nge.gif
    image.png

    مروان حبش: البعث والوحدة السورية- المصرية عام 1958

    أ مروان حبشس - لمَ كانت وحدة 1958 بين سورية ومصر؟

       لم تكن صدفة تاريخية أن تبدأ الوحدة العربية بوحدة مصر وسورية، فالواقع العربي والظروف الموضوعية للقطرين كانت تجعلهما آنذاك البلدين الأكثر توافرًا لشروط الوحدة التقدمية، لأنهما كانا في مقدمة الخط التقدمي المتحرر وفي طليعة الاتجاه الثوري العربي.
       كان القطران في هذه المرحلة يعاصران ثورة عربية شاملة أخذت تتوضح على وهجها أبعاد الشخصية العربية، وتتمركز قواها في القاهرة ودمشق.

    كانت الوحدة إنجازاً لعملية تاريخية طويلة، واستجابة لمطلب شعبي عميق لبّت عام 1958 حاجة العرب إلى الانطلاق، وعبّرت عن أمانيهم وإرادتهم، مما جعل دولة الوحدة «الجمهورية العربية المتحدة» في حمى العرب كلهم يتطلعون إليها ويعملون من أجل حمايتها.

    لقد رأى الوحدويون العرب في وحدة مصر وسورية، وقد توفرت لها مثل هذه الشروط التقدمية التحررية، بأنها ستكون وحدة ذات اتجاه ومركز جذب لكل القوى التقدمية والتحررية في الوطن العربي، خصوصا وأنها لم تكن، فقط، ثمرة انتصار التيار التقدمي داخل القطرين، بل، أيضا، لتعاظم هذا التيار في كل الأقطار العربية.

    س - كيف قيّم البعث النظام الناصري وما سبب استقالة وزراء البعث؟

    ذكر في نشرة دورية للقيادة القومية، عممت على أعضاء الحزب في شهر آذار 1960، « أن الرئيس عبد الناصر في خطاباته خلال الاحتفالات بالذكرى الثالثة للوحدة في القطر السوري » الإقليم الشمالي «اتهم مناضلي البعث في الـ"ج.ع.م" بالانتهازية، واتهم الحزب قبل الوحدة بالاستغلال السياسي والتضليل، وأن الحزب بلا عقيدة، يرفع شعارات زائفة من أجل الاستغلال»، كما ذكرت النشرة « أن الوزراء البعثيين وأنصارهم تقدموا بتاريخ 24 كانون الأول 1959باستقالاتهم من حكومة الوحدة لاقتناعهم بعدم إمكانية استمرارهم في تحمل مسؤوليات الحكم، لاختلاف أساسي بين وجهة نظرهم وبقية المسؤولين في أسلوب الحكم وسياسته»،وقد كانت أهم نقاط الاختلاف حول القضايا التالية:

    1_ فهم الوحدة وطريقة تحقيقها داخل الجمهورية وفي السياسة العربية، وأن الوحدة بنظر البعث، عمل ثوري يتطلب التخلص من المفاهيم والأساليب الإقليمية، كما يتطلب امتزاج وتفاعل قوى وإمكانيات القطرين المتحدين.

    2 _ يجب أن يعتمد أسلوب الحكم على الشعب، وعلى تنمية مشاركة المؤسسات الشعبية في بناء المجتمع العربي ورسم سياسة الدولة.

    وكان الحزب يرى أن مسؤوليته في المحافظة على وحدة إقليمي الجمهورية العربية المتحدة التي ساهم بدور أساسي بقيامها، مسؤولية تاريخية، وأن واجبه أن يعمل على تطوير وترسيخ أسسها، رغم استقالة الوزراء البعثيين الذين رأوا استحالة معالجة أوضاع الجمهورية وتطويرها بالاتجاه السليم، عن طريق الاستمرار في الحكم، خصوصاً بعد أن كانت آراؤهم وانتقاداتهم وتنبيهاتهم تُهمل ولا تلقى أي أذن صاغية، كما أن القيادة القومية للحزب كانت تؤكد على ضرورة تفويت أية فرصة على أعداء الوحدة وعملاء الاستعمار باستغلال الاستقالة لمهاجمة الـ"ج.ع.م" ومهاجمة فكرة الوحدة خصوصاً، وتجنّب أية معركة بين الحزب وقادة الـ"ج.ع.م"، والحرص على تأكيد استمرار دفاع الحزب عن دولة الوحدة، وعلى أن الاستقالة هي مزيد من الحرص على الوحدة وعلى مستقبل الأمة، وستساعد على اكتشاف الأخطاء ومعالجتها، وعلى وضع مقاييس الحكم الوحدوي الثوري من قبل القادة المسؤولين، ليكون حكمًا :

    _ قوميّاً، متخلصاً من انحرافات التسلط الإقليمي.

    - شعبيّاً، معتمداً على الشعب كأداة للثورة، ومعين لها لينجو الحكم من التجمّد والانحراف.

    - اشتراكياً، بإتباع أسس اشتراكية علمية، للوصول إلى مجتمع خال من الفوارق الطبقية.
       ولقد انتقد الحزب الدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في تأمين تبعية وزراء الدولة والمسؤولين في أجهزتها، وفي قيادات المنظمات الشعبية والمهنية للحكم وانقيادها لأسلوبه وسياسته، ويتحقق ذلك عن طريق:

    - إيجاد انقسامات بين المسؤولين في كل مؤسسة، وبين المؤسسات المختلفة.
       - تسجيل أخطاء أو تلفيق اتهامات على كل فئة، وتهديدها بها والضغط عليها لتأمين تبعيتها والتخلص منها في الوقت المناسب.

    - محاولة المحافظة على توازن بين مختلف الفئات، وتشجيع كل فئة منها على الأخرى دورياً، لتبقى كل من هذه الفئات بحاجة لدعم السلطات العليا.

    أما بالنسبة للاتحاد القومي « وهو التنظيم الوحيد الذي اسُتبْدِل بالأحزاب »،كان الحزب يأمل منه أن يكون مؤسسةً شعبيةً ثوريةً، يقوم مع المؤسسات الشعبية الأخرى بدعم الاتجاه الشعبي والاشتراكي والديمقراطي للدولة الجديدة عن طريق الرقابة على الحكم وتوجيهه وحمايته من الردة الرجعية، ولكن الاتحاد القومي، كما صُمِّمَ وكما حُضِّرَ، كان بعيداً عن تحقيق ما كان منتظرٌ منه، وحُصرت مهمته في الدعاية لسياسة الدولة وتنفيذ خططها، وكان تكوينه، بالأغلبية الساحقة، من الموظفين والأشخاص الذين لا لون لهم ومن موظفي أجهزة الاستخبارات والدعاية و كان الوزراء البعثيون قد عرضوا على الرئيس عبد الناصر، في أكثر من مناسبة، رأيهم في الصعوبات التي يواجههاالحكم والاستياء الشعبي من هذه الصعوبات، كما طالبوا مع الأمين العام للحزب الأستاذ ميشيل عفلق- إثر عودته من بغداد مع وفد لجنة الاتصال الشعبي بعد ثورة 14 تموز 1958- بالسير نحو نظام ديمقراطي شعبي، لأن الوضع العربي يتطلب ذلك بإلحاح من أجل تسهيل انتصار التيار القومي في العراق وتفويت الفرصة على أعداء الوحدة هناك وفي الـ( ج.ع.م)، أيضا، ولكن هذه الاقتراحات أُهملت واعتبُِرت دعوات «للحزبية المخزية»، ومحاولات «للتسلط على الشعب»، و «استغلالاً للشعب واحتقاره» حسب ما ورد في خطاب للرئيس عبد الناصر.

    وعندما كان الوزراء البعثيون يعرضون على الرئيس عبد الناصر أهمية ترسيخ الوضع الداخلي على أسس متينة، كانوا يؤكدون أن أهمية ذلك تتعدى دولة إاـ "ج.ع.م" كدولة، إلى طابعها القومي كنواة لتحقيق الوحدة الشاملة ونموذج تهتدي به الحركات العربية الثورية في كل أقطار الوطن العربي، وكانوا يؤكدون أن الأخطاء والانتكاسات في الوضع الداخلي تؤثر على النضال العربي كله، لأن المناضلين في كل مكان يعتبرون الـ"ج.ع.م" ثمرة لكفاح العرب جميعا ويعتبرونها ركيزة لهذا الكفاح.

    وكان من بين الاقتراحات التي قدمت للرئيس عبد الناصر اقتراح بإنشاء مجلس سرّي من قادة النضال الثوري في إقليمي الجمهورية، لدراسة تجربة القطرين ودراسة وسائل تحقيق تنظيمٍ قوميِّ الأسس لتدعيم فكرة الوحدة وتنميتها داخل الجمهورية، على أن يقدم هذا المجلس اقتراحات للمسؤولين.

    كما قُدِم اقتراح آخر بإنشاء مجلس نضال عربي، ويكون " سرياً " برئاسة رئيس الجمهورية يضم أبرز المناضلين الثوريين، كممثلين عن الحركات الوطنية النضالية في الأقطار العربية، وتكون مهمته الاستفادة من الخبرة النضالية لكل الحركات ووضع استراتيجية عامة للنضال العربي تشمل كل الأقطار، تتوزع أدوارها باتفاق وانسجام مختلف الحركات الثورية، كل في ميدانها، وتبني كل حركة خطتها النضالية وسياستها استناداً إلى هذه الاستراتيجية العامة، ولكن كل هذه الاقتراحات كان مصيرها الإهمال.

    إن تلك المثالب لا تلغي النواحي الإيجابية في نظام الرئيس عبد الناصر، وفي تقييمٍ بعد ثورة الثامن من آذار 1963، اعتبر الحزب أن نظام عبد الناصر، هو ولا شك قوة تقدمية في الوطن العربي، ذلك أن هذا النظام قد حقق منجزات اشتراكية ضخمة في الداخل، وسار بخطوات واسعة في قلب البنية الاجتماعية، وإقامة القاعدة المادية للاشتراكية، كما أن نظام الرئيس عبد الناصر كان يتَّبع سياسة خارجية متحررة في المجال الدولي، وأن تجربة الرئيس ناصر لها دور بارز ومكانة كبيرة في قيادة التيار الثوري العربي، ولها أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية:

    _ على الصعيد القومي العربي، أصبحت عروبة مصر- التي كرست بعد ثورة 23 تموز- العامل الأساس في تحويل العروبة إلى قوة تاريخية، وأن انخراط مصر في النضال العربي الوحدوي قد أدخل العرب فعلاً في عصر جديد، وأصبحت مصر نقطة المركز في تحقيق وحدة تصبح نواة راسخة للوحدة العربية.

    _ إن ثورة تموز، ثورة وطنية معادية للاستعمار وقواه العميلة بجميع أشكاله.
       _ إن ثورة تموز، نقلت المجتمع العربي في مصر من مجتمع شبه مستعمر، شبه إقطاعي إلى مجتمع متحرر، صناعي يسير في طريق التقدم، وحققت انعطافاً في العلاقات الاجتماعية قوَّض بنيان المجتمع القديم.

    _ إن الرئيس عبد الناصر شخصية كاريزمية، قائد فرد ومصدر قوة للنظام ونقطة ضعف في آن معاً، والقائد الفرد، إنسان يصيب ويخطئ ويزول.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    من كتاب (مروان حبش في قضايا وآراء)

    عدد الزيارات
    9702307

    Please publish modules in offcanvas position.