لبنان بين فكي كماشة إما التطبيع أو التأزيم

    كتب محمد نادر العمري- فينكس- خاص:أ بيروت

     

    يبدو أن الكيان الإسرائيلي ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية يسارعان لفرض أمر واقع في المنطقة, واستغلال الأزمات المفتعلة نتيجة التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو بعد فرض الحصار الاقتصادي عليها بعد نجاحهما في تسريع وتيرة التطبيع, وهو مادفع رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقول أمام الكنيست "إن المنطقة للأقوياء فقط وإن الضعفاء يسحقون".
    هذا الواقع ينطبق أيضا على لبنان الذي يعاني من فوضى سياسية وتردي للأوضاع الاقتصادية الناجمة عن الضغوط الأمريكية التي وعد بها وزير الخارجية الأمريكية مايك بامبيو في زيارته للبنان شباط 2019 عندما وضع لبنانيين بين خيارين إما عزل حزب الله أو معاقبة الشعب اللبناني.

    وقد نجح الأمريكي في هذا الاستثمار نوعا ما وبخاصة في تأزيم الوضعين السياسي والاقتصادي وهو يسارع اليوم, لرعاية مباحثات بين لبنان والكيان الإسرائيلي, إلا أن هذه المباحثات يكتنفها الكثير من الملاحظات التي يمكن الإشارة لها:

    _أولا: نجح لبنان حتى انتهاء الجلسة الأولى بأن يفرض على هذه المباحثات أن تكون غير مباشرة وستكون برعاية أممية وبحضور الطرف الأمريكي, وحول نقاط وأمور تقنية وليس سياسية.
    _ثانيا: هذه المباحثات لن تبحث ترسيم كامل الحدود البرية والبحرية, وإنما ترسيم الحدود البحرية على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة برا والممتد بحرا.
    _ثالثا: عندما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري التوصل لاتفاق إطار تتضمن نص هذا الاتفاق وفي بنده الأول التأكيد على الاستناد إلى التجربة الإيجابية للآلية الثلاثية الموجودة منذ تفاهمات نيسان 1996، ما يعني أن تناط المهمة بالجيش وحده, ولا يجب أن يكون هناك تمثيل سياسي تضغط واشنطن لتحقيقه ومن خلفها إسرائيل التي عينت مستشار رئيس الحكومة ووزير الطاقة في وفدها.
    _رابعا: الطرف الوسيط هو غير محايد على عكس تفاهمات نيسان 1996, التي أجبرت فرنسا حينها والأمم المتحدة للرضوخ لمطالب لبنان, وبخاصة أن الوسيط الأمريكي هو يعلن انحيازه ودعمه لتل أبيب, ويمارس الضغط الاقتصادي على لبنان خدمة لإسرائيل, وخدمة لمصالحه وأطماعه الاقتصادية والتي تتمثل في رغبة الشركات الأمريكية باحتكار استثمارات غاز المتوسط.
    _خامسا: تل أبيب وبخاصة حكومة نتنياهو تريد تحقيق أمر من اثنين يخدم نتنياهو داخليا: أولها نتنياهو يريد توظيف هذه المباحثات في الداخل للقول للمستوطنين بأنني اسعى لتحقيق أمنكم, وثانيها تريد تل أبيب أن تكون هذه المباحثات بداية لاتفاق سياسي ينتهي إلى التطبيع, وفي حال فشله بذلك فأنه سيحمل حزب الله مسؤولية فشل ذلك لزيادة العقوبات والحصار عليه داخليا وخارجية, وهو مايفسر تأكيد نتنياهو أمام الكنيست أن "المفاوضات الحدودية غير المباشرة مع لبنان خطوة أو أرضية لاتفاق سلام مستقبلا مع لبنان، مضيفا أن حزب الله يمنع ذلك راهنا".
    كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيوظف بدء هذه المباحثات في حملته الانتخابية, لاسترضاء اللوبي الصهيوني.
    _سادسا: لبنان قد يكون هو الخاسر الأكبر من هذه المباحثات, وبخاصة في ظل توافر المعطيات التالية:
    1.وسيط غير محايد
    2.الإسرائيلي في ظل تواجد الأمريكي والعقوبات الاقتصادية لن تقدم للجيش اللبناني مايطلبه وهي مساحة 1700كم, أي دون احتساب أي تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة (صخرة تخيلِت) استناداً الى دراسة أعدتها قيادة الجيش وفقاً للقوانين الدولية.
    3. هناك حلاف داخلي لبناني على تركيبة الفريق المفاوض اللبناني ورفض حزب الله وأمل بوجود مدنيين ضمن الوفد, فضلا عن أن الوفد سيقدم على التفاوض دون أي دعم كما كان عليه الوضع عام 1996 حيث كانت سوريا داعمة للفريق المفاوض ومدافعة عنه.
    4.قد تزداد العقوبات الاقتصادية على لبنان ويتم تحريك الشارع مجددا للضغط على الحكومة اللبنانية لتقديم التنازل, أو الموافقة على الشروع السياسي للتطبيع.
    سابعا: قبل وأثناء وبعد المحادثات اللبنانية الإسرائيلية حول ترسيم الحدود البحرية، سيكثر الإعلام العبري من الترويج للإشاعات بغض النظر عن مصداقيتها بتوجيه سياسي وأمني وعسكري، وذلك لتحقيق أهداف متعددة:
    *أولها تتعلق بحسابات داخلية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وذلك لتخفيف وطأة الاحتجاجات التي يشهدها الكيان مؤخراً نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تداعيات كورونا وتخفيف وطأة الضغوط التي تمارس على نتنياهو للتخلي عن منصبه نتيجة قضايا الفساد المتهم بها، ولتحسين موقعه الانتخابي.
    ** ثانيا على الصعيد التفاوضي للضغط على الوفد اللبناني ودفعه لتقديم تنازلات وبخاصة أن بعض التقديرات تؤكد عدم انسجام الوفد وعدم امتلاكه الخبرة والحنكة التفاوضية, وقد حذر حزب الله من أن إسرائيل تسعى لجر الوفد اللبناني التقني إلى التفاوض السياسي.
    * ثالثا على الصعيد اللبناني لإدخال حزب الله في ضغوط والترقب والخلاف مع باقي الأفرقاء اللبنانيين، بما في ذلك خلق الخلاف بينه وبين حليفه التيار, لذلك حاول نتنياهو أن يظهر أن كل لبنان شعبا وحكومة وسياسيين يرغبون باتفاق سلام مع إسرائيل عدا حزب الله، وهو بذلك حاول الإيحاء أن الحزب هو العثرة الوحيدة أمام انفراج الوضع الاقتصادي.

    ****رابعا على الصعيد الإقليمي لتشجيع ودفع بعض الدول العربية للإسراع في مسار التطبيع.
    * خامسا لزيادة الضغط على سوريا.
    من المؤكد أننا أمام مشهد إعلامي واستثمار سياسي أكثر منه تفاوضي, في أسوء التقديرات تريد تل أبيب وواشنطن استثمار ذلك لحصار حزب الله واتهامه بالعرقلة, وبالتالي وضع لبنان بأجمله بين فكي كماشة إما التطبيع أو المزيد من التأزيم الداخلي.
    عدد الزيارات
    15521080

    Please publish modules in offcanvas position.