رؤية قديمة متقدمة في تنمية الثروة الحيوانية.. هل لها من يقلدها؟

كتب عبد اللطيف شعبان- فينكس:

اعتاد أغلب المزارعين القدامى اقتناء عدة أنواع من الثروة الحيوانية/ البقر – الغنم – الماعز – الحيوانات الخيلية – الدواجن / إلى جانب عملهم الزراعي، نظرا لأهمية منتجات وخدمات كل نوع منها، ولما كانت أعداد الحيوانات كبيرة عند بعض الميسورين وقليلة عند بعضهم الآخر لظروفهم المادية الني لا تمكنهم من الشراء، جرت العادة عقد شراكات تربية حيوانية فيما بينهم، إذ كان من لديه إناث زائدة يعطي بعضا منها – دون مقابل - لجيرانه أو أقربائه، على أن يكون له لا حقا حصة من مواليدها السنوية.

وقد روى لنا الآباء والأجداد أن أحد شيوخ الساحل السوري – قبل قرابة مائتي عام - كان لديه عدد كبير من الثروة الحيوانية، ولما تلمس أنه ليس بمقدور آخرين شراء بعض الحيوانات لتربيتها، وحاجتهم ماسة لذلك، فقد قرر أن يعطي عددا من إناث كل نوع منها – بلا مقابل مالي – لبعض من ليس لديهم القدرة على الشراء، على أن تكون له لاحقا حصة من مواليدها، وقرر أن يعطي حصته من الإناث بالطريقة نفسها لآخرين، وأن يوزع حصته السنوية من الذكور لحوما على الفقراء في أيام الأعياد وأيام شهر رمضان الفضيل، واستمر على هذه الحال سنوات حتى أصبح له شراكات مع المئات دون أن يأخذ منها شيئاً لنفسه، وأيضا أعطى مئات من العقارات الزراعية التي كان يملكها لمن لا يملكون أرضا، واشترط عليهم أن ينفقوا حصته السنوية من إنتاجها على الفقراء من أقربائهم وجيرانهم، وعندما أدركه العمر وشعر بقدوم الأجل، أعلم جميع شركائه أنه قد سامحهم بجميع حصته معهم من ثروة حيوانية وعقارات زراعية، وأوصى ورثته بعدم المطالبة بذلك، لأن ما بين أيديهم يكفيهم، فهل في الساحة الآن من يمارس هذه الفكرة أو أفضل منها – أكان ذلك من الجهات الرسمية أو من رجال الأعمال - لتحقيق المزيد من التنمية المطلوبة في الثروة الحيوانية، التي صرح السيد وزير الزراعة – قبل أيام - أن بلدنا قد خسر نصفها خلال السنوات المنصرمة.
هذه الخسارة الكبيرة جدا، والتي ستنعكس خسارة جديدة وبما يقارب نفس النسبة على قطاعات الزراعة والصناعة والحرف والخدمات لعلاقتها الوثيقة ببعضها، فالثروة الحيوانية رديفة للثروة الزراعية وتتكاملان معا فهي منتج السماد العضوي الأفضل لجميع المزروعات، يوم لم يكن السماد الكيماوي معروفا، إذ كانت مصدر السماد الطبيعي اليومي، لحقول المحاصيل الحقلية والأشجار المثمرة، أثناء مسارها للرعي اليومي في حقوله غير المزروعة، وكان يجمع روثها الليلي المتجمع في الحظائر، ليضعه في أراضي محاصيله الحقلية وعلى الأشجار المثمرة، قبل حراثتها بداية الإعداد لكل موسم، ما يمكن أرضه الزراعية من أن تنتج غذاءه وغذاء حيواناته، يوم كان العلف الحيواني منتج طبيعي علي يد المزارع نفسه، إذ لم يكن أغلب المزارعين يشترون العلف لحيواناتهم، وكثير منهم كان مكتفيا على مدار العام، أكان بخصوص حاجياته الغذائية أو حاجيات حيواناته، وأغلب من كانوا يشترون نوعا منها، كانوا يبيعون نوعا آخر، وكانت جميع المنتجات الحيوانية والزراعية تخدم القطاع الصناعي، إذ هي مدخلات أولية لمنشآته الكثيرة المنتشرة على ساحة القطر، وأيضا تخدم قطاع الحرفيين من حدادين ونجارين للأدوات الزراعية وقصابين ومطاعم ومنتزهات، كما أن حركة مدخلات ومنتجات الثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي تخدم العاملين قطاع النقل، والعاملين في تجارة وبيع الحيوانات ومنتجاتها والزراعة ومنتجاتها.
لقد بدأ التقلص في نمو الثروة الحيوانية مع دخول الآلة الزراعية، ومع دخول المفاهيم البيئية التي تمنع التربية المنزلية للحيوانات الزراعية، ومع توفر فرص العمل في الوظائف العامة والأعمال الخدمية والتجارية وانصراف الجيل الناشئ للتعليم في جميع سنوات شبابه، وكل هذا أصبح واقعا ويجب مراعاته، شريطة ألا يغيب عن البال أن تنمية الثروة الحيوانية حاجة وطن ومواطن، ما يوجب أن يعمل لها رسميا وشعبيا، من خلال المزيد من التسهيلات والمساعدات والإغراءات الواجبة على السلطات الرسمية، بالتوازي مع تعاون المجتمع الأهلي الذي عليه أن يقبل على ذلك، وعلى الميسورين الذين يجب أن يكون لهم دورهم التطوعي في ذلك، وكل تأخير يرتب مخاطر جديدة على ما تم من تقصير، ولا يخفى على أحد أن منغصات نمو هذه الثروة، وما يشكو منه المربون بخصوص سوء أو ضعف الرعاية البيطرية أو ندرة وغلاء مستلزمات إنتاج الثروة الحيوانية ومنتجاتها، أو تهريب الثروة الحيوانية وخاصة الإناث، وجميع ما يتعلق بصعوبات تنمية الثروة الحيوانية، ما هو إلا حرب اقتصادية مخططة ومتعمدة وذات أوجه متعددة توجب المزيد من الحكمة في مواجهتها.
عدد الزيارات
17502771

Please publish modules in offcanvas position.