدين بالمسيحية على مختلف كنائسها، أو بالاسلام السني والشيعي، أو اليهود بمختلف طوائفهم. واستمرت السيطرة العثمانية على هذه الشعوب نحو 400 سنة، وعلى بعضها قرابة 700 سنة. أي أنها عاشت من عام 1299 إلى 1923، أوقبل هذا التاريخ بقليل مع هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى عام 1918.
    ***
    { الحلقة القادمة: الانكشارية في الدولة العثمانية }

    عدد الزيارات
    13913079

    Please publish modules in offcanvas position.