تساؤلات في (ديمقراطية) خمسينات القرن الماضي

كتب الدكتور زياد ادريس:قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏

صونوا ودعموا البدايات!
مثل الماني ينبه لأهمية "البدايات" في كل عمل وصونها من الاخطاء!
في مجموعة تاريخ سوريا يجري بين الحين والاخر التطرق الى ماضي سوريا بالكثير من الشخصنة والامثلة لساسة مرحلة مابعد الاستقلال وتعظيمهم، دون الاخذ بعين الاعتبار بان اوضاعنا الحالية ماهي الا تتويج لسلسلة من الاخفاقات والفشل والاخطاء بدأت مباشرة بعد الاستقلال، وعلى يد الطبقة السياسية التي تولت الحكم بعد جلاء المستعمر، والتي فشلت وتخاذلت في الدفاع عن دستور البلاد أمام مغتصبيه والمعتدين عليه وفشلت في تأمين الحد الادنى من الاستقرار، فكانت الوزارات تتشكل في المساء لتستقيل في الصباح بقدر كبير من عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن واستقلاله والدولة ومؤسساتها.
والغريب ان هؤلاء الساسة قادوا بجرأة وشجاعة ونجاح النضال الوطني والاضرابات والانتفاضات المسلحة هنا وهناك من أجل الاستقلال ومن أجل دستور للبلاد وانتخابات برلمانية حرة ايام الاستعمار الفرنسي، ثم التزموا الصمت ولزموا بيوتهم واستكانوا وجبنوا عن التصدي بجرأة لاول انقلاب عسكري قام به عميد في الجيش كان مسرحا من الجيش الفرنسي لأسباب منها ما يتعلق بسلوكه الشخصي، وهم الذين دعوا يوما لاضراب شامل في البلاد استمر ستون يوما عام 1936 وانتهى بخضوع فرانسا لمطالبهم ودعوة وفد منهم برئاسة هاشم الاتاسي لاجراء مفاوضات في باريز وعادوا من هناك بمعاهدة من اجل الاستقلال.
والأغرب هو ليس فقط عدم التصدي للانقلابات العسكرية واغتصاب السلطة والاعتداء على الدستور، بل ان وجد منهم دوما من تعاون مع المغتصب بتبريرات وحجج مختلفة و أصبحوا وزراء عنده.
هل من المعقول او المقبول او المفهوم ان يقوم عالم دستوري كأسعد الكوراني بكتابة دستور لحكم فردي لضابط أحمق أخرق هو حسني الزعيم اعتدى على الدستور واغتصب السلطة بقوة السلاح؟ ألم يخجل من طلابه الذين كانوا يدرسون الحقوق الدستورية على يده؟
هل من المعقول والمقبول أن يقوم عقيد في الجيش هو الشيشكلي بتشكيل مجلس للعقداء، لم ينص على وجوده أي قانون في ظل حكومة دستورية وبرلمان منتخب ورئيس شرعي منتخب، ويأخذ قرارا بعزل رئيس الاركان اللواء سامي الحناوي وتنصيب الشيشكلي بدلا عنه، متخطيا الرئاسة والوزارة ويضع الجميع أمام الامر الواقع، ويوقع رئيس الجمهورية ووزير الدفاع لاحقا على مرسوم يشرعن العملية؟
ألم يكن الأحرى برئيس الجمهورية ووزير الدفاع آنذاك ان يصدرا أمراً بالقبض على الشيشكلي وتقديمه لمحكمة عسكرية حين استولى على رئاسة الاركان؟ والذي عاد بعد عدة أشهر لاستكمال انقلابه وارسالهم واعضاء الوزارة والبرلمان الى بيوتهم.
هل من المقبول من مجلس نيابي منتخب ان ينتخب ثانية القوتلي رئيسا للجمهورية وهو أول من اعتدى على الدستور وزور الانتخابات من أجل البقاء في السلطة؟
هل من المعقول والمقبول من رئيس مجلس نيابي يلاحق عدد من أعضائه من قبل المكتب الثاني عام 1957 دون رفع الحصانة عنهم من قبل البرلمان ويلتجأ 37 نائبا الى لبنان خوفا من الاعتقال، دون ان يجرأ هو أو أحد نواب المجلس على اثارة ذلك في البرلمان وطلب استدعاء رئيس المكتب الثاني عبد الحميد السراج لاستجوابه؟
هل من المعقول والمقبول والمفهوم من رئيس جمهورية المفروض انه رجل دولة، ان يمتنع عن التوقيع على قرارات صدرت عن وزير الدفاع ورئاسة الاركان بإحداث مناقلات بين الضباط، خضوعا لعصيان عسكري قامت به مجموعة من الضباط في معسكرات قطنا 1957يعاقب عليه القانون العسكري في جميع جيوش العالم بالاعدام الميداني؟
هل من المعقول والمقبول، ان يجتمع ضباط ويقررون ارسال وفد للتفاوض مع رئيس دولة اخرى من أجل وحدة اندماجية دون علم الحكومة ورئيس الجمهورية، ودون تكليف من أحد، ثم يخضع لهم البرلمان والحكومة ورئيس الجمهورية؟ لتقوم أغلبيتهم بعد سنوات قليلة بانقلاب الانفصال؟
هل كان لدينا دولة أم دولة قهوة؟
من يقف عند كل تلك المحطات، ويراجع تاريخ سوريا بتجرد وبعين النقد الموضوعي غير المشخصن، سيقتصد في اطلاق الألقاب على ساسة تلك المرحلة ووصفهم بانهم كانوا رجال دولة،كانوا ربما أنبياء ولكن لم يكونوا رجال دولة!
وسيجد أننا فشلنا كشعب وساسة و أحزاب ومنذ البداية في فهم ماذا يعني اقامة دولة حقيقية – دولة الحق والقانون - و إننا ندفع حاليا ثمن اخطاء الماضي، والبدايات تحديدا، و الباقي تحصيل حاصل، وكلما تاخر الدفع كلما كان الثمن مرتفعا!
عدد الزيارات
17502328

Please publish modules in offcanvas position.