nge.gif
    image.png

    في الذكرى الأولى لوفاته: دانيال نعمة.. معذرة فإني لا أجيد الرثاء

    أ دانيال نعمة القيادي الشيوعيأُبي حسن- النور- العدد 179- تاريخ 8/12/2004

     لم أكن أعرف القيادي الشيوعي الراحل دانيال نعمة، في باكورة سنوات وعي الأُولى بالواقع السوري، إلا من خلال شاشة التلفاز، السوري طبعاً, وكان من الطبيعي أن تكون وجهة نظري فيه مطابقة للواقع الذي نعيش، إذ كنت أعتقد، واهماً ,أنه يتحمل بشكل أو بآخر بعضاً مما آل إليه واقعنا الحالي.

    قدمت دمشق منذ سنوات، ولأسباب عدة (تورطت) وعملت في الصحافة، كانت (النور)، عندما سمعت بصدورها، في عددها الثالث، لم أكن أعرف أحداً من الشيوعيين آنئذ، بل كنت أتوجس شرّاً من كلمة شيوعي(؟) ربما تأثراً من قبلي بثقافة تهميش الأحزاب في سوريا.

    قررت الكتابة في (النور) بافتراض أنها منبر جديد، قد يتيح لي نافذة أطل من خلالها على القرّاء والمحيطين الثقافي والصحفي في سوريا, وكان ذلك. في مبنى الجريدة المتواضع تعرفت على دانيال نعمة عن قرب. في البداية بقي ذلك الشعور السلبي تجاهه يلازمني من غير أن أحاول معرفة نسبة الصواب والخطأ في إحساسي هذا. لكن شيئاً فشيئاً ومن خلال انغماسي في العمل وملازمتي للأصدقاء في الجريدة، صرت أعرف أبا خالد أكثر فأكثر مكتشفاً من خلال التجربة والمعايشة في العمل ما كنت أجهله فيه, إلى أن تكونت لدي قناعة تامة أن هذا الإنسان عكس ما تصورت في بدايات وعيّ الأولى، عندئذ وجدت لزاماً عليّ أن أصارحه بشعوري (السابق) تجاهه وكان ذلك، آنئذ سألني: "والآن هل تغيرت قناعتك؟", أجبته: (يا أستاذ الإنسان عدو ما يجهل). وقد صدق من قال: (إن دانيال استطاع أن يكسب محبة وتقدير الصحفيين غير الشيوعيين في (النور)، وبسرعة، قبل الشيوعيين).

    تعمقت معرفتي بالفكر السياسي والجانب الإنساني لدى دانيال من خلال حوار أجريته معه (هو الحوار الأخير الذي أجراه)، قد يبدو قولي هذا ساذجاً، إذ كيف سأعرف شخصاً من حوار؟ والتساؤل مشروع هنا. بدأنا بالحوار صباح يوم الخميس الموافق 2/1/2003 واستغرق أربع ساعات متتالية، وظننت أن الحوار انتهى وما تبقى هو تفريغ أشرطة الكاسيت وتسليم الحوار جاهزاً إلى (النور) حيث كان المفترض أن ينشر فيها. أفاجأ بأن الحوار لم ينته وأن لدى دانيال الكثير الكثير كي يقوله، فضلاً عن أن معظم المستجدات السياسية، تحديداً في الداخل السوري، كانت تنعكس بدورها على الحوار، ما يتطلب إجراء تعديل فيه كإضافة جملة هنا وحذف كلمة هناك مستبدلاً إياها بأخرى، وفي هذه الأثناء أيضاً غرقت في قراءة أدبيات وتاريخ الشيوعيين وما يتعلق بأسباب انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن شقيقه السوري ومن ثم أسباب انقسام الشيوعي السوري على ذاته، وكنت أسأل أبا خالد عن هذا كله وكان يجيبني بصراحة زادت من احترامي للشخص,لا بل كنت أفاجأ بذكره لمحاسن ومآثر خصومه من الشيوعيين وغير الشيوعيين قبل ذكره لنواقصهم وعيوبهم الحزبية والنضالية. فجأة تنطوي أشهر تسعة والحوار لم ينته بعد, كما أنه لم ينشر كما أردنا، دخل بعدها الأستاذ المستشفى وبقي فيها إلى أن وافته المنية.

    أستطيع القول من غير تواضع أنني عرفت الأستاذ دانيال على أثر الحوار المذكور الذي اكتشفت من خلاله أن كان بإمكان نعمة أن يقدم لوطنه ومجتمعه أكثر مما قدّم لولا الظروف الموضوعية التي عايشها الشيوعيون من ملاحقة واعتقالات وهلم جرا في خمسينيات القرن الماضي، ومن ثم الصراعات الداخلية في الحزب قبل انشقاقه الأخير عام 1986، هذه العوامل مجتمعة استنزفت الكثير من وقت وجهد دانيال.

    لمست اهتمامه وحرصه على كل من يعرفه أو يمت إليه بصلة أثناء تهنئته لي بنجاحي في شهادة البكالوريا التي نلتها متأخراً، وأذكر أنه سألني عن الدرجة التي نلتها في مادة اللغة العربية التي أحبَها فأتقنها وكان لسؤاله عن درجة هذه المادة تحديداً دلالته. وأستميح القارئ عذراً إن ذكرت بعضاَ من المواقف الشخصية التي تنم عن إنسانية ما بعدها إنسانية تمتع بها أبو خالد وما تزال مخبوءة في طيات الذاكرة تطل بين الحين والآخر لتذكرني بدفء الصدق لدى السياسي الذي يكبرني بجيلين، ذلك أثناء اهتمامه بنا من خلال اهتمامه بقضايانا الخاصة ليكسر بذلك الحاجز بين صحفي مغمور ورئيس تحرير له تاريخه السياسي والنضالي، مثل ذلك سؤاله (عبر مكالمة هاتفية كنت قد أجريتها معه بخصوص العمل) عن وضعي العاطفي إن كان قد استقر مع من أحببتُ (من طرف واحد) واخترتُ أم لا؟ وعندما أجبته بان النتيجة سلبية انزعج لأجلي، قائلاً: (ما رضّيت فيك حتى بعد البكالوريا؟) يا الهي يا أبا خالد ألهذه الدرجة كنت تظهر لنا من حنان الأبوة ولم نكن نشعر بذلك؟ وإني لأستغرب الآن وأنا أكتب هذه الكلمات متى كان يجد هذا الرجل الذي لم نره إلا وهو منهمك في عمل ما الوقت الكافي ليفكر فينا وفي مشاكلنا وهمومنا المفترض أنها لا تعنيه؟

    صحيح أنه ليس بالضرورة أن تتفق مع دانيال نعمة، وقد تختلف معه حول أشياء عديدة، لكن ليس بوسعك إلا أن تحترمه وتحبه.

    ما كتبته ليس رثاء في الراحل، هذا ولم ألصق به ما ليس فيه، بل لعلي قصّرت عن ذكر الكثير من مآثره ومواقفه على الأقل بالنسبة لي كشخص, وما يشفع لي في هذا أني لا أجيد الرثاء، كما أني أعلم أنه ما كان ينتظر يوماً أجراً على حسن صنيعه.

    لكن المسألة هي أني أجد أن من واجبي الأخلاقي والمهني أن أكتب عمن عرفت فاحترمت، ليس من أجلي أنا وأبناء جيلي فقط، بل من أجل الأجيال القادمة التي من حقها أن تعرف ومن واجبنا أن نخبرها في حال أرادت أن تنقب في تاريخ سوريا، أنه كان يوجد في زمننا نحن، زمن الكوليرا السياسية والوباء الاقتصادي والأخلاقي وما تبقى من أنواع الفساد التي نسمع بها دون أن نعرفها، مناضل وقائد شيوعي اسمه دانيال نعمة عاش في حي أقرب فيه إلى الشعب ومنه إلى الشعبي وفي منزل لا تتجاوز مساحته المئة متر مربع، أما منزله في مشتى الحلو (مسقط رأسه) الذي بدأ في بنائه أوائل تسعينات القرن الماضي ليس أفضل حالاً من منزل المئة متر في أحد أحياء دمشق، وإن كان أفضل حالاً فـ(ميزته) أن أرض المنزل الذي لم يكتمل بناؤه كما أراد هي من ورثة العائلة.

    دانيال نعمة عندما نكتب عنك ,فإننا لا نكتب كي نرثيك بل نكتب كي نكبر بك وبما تركته لنا من إرث سنبقى فيه نفاخر، فسلام عليك يوم ولدت، ويوم مت، ويوم تبعث حياً.

    عدد الزيارات
    11141166

    Please publish modules in offcanvas position.