image.png

اتفاقية 'سايكس بيكو' حوار مع محمد حسنين هيكل.. (حوار قديم)

"اتفاقية سايكس بيكو" هي اتفاق توزيع العالم العربي ضمن أملاك الخلافة العثمانية ـ بين بريطانيا وفرنسا, وقد جري التوصل الى هذه الاتفاقية بعد محادثات بين سياسي إنجليزي هو السير 'مارك سايكس' (وكان عضوا في مئة عام على سايكس ـ بيكو؟مجلس العموم, ومقربا من 'ونستون تشرشل' عضو وزارة الحرب البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولي) وأمامه على المائدة السفير ' فرانسوا بيكو' (وهو دبلوماسي فرنسي اهتم بالمشرق العربي, واعتبر أن لفرنسا حقا في الشام, لا يصح أن ينازعها عليه أحد
> وكان هدف محادثات الرجلين ترتيب توزيع الإرث, وانفراد الحليفين الكبيرين بالإرث العثماني في العالم العربي قبل نهاية الحرب, وفي غفلة وغيبة من كل الأطراف الدوليين خصوصا الكبار وبينهم الولايات المتحدة الأمريكية, وبعد اتصالات ومحادثات واجتماعات بين الرجلين في لندن مرات, وفي باريس مرات أخري توصل الاثنان الى خريطة توزيع العالم العربي نصفين, نصف يؤول الى بريطانيا, ونصف يؤول الى فرنسا, وقد استقرا في النهاية على خط تقسيم الخريطة بين' عكا' على البحر الأبيض, وبين 'كركوك' شمال الموصل وشمال الخليج, ليكون أساس توزيع الإرث بعد هزيمة دولة الخلافة وحلفائها. 

>> هل اللعبة مازالت مستمرة أم أننا دخلنا في لعبة جديدة بأطراف مختلفة؟
> }} كان هذا اتفاق 'سايكس بيكو' الأول والآن 'سايكس بيكو' الجديد
> نحن أمام تقسيم جديد لعالم عربي ضاع منه مشروع نظامه, أو أضاع هو مشروع نظامه, ولذلك جاء الى فضاء المنطقة من يرسم خرائطها الجديدة, في ظروف جديدة, لها مواصفاتها الجديدة.
> الخرائط الجديدة لا توزع إرث الخلافة العثمانية, وإنما توزع إرث المشروع القومي العربي, الذي تمكن من طرد الاستعمار الغربي في مرحلة سابقة, وحاول أن يملأ الفراغ وعجز, أي أن التركة التي تورث الآن ليست أملاك الخلافة العثمانية, ولكن المشروع العربي القومي؟ لم تستطع دولة الخلافة العثمانية أن تحمي أملاكها, وهكذا جري إرثها.
> لم يستطع المشروع العربي أن يحمي نفسه, وهكذا اليوم يتوزع إرثه
> أريد الوقوف معكم لحظة أمام خبايا ما يجري في عملية توزيع الإرث في الحاضر, ولكي أشرحه على صورة أقرب الى الصحة, فإني أعود قليلا الى مشاهد ترسمها الوثائق في إعلام الوراثة السابق لدولة الخلافة, فقد يكون في السابق الذي نراه إشارات الى ما يجري في الحاضر أثناء إشهار إرث المشروع العربي القومي, بعض الوثائق الملحقة باتفاقية 'سايكس بيكو' الأولي مروعة, فيها بالتحديد محضر جلسة جمعت بين رئيس وزراء بريطانيا 'لويد جورج', ورئيس وزراء فرنسا 'كليمنسو' وقد كنت بالأمس فقط منكبا على قراءته مرة رابعة أو خامسة
>؟؟
> كان الاجتماع في قصر 'لانكستر' وسط لندن, وتاريخه بالضبط أول ديسمبر1917
> وقد دار بين رئيس الوزراء البريطاني ونظيره الفرنسي حوار, حول اتفاقية 'سايكس بيكو' وكانت مطروحة عليهما, مع رغبة ملحة في ضرورة تعزيز التفاهم بين الحليفين الكبيرين: بريطانيا وفرنسا.. ووجه رئيس وزراء فرنسا 'كليمنسو' سؤالا الى رئيس وزراء بريطانيا 'لويد جورج': صارحني يا صديقي بما تريد حقيقة, حتي لا تظل بيننا فيما بعد شبهة خلاف. ويرد 'لويد جورج': مطلبي هو العراق وفلسطين, ويقاطعه رئيس الوزراء الفرنسي يسأله: هل هذا كل شيء؟
> ؟
> قل لي ولاتخفي عني, ويتردد رئيس الوزراء البريطاني, ثم قال على استحياء: أريد القدس (كانت القدس على الخريطة الأولي قد تركت لترتيبات دولية لاحقة, رغم أن فلسطين كلها كانت من نصيب بريطانيا). ويعود رئيس وزراء فرنسا الى السؤال: حسنا, سوف أترك لك القدس. ولكن هل هذه نهاية مطالبك نريد إنهاء كل أسباب الخلاف بيننا, أسألك: - هل القدس آخر الطلبات؟ ثم يكرر السؤال: قل لي بحق صداقتنا هل لديك شيء لم تقله لي؟ ويرد رئيس وزراء بريطانيا وهو يتنهد تعبيرا عن الحرج: بصراحة نعم... كذلك أريد الموصل (كانت الموصل حتي تلك اللحظة موضوعا معلقا في انتظار نهاية الحرب). ويتنهد رئيس وزراء فرنسا كأنه يضيف بالصبر مكرمة جديدة, ويقول لرئيس وزراء بريطانيا: حاضر, خذ الموصل
> كأنما أقاليم الوطن العربي لعب في أياد تملك اللعب بها, وبأقدارها ومصائرها وأهلها. هل أزيد وأضيف من داخل المحاضر في هذا الاجتماع بين الرجلين حوارا أشعر بالإهانة كلما وقعت عيني عليه: فقد سأل رئيس وزراء فرنسا زميله البريطاني عن وعود عرف أن الإنجليز أعطوها للشريف حسين أمير مكة مقابل إعلان الجهاد الإسلامي ضد تركيا الخلافة, ويرد 'لويد جورج' بقوله: هل تتصور يا صديقي أنني أقبل إلزام بريطانيا العظمي بورقة تعهد أعطيناها لقبائل بدو همجية؟ كنا نريد الحصول على فتوي تريح الهنود المسلمين, لأنهم عنصر مهم في قواتنا, بالذات في الشرق الأوسط, كنا نطلب منهم وغالبيتهم مسلمون أن يحاربوا خليفتهم وخشينا أن نعرضهم لأزمة ضمير, كنا محتاجين الى إعطائهم فتوي بالجهاد ضد هذا الخليفة فتوي ممن هو أقوي من الخليفة في وجوب طاعة المسلمين, فتوي باسم 'محمد', أليس هو الجد الأكبر للشريف 'حسين'؟ وبمقدار ما أن الشريف 'حسين' في وسط ضباب 'سايكس بيكو' الأولي راح يسمي نفسه: أمير المؤمنين, وملك العرب, وسلطان 'الحجاز', وحاكم 'نجد' فإن 'معمر القذافي' وفي وسط ضباب 'سايكس بيكو' الثانية راح يسمي نفسه زعيما تاريخيا, وقائدا أمميا, وملكا لملوك أفريقيا, والمصيبة
 أنه كان يقول ذلك بجد لا هزل فيه
>
> هل هناك فوارق بين سايكس بيكو القديمة و سايكس بيكو الجديدة؟ وما أسباب ذلك؟
>
> هناك فوارق بالطبع بين 'سايكس بيكو 'القديمة, و 'سايكس بيكو' الجديدة التي يجري رسمها الآن, و أول أسباب الاختلاف متغيرات العصر. 'سايكس بيكو' الأولي كانت خطا على خريطة, يصل من 'الكاف' الى 'الكاف', 'الكاف' في 'عكا', و 'الكاف' في 'كركوك', ويفصل الشمال عن الجنوب. هذه المرة ليس هناك خط فاصل, وإنما هناك مواقع متناثرة. التقسيم في المرة الأولي كان تقسيم جغرافيا وتوزيع أوطان, ولكن التقسيم هذه المرة تقسيم موارد ومواقع. وبوضوح فإن ما يجري تقسيمه هو أولا النفط وفوائضه
> نفط وفوائض ليبيا بعد نفط وفوائض العراق. والدواعي ظاهرة أولها: أن الحاجة الى النفط لاتزال ماسة, وبدائله لم تحقق بعد جدواها الاقتصادية (مع أن المحطات العملاقة لاستقبال الرياح بدأت تغطي جزءا من الاحتياجات النفطية), إلا أن فجوة الطلب أعلى من ذلك كله بكثير. تضاف الى ذلك فوائض مالية مكدسة
> : لنطبق سايكس بيكو الجديدة عمليا على ما يجري الآن في ليبيا
> نحن نعلم مما نقرؤه الآن أن نفط ليبيا جري توزيع امتيازاته فعلا, وبنسب أذيعت على الملأ, كانت: 30% لفرنسا (شركة توتال) 20% لبريطانيا (شركة بريتش بتروليم), والحصة أقل لأن بريطانيا أخذت أكثر في نفط العراق. وليست أمامي الآن نسب التوزيع فيما بقي, لكن إيطاليا تطالب بحق مكتسب (شركة ايني), ثم إن الشركات الأمريكية تلح على دخول قائمة الوارثين. بعد إرث الموارد هناك ثانيا تخصيص المواقع. قاعدة للأسطول السادس في 'طرابلس' لأميركا ومراكز مخابرات في 'بنغازي' و 'طبرق' لبريطانيا وإيطاليا تحتج بأنها تاريخيا تعتبر ليبيا منطقة نفوذ لها وفرنسا عبر البحر لها مطالبها
> كل هذا وصوت المعارك لايزال يدوي, وسيل الدماء لايزال يتدفق (حتي الآن ثلاثون ألف قتيل في ليبيا, وسبعون ألف جريح, ومرافق بلا حساب وقع تدميرها
> (؟؟
> وربما أن هذه التوزيعات للمواقع والموارد تجرى بنفس الأسلوب الذي رأيناه في اجتماع رئيسي وزراء بريطانيا وفرنسا يوم أول من ديسمبر1917.. و المؤلم أنه يبدو وكأن العرب لم يتغيروا, وكأنهم عادوا الى حيث كانوا, وكأنهم مازالوا هناك عند 'سايكس بيكو' الأولى, ثم إن ظاهر ما يسمعون يأخذهم الى حيث تريد لهم أوهامهم.
 
صفحة التيار الديمقراطي العربي (الأخضر العربي حاليا) عام 2017
عدد الزيارات
13780436

Please publish modules in offcanvas position.