nge.gif
    image.png

    حسان حموي: مائة عام من العزلة

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏نص‏‏‏Cien años de soledad..

    لأكثر من ستة أشهر و أنا أسعى للانتهاء من قراءة رواية المبدع الاستثنائي غابرييل غارثيا ماركيز و أخيراً و بعد الانتهاء منها من يومين فقط أجد لدي رغبة جامحة لاعادة قراءتها!

    شيء لم يحصل لي من قبل في اي رواية او كتاب أخر!

    انها رواية الثلاثين مليون نسخة، وترجمت إلى ثلاثين لغة وقد نشرها ماركيث عام 1965 في المكسيك.

    فعلا انها من أهم الأعمال الأدبية/الفكرية العالمية...

    يروي ماركيز أحداث مدينة اخترعها من خلال سيرة عائلة "بوينديا" على مدى ستة أجيال والذين يعيشون في قرية خيالية تدعى "ماكوندو"، ويسمون الكثير من أبنائهم في الرواية بهذا الاسم.

    يبرز في حبكة هذه الرواية عنصر الخيال الذي يأخذ بالقارئ لعالم قرية / مدينة "ماكوندو" وحياتها البسيطة التي لا تلبث ان تبتلى بوباء الصراعات بين الفئة المحافظة في المجتمع "المحافظين" و فئة الداعين للتحرر عن كل القيم و التقاليد و دون حدود "الأحرار"!

    كما تمتد أحداث هذه القصة على مدة عشرة عقود من الزمن، وتتوالى الشخصيات وما يترافق معها من أحداث برع المؤلف في سردها وأبدع في تصوير الأحداث والمشاكل وفي وضع النهاية لهذه القرية/المدينة عبر الاستناد و العودة إلى إحدى الأساطير القديمة!. (مماثلة للقرية التي اغرقها الله ايام نوح)

    تظهر براعة غارثيا بأن يخلق تاريخ قرية كامل من نسج خياله منذ أن كانت بدايتها الأولى على يد "خوسيه أركاديو بوينديا" وعدد قليل من أصدقائه مرورًا بنمو القرية حتى أصبحت أشبه بمدينة صغيرة توالت عليها الحروب والحكومات!

    من أجمل الافكار التي أراد الكاتب إيصالها ان الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة و يعود دوما لما يشبه البداية!

    فكلما تلاشت الاحداث من ذاكرتنا اعادها الكون لكن في شخصيات و ازمنة و أُطر مختلفة!

    قرية " ماكوندو " و التي ابتدعها ماركيز و التي سرعان ما اكتشف مكانها الغجر الذين زاروها/غزوها بالألعاب السحرية واللهو و المجون وحتى البساط الطائر في زمن و مكان كانت هذه المخترعات أو حتى تخيلاتها غير موجودة!

    ومع الزيارة الأولى للغجر، تبدأ الأحداث في التطور و كل شيء بهم ينتهي أيضا!! انهم يمثلون الغواية الحداثية بأبشع اشكالها و اندفاع المغرر بهم خلفها حتى الفناء!

    مرورا بالمآسي والأحقاد والحروب الطويلة التي قادها " الاحرار " لفرض رؤيتهم الليبرالية، ضد " المحافظين"...

    و كيف أن الكون لم يحتمل كل تلك الهرطقات البشرية و الدماء و الشذوذ عن الطبيعة فتغرق الأمطار الجميع، التي استمرت أكثر من أربع سنوات دون انقطاع و التي عطلت الجميع عن الاقتتال و ادت بهم للوصول الى فهم سر الرسالة الكونية في اغراقهم بالامطار تمهيدا للوصول الى اللحظة الأخيرة!

    لحظة هبوب الرياح المشؤومة التي قضت على كل العائلات و السلالات و المجتمعات المتماوجة الجيدة و السيئة و ابادتها والقرية/ المدينة كلها...

    في روايته أطلق وباء الأرق على أهل ماكوندو منذ وصول الغجر "تعبيراً عن الحداثيويين غير المنضبطين"، وجعل قسيسًا يرتفع إلى السماء "تعبيراً عن فشل المتدينين في ايجاد حلول ارضية و تجييرها للسماء"، وبقوّة الشوكولاتة الساخنة "تعبيراً عن الاعتزال عن الشر و تقديما للخير" أرسل نحوهم سربًا من الفراشات الصفراء.

    قاد ماركيز شعب القرية / المدينة في الدرب الطويل بين الحرب الأهلية والاستعمار وجمهوريات الموز المُتزعزعة.. و كأنه يتحدث عن ايامنا الحاضرة!

    تتبّع ماركيز خطوات اهلها إلى داخل غرف نومهم وشهد احلامهم و تعلقهم بفجورهم الفكري و بمغامراتهم الفاحشة والمسافِحة حتى في اسلوب الضحك على انفسهم و اقناع ذواتهم بصواب رأيهم...

    رسالته هي أن اعتزال الشر خير من افتعال الخير!
    و أن الابتعاد عن خطيئة التمسك بالرأي و التشنج و توريث الفكر الذي لايمكنه فهم الاخر.. هو اساس منع كل شر!

    وعندما حاز ماركيز على جائزة نوبل سنة 1982، باتت الرواية تمثّل دليل الخلاص للنصف الجنوبي من العالم من مأسيه "عالمنا الثالث"، وصار ماركيز يمتدّ صيته إلى كل القارات باسمه الأول، شأنه كشأن صديقه الذي كان جزء من وحيه لاحداث الرواية ، الكوبي فيديل كاسترو!

    انها الرواية التي استغرق مؤلفها خمسون عاماً لانتاجها!

    عدد الزيارات
    13983550

    Please publish modules in offcanvas position.