الصفحة الرئيسية

مروان حبش: هيكل وكوهين... والافتراء على الحقيقة

     لمّا كان الأستاذ محمد حسنين هيكل قد جانب الصواب في بعض ما سرده عن قصة الجاسوس الإسرائيلي إبلي كوهين في الجزيرة يوم 16 نيسان 2009, خاصة ما ورد عن تعرفه _ كوهين _ على العميد أمين الحافظ الملحق العسكري السوري في لأرجنتين قبل إيفاده لسورية جاسوساً للموساد. أ مروان حبش

هذه الشائعة بالذات تتكرر منذ أربعة عقود دون التدقيق في صحتها أو التمحيص في الوثائق التي نشرت حول قضية ذلك الجاسوس.  

و قبل أن أكتب ما أعرفه عن قضية الجاسوس كوهين، لابد لي من توضيح بعض الأمور:

1 - من البديهي أن الأستاذ هيكل له باع طويل وكبير في عالم الصحافة، ويمكن اعتباره أبرز شخصية صحافية في الوطن العربي، حتى أصبح الكثير من مستمعيه، وخاصة ممن لا يعرفون حقائق الأمور يعتبرون ما يقوله حقائق ومسلمات غير قابلة للنقاش.

2 - كان حريٌ بالأستاذ هيكل الذي يعتبر نفسه كليّ المعرفة وما ينطقه هو الحقيقة، أن يحترم الحقيقة ويخرج من عالم الصحافة ولو مرة ويدخل عالم البحث للوصول إلى الحقيقة، خاصة وأن بعض المطلعين على أحداثٍ يرويها، ما زالوا على قيد الحياة.

3 - بعض من يستمع لأحاديث هيكل تصبح لديه قناعة بأنه كان صانع القرار في مصر وأن المرحوم الرئيس عبد الناصر ما هو إلا واجهة له ويتلخص دوره في إخراج ما يقرره هيكل.

4 - لا يجوز لكل من يقرأ أو يستمع لهيكل أن تغيب عن ذاكرته أنه عمل مع السادات بعد أن انقلب على المنهج الذي حدده الرئيس عبد الناصر في كراس "فلسفة الثورة"، واعتقال أبرز الرموز الناصرية في مايس 1971.

5 - كما لا يجوز أن يفوتني ذكر رجاء قادة الكرملين من الرئيس عبد الناصر أن لا يصطحب معه هيكل حين زيارته للاتحاد السوفييتي، لأنه عميل للـ(C.I.A)حسب معلومات الـ (k.G.B).

مع الأيام الأولى لاعتقال كوهين نشط جهاز الموساد الإسرائيلي، بواسطة أجهزة الإعلام التي تسيطر عليها الحركة الصهيونية في العالم، في بث الشائعات التي تعلي من شأن الجاسوس كوهين وتوهم الشارع المتلقي بأنه "كوهين" قد حقق خرقاً كبيراً في حزب البعث وفي السلطة وكانت له أوثق الصلات مع شخصيات في موقع القرار، وكاد أن يصبح وزيراً أو عضواً في قيادة الحزب، وفي هذا المجال لا بد من توضيح بعض النقاط.أ إيلي كوهين

* من واجب البعثات الدبلوماسية في الخارج، خاصة، في بلدان المهجر أن تعمل على تمتين أوثق الروابط مع أبناء جاليتها وتتصل بهم وترعاهم وتفتح أبواب السفارة لاستقبالهم كي يبقوا على صلة بوطنهم الأم، ومن هذا المنطلق يمكن لأي مغترب سوري دخول سفارة وطنه الأم والالتقاء بأي دبلوماسي فيها، أما إذا دخل السفارة شخص مزروع كجاسوس، فاكتشافه يقع على جهاز أمن السفارة <وكلنا يعلم عدم وجود مثل هذا الجهاز في تلك المرحلة>، أو على الجالية التي كان من واجبها التعرف إلى شخص جديد ادعى أنه بأصوله يمتد إلى الوطن الأم.

   ورغم ذلك أؤكد أن العميد أمين الحافظ التحق بعمله كملحق عسكري في الأرجنتين بعد 1/1/1962، بينما كان كوهين قد غادر الأرجنتين في أواخر تشرين الثاني1961. وأذكر، أيضاً، أن الفريق الحافظ قد أرسل جواز سفره للمحكمة، أثناء محاكمة كوهين لتتأكد من تاريخ التحاقه بعمله كملحق عسكري وبغرض توضيح الحقيقة ودحض الشائعات، وكان الفريق أمين الحافظ قد أكد في برنامج "شاهد على العصر" هذا الأمر، ولكن "هيكل" الذي لا يسمع غير صوته، ولا يقرأ لغيره بقي يردد ما أشاعته أبواق الصهيونية، وربما يردد ذلك "لغاية في نفس يعقوب"، والكثير منّا يعرف غايته ومراميه.

* إن آليات الانتساب إلى حزب البعث، في تلك المرحلة تخضع لمراحل عديدة، تبدأ بمرحلة المؤيد ولا يكون الشخص فيها داخل الجهاز الحزبي، ومن بين المؤيدين يتم اختيار الأنصار، ويجب أن يقوم عضوان عاملان بترشيح المؤيد إلى مرحلة النصير وتمتد هذه المرحلة مدة عام على الأقل، وبعد مراقبة مدى التزام النصير بنظام الحزب وتنفيذ ما طلب إليه من مهمات ومدى وعيه لأيديولوجية الحزب يمكن ترشيحه إلى مرحلة العضو المتدرب وتمتد هذه المرحلة، أيضاً، لمدة عام يمكن بعدها ترشيحه إلى العضوية العاملة في الحزب، ولكي يكتسب هذه الصفة لا بد من اجتياز مقابلة أمام لجنة تمتحنه وتتأكد من مدى أهليته ليصبح عضواً عاملاً يحق له الانتخاب، أما الترشيح إلى المواقع القيادية فلها شروطها.

   ومن هذا المنطلق يتضح أن الفترة التي مضت على "كوهين" منذ قيام ثورة آذار وحتى تاريخ إعدامه، لا تؤهله لاجتياز مرحلة النصير، هذا فرضاً أنه تسلل إلى صفوف التنظيم الحزبي، وأؤكد أن هذا الأمر لم يحصل على الإطلاق، خاصة وأنه لم يتعرف إلا على حزبي واحد ويحتاج إلى عضو عامل آخر ليرشحاه للانتساب للحزب.

*ومن الشائعات التي راجت، أنه تعرف إلى شخصيات حزبية مدنية أو عسكرية كبيرة، وأنه كاد أن يصبح وزيراً، وما هي إلا شائعات تدحض نفسها، لأنه تسلل إلى الوطن وبقي مغموراً وبقيت صلاته محدودة بعدد قليل جداً من الأشخاص، اعتقلوا جميعهم ومثلوا أمام المحكمة.

كما أنه كجاسوس له مهمة محدودة لا يمكنه التعرف على شخصيات عامة والظهور معها، وأمر كهذا يلفت نظر رجال الأمن التي ستبحث عن تاريخه وتتعقبه لمعرفة كل التفاصيل عنه، أي أنه سيصبح في دائرة الرقابة الدائمة، أما المرشحون للوزارة فتتم دراستهم مرشحاً مرشحاً في قيادة الحزب وفي المجلس الوطني لقيادة الثورة، والوزارات السيادية كوزارة الإعلام لا يمكن أن يترشح إليها إلّا عضو من مستوىً قيادي في الحزب، يكون على معرفة عميقة بفكر الحزب وعلى معرفة بإستراتيجيته وعلى اتصال دائم بأوساط القيادة.محمد حسنين هيكل

*و أؤكد أيضاً وبشكل قاطع، أنه لم يطأ مبنى قيادة الحزب، ومن خلال مسؤولياتي الحزبية كعضو ثم أمين لفرع الأطراف <ريف دمشق> ومقر الفرع وقتذاك في مبنى القيادة بسبب كوني متفرغاً في قيادة الحزب ومسؤولا عن تأسيس مكاتبها، وكل داخل إلى المبنى يجب أن يكون بموافقتي، إلا إذا كان على موعد مسبق مع عضو قيادي، وأنا شخصياً لم أعرف صورة كوهين إلا بعد اعتقاله ونشر صوره بوسائل الإعلام.

*ليس من الغرابة أن يتم تجنيد أو زرع جاسوس، وكل الدول تسعى لذلك، وليس من الغرابة أن لا تستطيع أجهزة الأمن كشف الجاسوس بسرعة، وحتى قد لا تستطيع كشفه بتاتاً ومثَلُ رأفت الهجان خير دليل على ذلك، رغم الكفاءة العالية جداً لأجهزة الأمن "الإسرائيلية".

* مما يدعو إلى الاعتزاز والفخر إذا اكتشف جهاز أمني لأي بلد عربي جاسوساً أو شبكة تجسس في بلد عربي آخر، أما أن يُنسب هذا الاكتشاف إلى بلدٍ زوراً إنما يدل على ما يفعله الحقد من افتئات على الحقيقة، وأقصد بقولي ما تردد من أن أجهزة الأمن في مصر هي التي اكتشفت الجاسوس كوهين من خلال صورة له مع الفريق علي علي عامر خلال زيارة الفريق لمنطقة الجبهة، مع التأكيد بأن الجاسوس كوهين لم يقم بزيارة للجبهة بعد 8 آذار 1963، وإنما زار الجبهة لمرة واحدة برفقة معذى زهر الدين يوم خميس من شهر مايس 1962، وألقى الجاسوس على معذى أسئلة عديدة عن معركة تل النيرب التي وقعت بتاريخ 17/3/1962 وفيما إذا تم أسر جنود إسرائيليين، وكان معذى حينها موظفاً مدنيا في إحدى وزارات الدولة، واصطحبه إلى الجبهة كمغترب سوري وكصديق له، وهنا لا بد من ذكر تقصير أجهزة الأمن التي منحت "كوهين" باسمه العربي ترخيصاً لزيارة منطقة الجبهة.

   أما بشأن تجيير اكتشاف أمر الجاسوس لمصر، يعترف المذيع الناصري الهوى (عبد الهادي بكار "سوري من بلدة دوما") في كتاب له صدر عام 2000 وعنوانه "أسرار سياسية عربية" (اليوم وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً على ظهور قضية إيلياهو كوهين في دمشق أصارح الرأي العام العربي بالحقيقة التالية: وهي أنني قد اخترعت وصديقي الشهيد غسان كنفاني الذي كان مديراً لتحرير جريدة المحرر في بيروت حين كنت أقود الحملة الإذاعية ضد نظام الحكم في دمشق من إذاعة بغداد، حكاية مرافقة إيلياهو كوهين للوفد السوري الذي رافق الفريق علي علي عامر قائد الجيوش العربية في زيارته للجبهة السورية عام 1964 لتفقد مشروع تحويل مجرى الأردن. ولقد كان الهدف من ذلك الاختراع الإعلامي هو حرمان الحكم في دمشق من شرف اكتشاف الجاسوس إيلياهو كوهين في دمشق وإهداء هذا الشرف إلى جمال عبد الناصر). و لا أدري إن كان هيكل، وهو الذي لا يقرأ لغيره ما زال يعتبر أن القاهرة هي التي كشفت أمر الجاسوس كوهين.أ أمين الحافظ

*لم يكن من مهام كوهين إنشاء شبكة تجسس تتعاون معه، ولذلك تعامل معه كل من تعرف إليه، على أنه مغترب من أصل سوري رغب في العودة إلى وطنه الأم، وهذا ما أكده التحقيق مع الموقوفين في قضيته، باستثناء ماجد شيخ الأرض الذي قُدم إليه على أنه عميل لحلف الناتو، ولما علم بأنه جاسوس لـ"إسرائيل" سقط في المحكمة مغشياً عليه.

*بعد اعتراف الجاسوس بهويته، أرسل العقيد أحمد سويداني رئيس شعبة المخابرات العسكرية المقدم عدنان طيارة من شعبة المخابرات إلى القاهرة وزوده برسالة مرفقة باعترافات كوهين، إلى شعبة المخابرات في مصر مع رجاء بتزويد الموفد بما لديها من معلومات عن كوهين، ومكث مدة أسبوع في القاهرة وعاد منها خالي الوفاض.

كوهين... من الإسكندرية إلى دمشق

ولد إيلي كوهين عام 1921في مدينة الإسكندرية، وكان أبواه قد هاجرا من حلب إلى الإسكندرية قبل الحرب العالمية الأولى، وغادر كوهين مصر عام 1956إلى فرنسا ومنها إلى فلسطين المحتلة <إسرائيل> ووصل إلى ميناء حيفا في شباط 1957، وبعد فترة قصيرة تم تجنيده في جهاز الموساد وبدأ يتدرب على أعمال الجاسوسية "استخدام أجهزة اللاسلكي وأجهزة الاستقبال والإرسال، و صنع المتفجرات والديناميت من مواد كيماوية بسيطة يستطيع الحصول عليها من الصيدليات، وأعمال التدمير واستعمال الأسلحة الفردية وتحليل الأخبار السرية واستعمال الحبر السري، وكيفية التنكر والاختفاء عن عيون مطارديه...", كما بدأ يتعلم بعض مبادئ الدين الإسلامي على يد أحد علماء المسلمين في الناصرة بذريعة أنه طالب في الجامعة ويختص بالعلوم الشرقية. وبعد أشهر من التدريب أرسلوه إلى مدينة القدس بجواز سفر فرنسي وأمروه ألا يتكلم إلا العربية والفرنسية.

   بعد الانتهاء من تدريبه تم اختيار اسم كامل أمين ثابت ليكون اسمه الجديد الذي سيحمله، وتم تلقينه قصة مزورة تلخص أصول عائلته السورية التي هاجرت عام 1933إلى مصر ومنها هاجرت عام 1946إلى الأرجنتين، وأن والده لم يتنازل عن جنسيته السورية، وهو "كامل" عمل في حقل التجارة وساهم في عدد من الشركات في أوروبا، ولديه حنين كبير ليعود إلى الوطن "سورية" للعمل هناك.

   غادر كوهين تل أبيب في شهر شباط 1961 إلى سويسرا ومنها إلى الأرجنتين وهناك أخبره المسؤول عنه ضرورة تعلم اللغة الإسبانية على يد أستاذ، وبعد مضي حوالى الثلاثة أشهر زوده مسؤوله بجواز سفر يحمل اسم "كامل أمين ثابت"، وطلب إليه ارتياد النادي العربي في بوينس أيرس للتعرف إلى بعض السوريين، وممن تعرف إليهم عبد اللطيف الخشن رئيس تحرير جريدة "العالم العربي" التي تصدر باللغة العربية، وقادته هذه المعرفة إلى التعرف إلى بعض رجال الأعمال السوريين، وحضور بعض الحفلات التي تقيمها الجالية العربية والبعثات الدبلوماسية.أ الويس برونر

     وبناء على توجيهات مدربه، أخبر كوهين الخشن في شهر مايس عن نيته القيام بجولة في بعض الدول العربية للترويج للشركة السياحية التي يعمل فيها، وزوده الخشن برسائل إلى أصدقائه ومن بينها رسالة إلى ابنه كمال في دمشق يوصيه فيها الاهتمام بـ"كامل أمين ثابت".

   عاد كوهين في شهر كانون الأول 1961 إلى تل أبيب، وتم تدريبه على الاستقبال بواسطة مسجلة أما الإرسال فبواسطة جهاز إرسال، وتم تدريبه، أيضاً، على الأجهزة التي سوف يدخلها معه إلى سورية.

   غادر كوهين مجدداً تل أبيب إلى أوروبا، وفي مطلع الشهر الأول من عام 1962 تم في مدينة جنوة تعارفه إلى عميل حلف الناتو وعميل الـ"C.I.A" السوري ماجد شيخ الأرض، وهنا سلَم المسؤول عن ترتيب لقاء التعارف لماجد سيارة من نوع أويل خبئت فيها الأجهزة التي اصطحبها معه كوهين، وفي أوائل كانون الثاني 1962 أبحر العميلان <حيث تم التعارف إلى أن كامل أمين ثابت عميل في حلف الناتو> مع السيارة على متن الباخرة اسبريا من جنوة ووصلا ميناء بيروت في 8/1/1962.

   اتصل ماجد شيخ الأرض صباح اليوم الثاني من وصولهما إلى بيروت مع صديقه الموظف في الأمن العام السوري نصر الدين وانلي، وطلب منه ضرورة الحضور إلى مركز الحدود في جديدة يابوس لمساعدته بإدخال سيارته، وتم الاتفاق بينهما على أن يكون بانتظاره صباح يوم 10/1/962، وبهذه الطريقة تم دخول كوهين مع أجهزته إلى سورية. وتعرف في دمشق إلى منزل كمال الخشن وسلمه الرسالة الموجهة إليه من والده، كما تعرف من خلال تردده إلى بيت الخشن على جاره معذى زهر الدين ابن شقيقة قائد الجيش عبد الكريم زهر الدين.

   كان ماجد شيخ الأرض، يعيش في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، ولما كشف أمره بأنه يعمل على تهريب اليهود منها مقابل عمولة من المال هرب إلى فرنسا وهناك جندته وكالة المخابرات المركزية الأميركية واستخدمته في كوريا، وبعد انتهاء الحرب الكورية، أُعيد إلى أوروبا الغربية واستخدم لتنفيذ المهمات التي يكلف بها من قبل الوكالة.

   كانت المهمة الرئيس لكوهين في دمشق التعرف إلى مكان إقامة "ألويس برونر" مساعد أيخمان، الذي التجأ إلى سورية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ورسم الخطط لخطفه، وكان برونر قد استعار اسماً له هو جورج فبشرد وفتح مكتباً مع شريكين أحدهما ألماني والآخر سوري "فؤاد لطيف"، وعمل مكتبه بتجارة السلاح، "استورد أسلحة لصالح جبهة التحرير الجزائرية"، وهاجر برونر إلى مصر بعد فترة قصيرة من وصول كوهين إلى دمشق.

   تردد كوهين في دمشق على الأماكن التي يتواجد فيها الأجانب علّه يتعرف إلى "ألويس برونر"، وإلى السفير البلجيكي السابق "دوسان".

   عمل السفير "دوسان" مع أجهزة الأمن في الإقليم الشمالي <سورية> وقام أثناء الحرب الأهلية في لبنان 1958 بتهريب الأسلحة, ولأكثر من مرة في سيارته الدبلوماسية, من دمشق إلى لبنان لصالح القوى المناوئة لكميل شمعون، ولما اكتشف أمره حصل على حق اللجوء السياسي في سورية وأقام في قرية "عرنة" بجبل الشيخ.

   لما فشل كوهين خلال الأشهر الستة الأولى من التعرف إلى مساعد أيخمان استدعاه جهاز الموساد إلى "إسرائيل"، وبعد أن أطلع رؤساءه على ما يقوم به وعلى أسماء الأشخاص الذين تعرف إليهم مثل جورج سيف المغترب العائد من الأرجنتين والمذيع باللغة اللاتينية في البرنامج الإذاعي الموجه إلى المغتربين في أمريكا اللاتينية، وعمر الشيخ طالب الطب الهارب من الأرجنتين بعد الانقلاب على حكم الجنرال بيرون، ومعذى زهر الدين الموظف في وزارة الشؤون البلدية والقروية وغيرهم ...، عاد كوهين مجدداً إلى دمشق، بعد أن طلب منه المسؤول عنه تمتين علاقته مع كل من كمال الخشن وجورج سيف ومعذى زهر الدين وهيثم القطب الموظف في المصرف المركزي وصاحب المنزل الذي استأجره كوهين في أول شارع أبي رمانة، وحددت مهامه الأساسية بإبلاغ المركز عن:

-         أية حركات عسكرية يسمع بها أو يطلع عليها مهما بدت بالنسبة إليه عادية وغير ذات قيمة.

-        الأخبار الاقتصادية والسياسية، والتركيز عليها.

-        أهم الشائعات المتعلقة بالوضع السياسي والعسكري والاقتصادي.

   اعتمد كوهين على هؤلاء الأشخاص الثلاثة بشكل رئيس للحصول منهم على المعلومات المطلوبة، كما أن جورج سيف استضافه في برنامج إذاعي وكان يزوده بالمعلومات السياسية، والقطب كان يستقبله في المصرف المركزي ويجاوبه على أسئلته المالية والاقتصادية، و بعد استدعاء معذى للجيش بعد الثامن من آذار وتعيينه قائداً للحرس القومي في ادلب استضافه وقاما معاً بزيارة المنطقة الحدودية السورية - التركية في المحافظة، وكان كوهين يستضيف معذى في منزله كلما زار دمشق.

 

اكتشاف الجاسوس

   التقطت إحدى رواشد شعبة المخابرات العسكرية تردداً لإرسالٍ لاسلكي، ولم يكن هذا التردد ولا توقيت إرساله مسجلاً لدى فرع الرقابة السلكية واللاسكية في شعبة المخابرات، وتزامن هذا الحدث مع تشويش على أجهزة الإرسال والاستقبال في السفارة الهندية، مما دفع السفارة للاحتجاج على ذلك إلى وزارة الخارجية، ونظراً للصداقة الحميمة بين سورية والهند استدعى رئيس مجلس الرئاسة الفريق أمين الحافظ رئيس شعبة المخابرات العسكرية العقيد أحمد السويداني ولفت نظره إلى احتجاج السفير الهندي، وفي هذا اللقاء أطلع العقيد السويداني الفريق الحافظ على تعقب شعبة المخابرات مصدر ترددٍ لإرسالٍ مجهول، وأن الشعبة تشك بأن الإرسال قد يكون مصدره من السفارة، وتابع فرع الرقابة البحث بواسطة الرواشد ووضع احتمالاً بأن الإرسال ربما يكون من مقر المعهد العربي - الفرنسي في شارع أبي رمانة "والمقر غير بعيد عن منزل كوهين"، واقتحمت عناصر من الفرع المركز، وأدى هذا الاقتحام إلى احتجاج فرنسي جاء في الوقت الذي بدأت تتحسن فيه العلاقات العربية - الفرنسية في عهد الرئيس ديغول، ووضع هذا الاحتجاج السلطة وشعبة المخابرات في حرج كبير.أ عبد الهادي بكار

جاء الفرج من مهندس كان قد اختص بالاتصالات في ألمانيا الغربية ويخدم في فرع الرقابة برتبة ملازم مجند، إذ أخبر رئيس الفرع الرائد محمد وداد بشير، عن وجود أجهزة متطورة في ألمانيا الغربية باستطاعتها أن تحدد بدقة أمكنة الإرسال، وجاءا إلى مكتب رئيس الشعبة العقيد سويداني وأطلعاه على الأمر، فأوعز إلى المهندس الاستعداد فوراً للسفر إلى ألمانيا لشراء الأجهزة، وزوده بجواز سفر وبالمال المطلوب، على أن ينجز المهمة بأسرع وقت "وهذه الأجهزة لا يمكن استيرادها إلا من قبل القوات المسلحة بسبب استخدامها العسكري"، وتم ما أراده رئيس الشعبة، وعاد المهندس مع الأجهزة بأسرع وقت ممكن، وبدأ تعقب مصدر الإرسال وحدد البناء الذي يصدر عنه.

ولما لم يعد الخطأ مقبولاً، استأجرت شعبة المخابرات شقة في هذا البناء ووضعت فيه دورية أمنية وحددت مهمة رئيسها بنزع الواصل الفاصل "البيشون" لثوان معدودة من ساعات الكهرباء لشقق البناء، شقة بعد شقة وكل يوم شقة، أثناء البث، ولما توقف البث أثناء نزع بيشون ساعة إحدى الشقق، تم تحديد الشقة، وتمت معرفة شاغلها المغترب "كامل أمين ثابت".

   في اليوم التالي وفي الوقت المحدد للبث داهمت دورية من المخابرات على رأسها العقيد سويداني والرائد بشير الشقة، بخلع بابها بدفعة قوية، ووقف "كوهين" خلف طاولة المكتب مذعوراً من المفاجأة، ولم يجد المداهمون جهاز الإرسال على الطاولة، ولما سُئِل عنه أنكر وجود أي جهاز عنده، وأثناء البحث في الشقة عن الأجهزة تعثر أحد أفراد الدورية بحبل ستارة النافذة ومن قوة التعثر هبطت الستارة مع حبلها وهبط معها جهاز إرسالٍ احتياطي، وهنا سقط في يد الجاسوس الذي كشف عن مخبأ الجهاز الذي كان يرسل منه لحظة المداهمة. كان سطح طاولة المكتب محفوراً بمساحة درج الطاولة وبما يتسع لجهاز الإرسال ويغطي هذه المساحة كارتابل "مصنف جلدي لحفظ الأوراق".

طلب العقيد السويداني من الجاسوس إرسال رسالة كتبها له، تستوجب الإجابة عليها، ولكن المسؤول عن استقبال الرسائل في تل أبيب لم يجب، وأدرك جهاز الموساد نتيجة التوقف الفجائي للإرسال ومن معطيات الرسالة التي طلب إليه إرسالها أن الجاسوس قد ألمت به مصيبة.

بداية، أخذ التحقيق مع الجاسوس منحى أنه مغترب ومن أصل سوري ومسلم، ومع الإعلان في الصحف السورية بتاريخ 24 كانون الثاني 1965 عن إلقاء القبض على جاسوس، بدأت أجهزة الإعلام الصهيونية تضخم دوره وتعلي من شأنه وتروج الشائعات ومنها علاقته مع الفريق أمين الحافظ، ومن قبيل الفضول أراد الفريق الحافظ مشاهدة الجاسوس ليعرف إن كان قد التقى به في الأرجنتين، ولمّا شاهده نفى نهائياً أن يكون قد اجتمع معه، ووجه إليه بعض الأسئلة، ومن خلالها شكك الفريق في ما يدعيه الجاسوس بأنه مغترب ومسلم، وليتأكد من صحة شكوكه طلب منه قراءة سورة الفاتحة ولمّا تلعثم في قراءتها، أوعز للمحقق بأن ينحى التحقيق منحى يهودية الجاسوس وإسرائيليته، وبدأ كوهين يعترف عن هويته، وسردَ سيرة حياته ومنها كيفية تجنيده من الموساد لزرعه جاسوساً في سورية.

بعد انتهاء التحقيق مع كل من عرفهم كوهين وعددهم لا يتجاوز الأربعين شخصاً بينهم عشر نساء، بدأت محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية الاستثنائية وصدرت الأحكام ببراءة 33 متهماً والنسوة من بينهم، وثلاثة أشهر لكل من القطب ووانلي، وستة أشهر لإيلي الماظ، وخمس سنوات لكل من جورج سيف ومعذى زهر الدين، وعشر سنوات لماجد شيخ الأرض، والإعدام لإيلي كوهين.

حاولت الكثير من الشخصيات الأوروبية التوسط لتخفيف حكم الإعدام عن الجاسوس، دون جدوى، ونفذ الحكم به صباح يوم 19 مايس 1965.

   23/4/2009                                              

     

مروان حبش: عضو قيادة قطرية لحزب البعث ووزير سابق بين 1965 و1970

الويس برونر: مناضل الماني من مواليد 1912, اتهم بجرائم ضد اليهود في الهولوكوست, زُعم أنه لجأ إلى سوريا بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية, وسرت شائعات أنه توفى عام 2014   

    

أضف تعليق


كود امني
تحديث

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3438818