nge.gif
    image.png

    الدعم السعودي المصري دافعه الرغبة بعدم انتقال عدوى التغيير: في أسباب قوة النظام السوري

    أُبي حسن- القدس العربي- تاريخ 10 حزيران 2006

     نعم ما يزال النظام السوري، بالرغم من عوامل ضعفه الموضوعية الداخلي منها والخارجي، قوياً. ربما شعوره هذا هو ما يجعله غير مبال بمطالب المعارضة الداخلية (التي تصدّق عليها مؤخراً فوصفها بالوطنية)، بما تنطوي عليه مطالبها من استحقاقات تخصّ الداخل السوري، هذا من جهة، وغير مكترث بتهديدات الخارج وضغوطه من جهة اخرى.
    لعل أهم العوامل التي يستمد منها النظام قوته تكمن في ما يجري في العراق من اعمال عنف يومية تضعه على فوهة حرب اهلية، ومن نافل القول ان ما يحصل في العراق انعكس سلباً على مزاج غالبية الشارع السوري وآلية تفكيره (رغم انها تعاني من العطالة المزمنة)، وهي آلية باتت تخشي مصيراً كالمصير العراقي، وان كانت البنيتين التاريخية والثقافية لبلاد الرافدين تقفان علي النقيض من مثيلتيها في بلاد الشام. ومما لا شك فيه ان احداث العراق جعلت جلّ السوريين يأنفون من الديمقراطية الامريكية التي تساهم حمامات الدم العراقي ومعتقلات سجني ابو غريب وغوانتانامو في فضح زيفها وارتفاع رصيد لفظها من قبل السوريين.
    اما العامل الثاني من عوامل قوة النظام فيكمن في غياب البديل الحقيقي له، ولعل هذا العامل يفوق العامل الاول من حيث الاهمية. ومن المؤكد ان النظام السوري يدرك ان سرّ قوته الموضوعية كائن في غياب بديل عنه؛ أوليس هذا ما عبّر عنه مسؤول سوري رفيع المستوي بثقة وابتزاز واضحين في آن: "اما نحن واما الفوضي"؟ كما اننا لا نأتي بجديد في حال قلنا ان المعارضة السورية ما تزال ضعيفة بحكم اعتبارات عديدة، والنظام لم (ولن) يفوّت فرصة كي يُبقي لها حواضن ضعفها، هذا ما نقراه في الاعتقالات التي تمت مؤخراً في دمشق (تحديداً في اعتقال دينمو الحراك الاستاذ ميشيل كيلو ورفاقه).
    من جانب آخر لا نكون قد تجنينا علي المعارضة اذا قلنا: ان ما يجمعها - اكثر من اي شيء آخر - هو تغيير رأس الهرم في النظام القائم، وهذا بحد ذاته نقطة ضعف, فكما يلحظ بعض المراقبين ان الكثير من المعارضة الداخلية لم يلتفت الي قاعدة الهرم او البنية التحتية المنتجة للسلطة، محاولاً البحث عن عوامل التخلف في بنيتها الثقافية، وهي عوامل يستحيل ان تنتج راهناً غير الذي نشهده.
    علي صعيد آخر: نرى ان اغلب رموز المعارضة السورية في الداخل هم من الشيوخ الذين تخطوا سن السبعين، وهم في تركيبتهم الثقافية الوجه الآخر للنظام، ويمكننا القول بثقة ان بعضهم يحمل اما عقلاً اصولياً اسلامياً او عقلاً اصولياً قومياً. وكي لا اتهم بالتجني علي القوميين المعارضين في سورية (او بعضهم) من زاوية اصوليتهم، تفرض الامانة ان نذكّر بالشبكة الارهابية التابعة لتنظيم القاعدة والتي تم القبض علي اعضائها منذ فترة قصيرة في لبنان، فأحد اعضائها المصابين، اثناء عملية القبض، يكون ابن احد اعضاء المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض في سورية، والمضحك المبكي ان الناصري المعارض، والد الارهابي المصاب، كان يتلقي التهاني باصابة ولده الطبيب المجاهد في صفوف بن لادن؟
    في ما يخصّ معارضة الخارج، لا نفضح سراً في قولنا ان لا قاعدة مجتمعية لها في الداخل السوري، حتى انها لا تعرف شيئاً عن مشاكله وهمومه سوى ما تردده بعض الالسن الاعلامية في ما يتعلق بقانون الطوارئ وانتهاكات حقوق الانسان وما شابه، بهذا المعني لا نجدها، شأنها شأن معارضة الداخل، تتحدث عن السيرورة التاريخية لتخلف المجتمع، وكأن استبداد النظام وفساده اتيا من فراغ (؟) او اتيا بانقلاب الثامن من آذار (مارس) متكرسين بانقلاب الراحل حافظ الاسد؟ لن نستغرب هذا التجاهل، اذا ما علمنا ان الكثير من معارضي الخارج لم يستفيدوا من احتكاكهم بثقافة الغرب ومعايشتهم لها، فما تزال ثقافة الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية هي البوصلة الموجهة لهم، وهي التي تحدد لهم طرائق تفكيرهم وآليات التغيير التي ينشدونها (لولا احراج البعض لكنت ذكرت بضعة امثلة من الموجودين في امريكا)..
    يمكننا القول، ببساطة، ان معارضة الخارج هي مجموعة من الاثرياء السوريين يقطنون الولايات المتحدة الامريكية وكندا، وفي اوقات فراغهم يمارسون هواية السياسة؛ فعلى عهدة الراوي ان مصروف كلب (من اصل ياباني) لاحد زعماء الاحزاب المُعارضِة في الخارج، وهو متنفِّذ (المتنفِّذ هو المعارض وليس الكلب) داخل الادارة الامريكية، يفوق مصروف ثلاث اسر سورية شهرياً(؟) حتى ان صاحبنا المُعارض، كما نُمي الي مسامعي، لا يشتري وجبات الطعام لكلبه من اي سوبر ماركت متخصص بطعام الكلاب، مخافة ان يصاب بالكولسترول (طبعاً انا لا انكّت هنا).
    ومن عوامل قوة النظام كذلك غياب الطبقة الوسطي في سورية، وهو تغييب متعمّد سلطوياً (حسب رأي الكثير من المحللين)، فمن الطبيعي ان الطبقة الوسطي هي حامل لواء التغيير في اي مجتمع كان، وفي اي منحى من مناحي الحياة، وما نشهده في سورية من قبل المعارضة الداخلية هو، في حقيقة الامر، ليس اكثر من مجموعة فدائيين يملكون فائضاً من الغيرية علي وطنهم ومجتمعهم (بمعزل عن اتفاقنا او اختلافنا معهم جزئياً او كلياً). وربطاً مع غياب الطبقة الوسطي في سورية، التي نشهد حضورها بقوة في بلدٍ كالسعودية مثلاً - بصفتها احدى دول صناع القرار في المنطقة - اذ من المرجح ان تغيير النظام في سورية سينعكس سلباً علي الاسرة المالكة في السعودية، بمعني ان طبقتها الوسطي مع مثقفيها ستنشط مطالبة بالتغيير. بكلمة اخري ليس تغيير النظام في سورية من صالح دولة كالسعودية، ولا حتي في صالح النظام المصري كذلك.
    واذا ما انتقلنا الي صلب المعارضة السورية في الداخل، وبمنأى عن برنامجها الوطني، ثمة حقيقة لا يمكن لاحدنا انكارها، الا وهي ان النظام والمعارضة كلاهما نتاج ثقافة واحدة.. ثقافة التراث الاسلامي الاقصائي منه، ولعلنا في غنى عن القول ان الديمقراطية هي ثقافة وسلوك يتبلوران في ضوء الممارسة والتجربة لا بقرار حزبي موالٍ او معارض. اكثر من ذلك، عاشت المعارضة السورية في ظل ظروف غير صحية طوال اربعين عاماً او اكثر، ما يعني انها بالضرورة وبحكم الشروط غير الطبيعية التي فُرضت عليها تحمل في احشائها امراضاً غير طبيعية، لكنها لم تبدُ ظاهرة بوضوح للعيان بعدُ بسبب كونها معارضة وليست سلطة تحت المجهر.

    ولان السلطة والمعارضة نتاج ثقافة واحدة، نجد ذاك التنافس (الصامت) بينهما لاستقطاب الشارع الاسلامي وممالأته بطريقة منفرة تدعو للرثاء، ومن البديهي ان السلطة اوفر حظاً في مثل هذه الممالأة، ربما هذا ما يفسر لنا تحول المشهد العام لمدينة مثل اللاذقية (قبل قرابة شهر مضى)، المفترض انها استنشقت رياح الحضارة الغربية (فضلاً عن انها احدى وريثات الخصوبة الفينيقية)، الى مدينة تشبه قُم الايرانية او مكة السعودية، فالشعارات والرايات الاسلامية المتناثرة في جنبات شوارعها وعلى واجهات بعض محلاتها كانت توهم الرائي انه على ابواب غزوة كـ مؤتة او الخندق ، وان رسلاً كالسيد المسيح او سيدنا موسي هم رسل من الدرجة الثانية. وهي اشارة لا يخفي مدلولها، ولا شك هي خطوة تنسجم مع شعار المرحلة التي يعيشها النظام السوري اي شعار "دولة الله حاميها" كبديل عن دولة الصمود والتصدي.
    عامل آخر اضفي الكثير من عوامل القوة للنظام السوري، يكمن في المستجدات الاخيرة التي طرأت علي الداخل الايراني وملفه النووي، وهو مستجد، دون شك، خدم النظـــــام السوري.. ترى هل هذا ما يفسر لنا التصريحات الاخيرة لبعض مسؤولي الادارة الامريكية القـــــائلة بانهم لا يريدون تغيير النظام السوري؟ وهل هذا ما نلمسه في اعادة البعثة الدبلوماســية الامريكية مؤخراً الي دمشق؟..
    يمكننا هنا اجراء مقارنة بسيطة بين الموقف الامريكي سابق الذكر مع الرغبة الاسرائيلية الملحة في بقاء النظام السوري (بالطبع بقائه ضعيفاً لا يشكل تهديداً...)، وهي رغبة عُبّر عنها مراراً من قبل مسؤولين اسرائيليين في مرحلة من مراحل تحقيق القاضي ديتليف ميليس.
    تحصيل حاصل، النظام السوري باق على المدي المنظور، حتي ان انشقاق السيد عبد الحليم خدام (الذي بدا للوهلة الاولي وكانه زلزال) لم يضعفه اكثر مما جعل من السيد عبد الحليم مادة للتندر والسخرية في الشارع السوري، ولا بأس من القول هنا، وللانصاف، ان السيد خدّام مارس ضغوطه علي بعض الصحف اللبنانية (شأنه شأن النظام الذي انشق عنه) بغية عدم نقده ونقد تاريخه (هل هذا جانب من جوانب ديمقراطية خدام الموعودة؟). اما المعارضة بما فيها اعلان دمشق، ورغم انها استطاعت كسر حاجز الصمت منتقلة بسورية من مملكة للصمت (حسب وصف المناضل المبدئي رياض الترك) الى مملكة ضجيج، لكنه، مع الأسف، ضجيج (حتى الآن) يشبه طنين ذكور النحل لا اكثر ولا اقل.

     كاتب من سورية
    عدد الزيارات
    11141007

    Please publish modules in offcanvas position.