nge.gif
    image.png

    في أخطاء السياسة السورية

    أُبي حسن- السفير10587 - تاريخ 27/12/2005

    كان من الممكن أن يكون الحكم السوري أقل استبداداً من ذاك الذي شهدناه طوال سني حكم حزب البعث، ولاسيما مرحلة الرئيس الراحل حافظ الأسد، لو لم تكن وصفات جلّ المعارضة السورية في تلك السنوات لمرض الاستبداد البعثي تعمل على مبدأ «وداوني بالتي كانت هي الداء»، بمعنى آخر كانت أثناء ممارساتها لحقها في المعارضة الوجه الآخر لاستبداد البعث.
    وكي لايبقى الكلام مجرداً، لابأس من القول أن جملة من الأسباب ساهمت في تحويل بنية الدولة إلى ما نشهده اليوم من دولة أمنية متردية على أكثر من مستوى، قد يكون في مقدمتها الصراع المسلح الذي جرى بين السلطة وبعض المعارضة الإسلامية المدعومة خارجياً والذي تكلل بمحاولة اغتيال الرئيس الراحل حافظ الأسد إبان تلك الأحداث، ثم عقب ذلك صراع الشقيقين رفعت الاسد والرئيس حافظ الاسد عام 1984 وما نجم عن هذا الصراع من تبعات سلبية على بنية الدولة ـ السلطة، ليس بمقدورنا إنكارها أو التقليل من شأنها.
    بعد سلسلة الأخطاء تلك، أتت أجنحة معارضة رفعت شعارات من قبيل «إسقاط النظام ودحر الديكتاتورية»، كرابطة العمل الشيوعي، والملاحظ هنا أنه كان عدد أعضاء رابطة العمل الشيوعي (في هاتيك الفترة) من دون سرية أمنية(؟) وبالمناسبة حتى الآن يميل عدد من أفراد الرابطة إلى المبالغة في عدد المنتسبين إليها في هاتيك الأيام. يمكننا أن نسأل هنا: هل من حق الرابطة (وسواها من الأطراف المعارضة) أن ترفع شعاراً لا إمكان لتحققه على أرض الواقع؟ لعل الزميل حسام عيتاني كان مصيباً في ما أفادني به، خلال حديث تطرقنا فيه إلى حال المعارضة السورية، من أن مثل هذه المعارضات اعتقدت بإمكان نجاح حركتها سنتذاك، انطلاقاً من نجاح الحركات الانقلابية سابقاً على غرار ماحدث في تاريخ سوريا الحديث (أي سلسلة الانقلابات الثورية اليسارية التي حدثت منذ عام 1963 حتى 1970). ومهما يكن من أمر الرابطة ينبغي التنويه أن أبرز ايجابياتها تكمن في قدرتها على اختراق مجتمع معروف بمحافظته تاريخياً كالمجتمع الدمشقي، ومقدرتها على اجتذاب مثقفات من ذاك الوسط وان كان بنسبة ضئيلة، وهو مالم يستطع تحقيقه حزب البعث قبيل وصوله إلى السلطة بما تنطوي عليه هذه الأخيرة من وسائل ترغيب وترهيب.
    قبل أن أطوي صفحة الماضي والجاً بحاضرنا تجدر الإشارة إلى أني كنت أسأل أصدقائي في المعارضة (من مختلف اتجاهاتها): هل كنتم ستضعون الرئيس حافظ الأسد وأعضاء قيادته في السجن في حال كانت الغلبة لكم؟ وكان معظمهم يجيبني بعد لحظة صمت مكللة بالخجل غالباً: «بالتأكيد». من هنا كان قولي السابق أن عمل المعارضة كان وفق مقولة «وداوني بالتي كانت هي الداء»، إذ كان الجميع أسيراً للثقافة التي يعارِضُها من حيث لايدري ولايحتسب.
    لم أذكر ماذكرته لأبرر استبداد النظام وفساد أجهزته، كما لم أذكره لأقلل من شأن المعارضة السورية أياً كانت أخطاؤها وعثراتها، إنما أذكره لأدلل، ببساطة، أنه كان من شأن تلك الأخطاء أن بررت للنظام إحكام قبضته الأمنية على البلاد ومؤسساتها، وهي أخطاء يُخشى أن يعاد إنتاجها في ظل المناخ الدولي والإقليمي الذي نعيش أجواءه المشحونة.
    راهناً، قامت المعارضة بجهد جبار وعمل نبيل، إذ كان لها الفضل الأكبر في كسر جدار الخوف والصمت الذي كان سمة المجتمع السوري طوال عقود، مايعني أنها ساهمت في تحقيق خطوة نوعية من خلال المساهمة في الانتقال بهذا المجتمع من مرحلة ثقافة القطيع إلى مرحلة قد تؤسس لانتصار مفهوم المواطن الحر المدرك لذاته وأناه الحرة. وبالرغم من هذا، من الوهم الاعتقاد أو النظر إلى هذه المرحلة التي أشرت إليها باعتبارها نتاج المعارضة فحسب، بل لعلي لا أكون قد جافيت الواقع في حال قلت إن الكثير من نشاط المعارضة وكتابات المثقفين العاملين في الحقل العام والناشطين السوريين يتم تحت سياسة غض النظر من قبل النظام. وآية ذلك أن النظام قد يكون أدرك، ولو مؤخراً، أي في السنوات الستة الأخيرة، إن ضريبة الاستبداد وإلغاء المجتمع كانت باهظة إلى درجة قد تهدد بقاءه لذا سعى إلى إفساح المجال للمثقف بغية ممارسة دوره النقدي والتنويري بحيث لايكون في نشاطه مايهدد وجوده من الداخل.
    وليس سراً إن الهوة الكائنة بين مصالح السلطة ومصالح المجتمع غير قابلة للردم، وهذا مايدركه النظام (أو هكذا يُفترض) فما كان منه إلا أن تلقف شعار الإصلاح بغية «تبنيه» وهو مطلب أول من رفعه وطالب به، في سوريا، المثقف الوطني، وهو بطبيعة الحال مثقف معارض حكماً بمعزل عن انتمائه (أو لا انتمائه) السياسي.
    لاشك إن للمتغيرات العالمية أثرها في مايجري على الساحة السورية، لكن ليس إلى الدرجة التي اعتقد معها البعض، من أن النظام أضعف من أن يعتقل مواطناً أو مثقفاً، ولعل في اعتقال النظام لمفكر وطني بارز من قبيل ميشيل كيلو بذريعة حجج واهية مايؤكد أن اعتقاد ذلك البعض كان مجرد وهم، فكيف الحال إذا ما أضفنا إلى اسم ميشيل أسماء أخرى كأنور البني وعارف دليلة ورياض درار حمود ونزار رستناوي و(مؤخراً) فائق المير وسواهم، غير آبه، أي النظام، بحملة الاحتجاجات الداخلية والخارجية جرّاء الاعتقالات التي يقوم بها؟ والمفارقة (التي لاتفسير لها) أن النظام يدرك أنه في اعتقاله لهؤلاء الناشطين لن يكون أقوى في مواجهة أخطار الخارج خاصة إذا ما أدركنا أن أهم سمة من سمات معارضة الداخل (برغم أخطائها) أنها وطنية، فضلاً عن أن هذه المعارضة حالة رمزية (لا أكثر) بحسب تعبير الناشط محمد نجاتي طيارة. وقد سبق لأكثر من مثقف وسياسي لبناني أن قال للنظام بصفته صديقاً له انه لن يكون أقوى في حال اعتقاله لهؤلاء الناشطين والمثقفين. ومن المفيد التنويه هنا إلى أن النظام، من حيث يدري أو لايدري، يعيد استنساخ أخطاء ماضيه، فقد شهدت مرحلة سبعينيات القرن الماضي تجفيفاً للينابيع العلمانية والروافد المغذية لها في سوريا من خلال إقصاء الشيوعيين (بمن فيهم المنطوين تحت جناح النظام) وسواهم من خلفيات علمانية عن الكثير من مؤسسات الدولة والمجتمع قبالة التسهيلات التي حظي بها التيار الديني مثل ذلك «النهضة» العمرانية على صعيد بناء المساجد بطريقة مرعبة مع معرفتنا ومعرفة النظام أن هذه الوفرة في بناء المساجد لن تساهم في إنجاب فلاسفة ومفكرين قدر ماستساهم في إنتاج جماعات تكفيرية. صحيح أن المساجد تبنى عادة من أموال المتبرعين الذين «هداهم» الله فجأة، لكن من غير المعقول أن يسمح النظام بالتبرع لبناء مساجد من دون سماحه للأهالي بجمع تبرعات بغية شراء مقاعد دراسية لمدرسة يفتقر طلابها إلى مقاعد (مثال ماحدث في مدينة صحنايا حديثاً)؟. الآن يعيد النظام الخطأ ذاته وبصورة مضخمة ومبالغ فيها، مايخشى أن تكون نتائجه مستقبلاً كارثية حقاً. فها هو فتح المساجد للقبيسيات ودروس التعليم الديني في حين أنه لايسمح حتى الآن بتأسيس نادي سينما لاتتعدى مساحته التسعين متراً (؟) على سبيل المثال لا الحصر.
    ما ألمحت إليه آنفاً حول حالة ضعف النظام (وقوته) لاينفي حقيقة مفادها إن النظام في لحظات ضعفه الحقيقية، وإحساسه بخطر جدي يهدد بقاءه من قبل الخارج، يلجأ إلى البطش والتجبر.
    ثمة نقطة أخيرة ينبغي التركيز عليها، ألا وهي أن النظام طوال عقود مضت لم يكُ معتاداً على التعامل مع معارضة داخلية، خاصة الأجهزة الأمنية بما عُرف عنها من سطوة، وكما حالة المعارضة جديدة بالنسبة للمجتمع السوري الذي لاتزال شرائح واسعة منه تنظر إلى المعارِض نظرة لاتخلو من ريبة وتوجس بفعل التربية البعثية للمجتمع، كذلك هي حالة جديدة للنظام وأجهزته، وهذا مايعلل لنا حالة النزق التي تعتري كلا من المثقف المعارض ورجل الأمن في حال جمعهما حوار حول الإصلاح السياسي وماشابه. فرجل الأمن الذي اعتاد أن يَسأل من دون أن يُساًل ليس من السهل عليه أن يتقولب بين ليلة وضحاها محاوراً زيداً أو عمرو من المثقفين أو الناشطين المعارضين منصتاً لانتقاداتهم اللاذعة ضد النظام الذي يمثله أو الجهاز الذي يرأسه. وقريب من هذا المعنى ذاك الشعور الذي يعتري المعارض لاسيما في حال كان مثقفاً ونظرته الباطنية التي قد لاتخلو من الدونية إلى رجل الأمن بسبب من الصورة شديدة السوداوية المرتسمة في المخيال المعارض، وحتى في المخيّال الجمعي للمجتمع، عن الأجهزة الأمنية.
    تحصيل حاصل، كانت، ولاتزال، جلّ أخطاء المعارضة نتيجة ردّات فعل على أخطاء النظام. وكلاهما ساهم في أسرنة سورية المجتمع، في الحد الأدنى، في تلك الحلقة المفرغة من دوامة العبثية، ما كان له أثره الكبير في القضاء على تلك التراكمات الجزئية التي كان من شأنها النهوض بالمجتمع السوري مع مرور الأيام. وجل مانخشاه أن يستمر كلا من النظام والمعارضة في استنساخ أخطاء الماضي بما تنطوي عليها من مرارة، مايعني القضاء على آخر أمل تبقى في النهوض بالمجتمــع الذي لاينقصه المزيــد، إذ يكفــيه من البلاء أن طيفاً واسعـاً منه يعيش في القرن الحادي والعشرين جسداً لكنه يفكر بطريقــة القـرن السابع الميلادي.
    (٭) كاتب سوري

    عدد الزيارات
    11141612

    Please publish modules in offcanvas position.