nge.gif
    image.png

    لماذا ترون القذى بعيون الآخرين ولا ترون الخشبة التي في أعينكم؟

    أُبي حسن- موقع الرأي- يوم الجمعة تاريخ 27 أيار 2005

     "محمد كامل الخطيب من جديد

    لماذا من جديد؟

    لأنه لم يصدق أن ما فعله برواية الكاتبة السورية روزا ياسين حسن يستحق كل ما كتبناه وما قلناه.. وهو مندهش جداً من الأمر ومن رد فعلنا إزاء اعتدائه البشع على نص كان من الأفضل لو أنه مارس سلطته المريعة تلك وحجب عنه الجائزة طالما أنه لا يوجد من يراقب أداءه وسلوكه البعيد عن الروح الثقافية". هذا مقطع من مقالة سبق أن نشرها الشاعر إبراهيم الجبين في العدد السابع من "المبكي" بتاريخ 13/3/2005. وبين طيات المقالة يمكن للمتابع أن يجد كلاماً يفتقر إلى الدقة لينحو منحى تضليلياً بحتاً شأنه شأن الفقرة السابقة الذكر من قبيل أن الخطيب قام باقتطاع ما أراد وما يتعلق بالكتابة من مشاهد اغتصاب امرأة من قبل إحدى شخصيات الرواية... ورغم أني قرأت الرواية والمقتطع منها بتمعن إلا أني لم أجد شيئاً من هذا القبيل على الإطلاق(؟) وزيادة في التأكد ورغبة مني في تجنب مغبة النسيان سألت اثنين من الذين سبق لهم أن قرؤوا النص مع ملحقاته إن كان سبق لهما أن قرأا شيئاً مما يذكره كاتب المقالة في هذا الخصوص فأنكرا هذا الكلام جملة وتفصيلاً.. وكان من الطبيعي أن أتساءل كيف يبيح الكاتب لنفسه هنا ما "يحرمه" على غيره, فيستخدم سلطته الصحفية لممارسة التحريف والتضليل في مقالة خصصها للشكوى والتذمر لا بل والهجوم على "السلطة المريعة" للآخرين المفترض أن فضاء حريتهم بحكم موقعهم الوظيفي الرسمي أضيق من الفضاء الرحب والحر الذي يحلق في سمائه شاعرنا الذي لا يريد رقابة عليه كما أحب أن يصور لنا؟

    ومن الأشياء التي تروج لها مقالة "المبكي" ما يثير الشفقة والرثاء حقاً أكثر مما يستحق عناء الرد, لولا أن "المتهم" هو محمد كامل الخطيب "البعيد في سلوكه وأدائه عن الروح الثقافية(؟)" حسب تعبير محامي المستضعفين الذي يضيف أنه ـ أي الخطيب ـ "يدّعي أنه الضحية وأن الكاتبة مجرد باحثة عن الشهرة عبر إشارتها واستعمالها لعبارات جنسية...", وهذه العبارات رفضت الصحف (الثورة والمبكي) نشرها على صفحاتها أثناء هجومها المبكي على الخطيب, الذي لم يروا فيه رغم كل إنتاجه الفكري والأدبي والبحثي سوى رقيب يمارس "اعتداء بشعاً" على إبداع الآخرين. وباعتبار أن الشاعر الجبين خصّ الموضوع بمقالتين (الأولى منهما بتاريخ20/2/2005ـ العدد الرابع من "المبكي") وهو يعرف تماماً ما حذف من النص الأصلي لماذا لم يستشهد في إحدى مقالتيه بعينة من الجمل المحذوفة التي هي حسب رأيه تؤثر على سيرورة تطور الشخصيات وتحرف الأمكنة؟

    لست في صدد الدفاع عن الرواية, لكن هذا لا يعني أني أقف مع الرقابة ضد العمل الإبداعي. ولست الوحيد الذي يرفض الرقابة المسبقة بشقيها الرسمي والذاتي الناتج بفعل تاريخ طويل من ممارسة السلطة العليا لسياسة الترهيب الداخلي والكبت الممنهج لأبناء المجتمع, وهو إرهاب طال طبقة المثقفين دون شك, ولا أعتقد أن الأستاذ محمد كامل الخطيب الذي لم يشفع له تاريخه الأدبي والبحثي ـ كما يبدو ـ من أقلام المغرضين هو مع الرقابة كذلك, لكنه يدرك, وهذا ما تدركه الأقلام التي تعشق "الحرية", أن وزارة الثقافة ليست دور نشر خاصة. وبرغم أن المهمة الملقاة على عاتقها تنويرية بالأساس, إلا أننا لا نستطيع أن نغفل أن ما يحد من ارتفاع هذا السقف التنويري هو أخذها بالحسبان أنها لا تتوجه لفئة في المجتمع دون أخرى, بل تتوجه في نتاجها لمختلف شرائح المجتمع السوري واتجاهاته ومكوناته ومعتقداته. ولا شك هو مجتمع ما يزال في غالبيته يعاني رواسب الجهل والتخلف اللذين يحدان من مدى تقبل أفراد هذا المجتمع للنقد البنّاء منه والهدّام, وبالتالي فإن ذائقتهم الفنية في تقبل الاختلاف والنقد وكذلك النتاج الفني ما تزال في طور المحدودية, ما يعني أن دور الوزارة تنويري توفيقي لا تنويري استعراضي كما يحب بعض غلمان الكتابة والثقافة أن تكون. وهذه المسألة ليست خاصة بسورية فقط, بل هي عامة تشمل معظم (إن لم يكن كل) البلدان العربية. وقد سبق لنجيب محفوظ أن عانى طعن الأقلام الرخيصة أثناء مزاولته الرقابة في بلاده في فترة من الفترات. وبافتراض أن هذه القضية متفق عليها, إذ جميع الكتاب السوريين يدركون سقف المؤسسة الثقافية الرسمية فمن المفترض أن لا يحمّلوها أكثر من طاقتها, على الأقل حرصاً على السلم الأهلي بين مكونات المجتمع الذي أخشى أن أصفه بالهش. أما التلطي خلف قرار لجنة منح الجوائز فمن الطبيعي أن دورها يقتصر على الدور الفني ومع بالغ الاحترام لرأيها الذي أعتقد صادقاً أنه لا يهم في قضايا النشر التي لن تتحمل مسؤولية عقابيلها.

    وبمعزل عن أن الروائية كانت موافقة على حذف ما حُذف في البداية ولم تظهر رفضها للحذف إلا بعد أن تم الأمر (على عهدة أحد أصدقائها الذي رفض ذكر اسمه حرصاً على علاقته بها!) إنّا نجد أن ما قام به الخطيب من تغيير من قبيل "الطقوس السرية" التي جعلها "الطقوس الخاصة" وهي الكلمة الأصح فنياً. وهذا ما قاله "الرقيب" للكاتبة كما أخبرني, وفعلاً هي كذلك, إذ لا يكون الموضوع سراً بين مليوني آدمي بل بين آدميين اثنين. ولا أعتقد أن ثمة شخصاً سيفكّر بالتعالم عليّ فيعلّمني بصفتي الساحلية وانحداري من الطائفة المقصودة بماذا تسمى تلك الطقوس..

    يقول أدونيس (زميل إبراهيم الجبين) في حوار له مع "النور" (العدد 194 ـ 13/4/2005) وفي رده على سؤال حول الفرق بين جيله وجيل اليوم: "جيلنا امتلك مشروعاً ولو أنه كان وهمياً, إلا أننا كنا نتحرك ضمن ذلك الحلم وتلك المغامرة الحية. أما الشباب اليوم فأمام أفق مسدود, فكأن آباءهم جيش منكسر عائد من المعركة... فالشباب يرون أنفسهم في بحيرة ضخمة مليئة بالسمك, لكن ماء البحيرة يجف شيئاً فشيئاً فلا يجدون أمامهم إلا التخبط.".. نعم التخبط الذي أنتج جيلاً من المثقفين يعانون الانغلاق على الذات و نتائج هزيمة مستمرة ومفتوحة على المدى المنظور.. التخبط الذي أنتج جيلاً من الكتاب والشعراء الذين نسوا أنهم هم مارسوا دوراً أبشع مما تنطعوا للشكوى والتذمر منه. ولا أجد بأساً أن أذكّر إبراهيم الجبين بحادثة جرت معي ذات يوم في جريدة "الاتجاه الآخر" التي جمعتنا فيها الأيام ذات مرة  إذ كنت أجريت حواراً مع الشاعر الراحل ممدوح عدوان بغية نشره في الصحيفة المذكورة, وكنت قد سألت عدوان عن رأيه برواية حيدر حيدر المعروفة "وليمة لأعشاب البحر" فقد كانت الضجة المثارة حولها في أواخرها, فأجابني ممدوح من ضمن ما أجابني: "لا أجدها رواية جيدة, الآن أقولها إنها رواية غير جيدة". فحوّل إبراهيم الجبين (بافتراض أنه من المنظرين للروح الثقافية) رأي عدوان المذكور آنفاً ليصبح "أجدها رواية رديئة, الآن أقولها إنها رواية رديئة". يومها لم أستسغ تصرف الشاعر إبراهيم الذي "كبر" فجأة ونضج في غفلة من زمننا المكبل بالاستبداد, فصار يدافع عن نسمات الحرية (ولاسيما الإبداعية) فأقام الدنيا ولم يقعدها على استبدال كلمة "اللاذقية" بـ"المدينة". وبالمناسبة يجد القارئ اسم اللاذقية في أكثر من موضع في الرواية, و "السرية" بـ"الخاصة" وهو الصواب, متجاهلاً أو متناسياً ـ أي إبراهيم ـ أنه قال لي يوم تغييره جملة ممدوح "غير جيدة" بـ "الرديئة": "غير جيدة تعني رديئة أليس كذلك؟" كأن ممدوح عدوان كان يعجز عن استخدام الكلمة التي ارتأها من كان يريد ممارسة دور أبشع من دور الرقيب؟ يوم ذاك لم أستسغ تصرف إبراهيم, وبرغم ذلك لم ينشر رأي ممدوح كما فاه به إلا بتدخل من رئيس التحرير يومها. وإذا كان ما أذكره الآن يبدو بعيداً عن ذاكرة من ينصبون من أنفسهم وكلاء للحرية الأدبية في سورية, نستطيع أن نعيدهم إلى العدد العاشر من جريدة "المبكي" ولينظروا في المادة التي نشروها لي وليقارنوها مع نصها الأصلي ليروا بأنفسهم كيف حذفوا لي من مقالتي دون إذن مني أو حتى مشورتي. والغريب أن هذا الحذف جاء بعد المقالات التي نشرها الشاعر إبراهيم الجبين في الدفاع عن الحرية الفكرية والتنظير للروح الثقافية التي "يفتقر" إليها حسب نظره مثقف من وزن محمد كامل الخطيب(؟) ومن المفارقة بمكان أن ما حذف لي من جمل لم يكن يخدش الحياء العام أو يثير النعرات الطائفية, بل ببساطة كانت جملاً أو بالأحرى جملة وبضع كلمات أخرى متناثرة بين جنبات المقالة أتفكه بها على الأجهزة الأمنية التي أصبح من الممكن الحديث عن "حسناتها" حتى في الصحف الرسمية(؟).

    لم أكن أرغب في فتح هذا الموضوع إطلاقاً لولا أن الذين يرون القذى بأعين الناس فاتهم أن يروا الخشبة التي في أعينهم..

    ملاحظة للنشر: عندما أرسلت هذه المادة للمرة الأولى إلى جريدة "المبكي" أرسلتها إلى الأستاذ إبراهيم الجبين, ولم أكن أعرف أنه ترك العمل فيها, ماجعل أمر نشرها يسبب إحراجاً لمدير التحرير الجديد الأستاذ يعرب العيسى الذي أفادني بأنه لايفضل نشرها لأسباب تتعلق بأخلاق المهنة حصراً. ومع ذلك أحتفظ لنفسي بحق نشرها في "المبكي" وأصر على هذا.

    عدد الزيارات
    11142842

    Please publish modules in offcanvas position.